من أدبيّات الشريف المرتضى

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قال الشريف المرتضى :

تُطالِبُنِي نَفسي بِما غَيرُهُ الرّضا
 

وَأَيُّ الرّجالِ نَفسُهُ لا تطالبُهْ
  

وَما زلتُ مغلوبَ الهوى وسفاهةٌ
 

على عاقلٍ أَنّ الهوى منه غالبُهْ
  

وَلم تكُ إِلّا في جَميلٍ مآربي
 

ومن ذا الذي لا تُستَزلُّ مآربُهْ
  

وَأَعلَم أَنّ المرءَ يَطويه لَحْدُهُ
 

ومنشورةٌ سقْطاتُه ومعايبُه
  

وَلَيسَ بِمَيْتٍ من مضى لسبيلهِ
 

ولمّا تَمُتْ آثاره ومناقبُه
  

وَمَن لَم تُهذّبْه تَجاريب دهرهِ
 

فَما ضرَّه أَلّا تَكون تجاربُهْ
  

وَأَقنعُ مِن خِلّي بِظاهرِ وُدّه
 

وَلَيسَ بِحْليٍ ما تضمّ ترائبُهْ
  

وَإنِّيَ مِمَّنْ إِنْ نَبا عَنهُ مَنزلٌ
 

نَبا وَنَجتْ عَنهُ عِجالاً ركائبُهْ
  

وَلَستُ بِمُستَبِق صديقاً تجهّمتْ
 

نواحي مُحيّاهُ أَوِ اِزوَرَّ جانبُهْ
  

وَلا عاتِبٌ يَوماً عليهِ فَإنّما
 

صَديقُك مَنْ صاحَبتَه لا تُعاتِبُهْ
  

وَلا خَيرَ في مولىً يُعاطيكَ بِشْرَه
 

وَفي صَدرهِ غِلٌّ تدبّ عقاربُهْ
  

وَلا صاحبٌ لي إنْ كشفتُ ضميرَه
 

ودِدْتُ وِداداً أنّنِي لا أُصاحبُهْ
  

وَفَضلُ الفَتى ما كان منه وفضلةٌ
 

عَلى مَجدهِ آباؤه ومناسبُهْ
  

خَلصتُ خلوصَ التِّبرِ ضوعفَ سبكُهُ
 

وَطاحَتْ بهِ أَقذاؤُه وشوائبُهْ
  

لِيَ الشاهِقاتُ الباسقاتُ من الذُّرا
 

وَفي مَحتِدِي هاماتُه وغواربُهْ
  

وَكَم طالِبٍ لِي فُتُّه وَسَبقتُهُ
 

وَلَم يَنجُ منّي هاربٌ أنَا طالِبُهْ
  

وَراقبني كُلُّ الرّجالِ بسالةً
 

وما فيهمُ مَنْ بتُّ يوماً أُراقبُهْ
  

وَقَد علم الأقوام لمّا عراهُمُ
 

مِنَ الدّهر خطبٌ لا تُرَدُّ مخالبُهْ
  

وَضَلّتْ وُجوه الرّأي عنه فلم تَبِنْ
 

لِراكبه بالرّغم أين مذاهبُهْ
  

بِأنّي فيهِ الرّمحُ بل كسنانِهِ
 

أو السّيفُ لا تنبو عليه مضاربُهْ
  

وكم مَوقفٍ في نَصرهم قمتُ وسْطَه
 

وما زال مسدوداً عليَّ مهاربُهْ
  

وَسَيلٍ منَ الموتِ الزُّؤامِ حميتُهمْ
 

شَذاه وَقَد سالَتْ عَليهم مذانبُهْ
  

 

وقال الشريف المرتضى :

عَجِبتُ منَ الأيّام كيفَ تَروعنِي
 

وَمن عَزَماتِي تسمتدّ النوائبُ
  

وَكَيفَ اِرتَجتْ عِندي بلوغَ إرادةٍ
 

وَما مالَ منّي في الغِوايةِ جانبُ
  

لَقد هَوّنتْ صَرفُ اللّيالي بَصيرَتي
 

وَآنَسُ شَيءٍ بِالفؤادِ المَصائبُ
  

إِذا كُنتُ أَستعلي بِنَفسٍ عزيزةٍ
 

فَلا قامَ أَنصارٌ ولا هبَّ صاحبُ
  

وَربّ حَسودٍ يَزدَريني بِقَلبهِ
 

إِذا رامَ نُطقاً أَخرَسَتْهُ المَناقبُ
  

تَسَربَل سِربالَ اللّيالي وَما دَرى
 

بِأَنّ مَكاني ما مشى فيه عائبُ
  

وَفارَقتُ أَخلاقَ الزّمانِ وأهلهِ
 

فَقد عَجبتْ أنْ لم تَنَلْنِي المعايبُ
  

وَمارَستُ مِن أَحوالهمْ ما بطرِفهِ
 

أشاهد ما تُفضِي إليه العواقبُ
  

إذا لَم يَكُن بِالسّيف سعيُك للعُلا
 

فَلا دانَ مَطلوبٌ ولا ثار طالبُ
  

وَكُنتُ إِذا حاولت قَوماً تسفّهتْ
 

حلومُهُمُ حتّى جَفَتْنِي السّحائبُ
  

كَأَنّ الرّدى ما حُمّ إلّا لِصَلْوتي
 

وَلا خُلقتْ إلّا لِأَجلي العجائبُ
  

 

وقال الشريف المرتضى :

ما في السُّلوّ لنا نصيبٌ يُطلبُ
 

الحُزن أقهر والمصيبة أغلبُ
  

لكِ يا رزّيةُ في فؤادِيَ زفرةٌ
 

لا تُستطاع ومن جفونيَ صَيِّبُ
  

قد كان عيباً أن جرى لِيَ مدمعٌ
 

فاليوم إن لم يجرِ دمعٌ أعيبُ
  

وَلَطَالَما كان الحزين مؤنّبا
 

فالآن مُدّرع العَزاء مؤنَّبُ
  

طَرَقتْ أَميرَ المؤمنين رزيّةٌ
 

والرُّزْءُ فينا طارقٌ لا يُحْجَبُ
  

لَم يَنجُ منها شامخٌ مترفِّعٌ
 

أو مدخلٌ مُتَمَنّعٌ مُتَصَعَّبُ
  

لو كان يُدفع مثلُها ببسالةٍ
 

لحمى عواليها الكماةُ الغُلَّبُ
  

الضّاربون الهامَ في رَهَج الوغى
 

والسُّمْرُ تُلطخ بالنّجيع وتُخضَبُ
  

وَالهاجِمونَ على المنيَّة دارَها
 

وَقُلوبُهم كالصَّخرِ لا تتهيَّبُ
  

قَومٌ إِذا حَملوا القنا وَتَنمّروا
 

رَكِبوا مِنَ العَزّاء ما لا يُركبُ
  

أَو أَقدموا في معركٍ لم ينكصوا
 

أو غالبوا في مَبْرَكٍ لم يُغلبوا
  

رُزءٌ بمُفتَقَدٍ أَرانا فقدُه
 

أنَّ العُلا والمجدَ قَفْرٌ سَبْسَبُ
  

وَالأرضُ بعدَ نضارةٍ ما إن لها
 

إِلّا الأَديمُ المقشعرُّ المُجدِبُ
  

والنّاس إمّا واجمٌ متخشِّعٌ
 

أو ذاهلٌ خلع الحِجى مُتَسَلّبُ
  

إِن يَمضِ مقتبِل الشّباب فإنّه
 

نالَ الفَضائلَ لَم يَنلْها الأَشيبُ
  

ورعٌ نبا عنهُ الرّجال وعفّةٌ
 

لم يَستطعها النّاسك المتجنِّبُ
  

قُلنا وَقَد عالوهُ فَوق سريرِه
 

يَطفو عَلى قُلل الرّجال ويرسُبُ
  

وَوَراءَه الشُمُّ الكرامُ فناشِجٌ
 

يُذرِي مدامعه وآخرُ يندُبُ
  

مَن ذا لَوى هَذا الهمام إِلى الرّدى
 

فأطاعه أم كيف قيد المُصْعَبُ
  

صَبراً أَميرَ المؤمنينَ فَلَم نَزلْ
 

بالصّبر من آدابكم نتأدّبُ
  

أَنتُم أَمَرتم بِالسُّلوّ عن الرّدى
 

وَأَريتمُ في الخطبِ أَين المذهبُ
  

وَرَكِبتمُ أَثباجَ كلّ عَظيمةٍ
 

إذ قلّ ركّابٌ وعزّ المركبُ
  

ووردتُمُ الغَمراتِ في ظلّ القنا
 

والطّعن في حافاتها يتلهّبُ
  

حوشيتُم أن تُنقصوا أنوارَكم
 

أو تُبخسوا من حظّكم أو تُنكبوا
  

وَإِذا بَقيتم سالِمينَ منَ الأذى
 

فَدَعوا الأذى في غَيركم يتقلّبُ
  

شاطَرتَ دَهرك واجداً عن واجدٍ
 

فَغَلبتهُ والدّهرُ غيرَك يغلبُ
  

ما ضَرّنا وَسُيوفنا مَشحوذةٌ
 

مَصقولةٌ إِن فلَّ منها المِضربُ
  

وَالشَمسُ أَنتَ مُقيمةً في أُفقها
 

وَهُدىً لَنا مِن كُلّ شَمسٍ كَوكَبُ
  

وَإِذا البحورُ بَقينَ فينا مِنكُمُ
 

مَملوءةً فدعِ المذانبَ تنضُبُ
  

وَلَئِن وَهى بِالرُّزءِ منّا منكبٌ
 

فَلَقد نَجا مِن ذاكَ فينا منكِبُ
  

نَجمانِ هَذا طالِعٌ إِيماضه
 

مَلأ العيونَ وذاك عنّا يغرُبُ
  

أَو نِعمتانِ فَهذهِ مَتروكةٌ
 

مذخورة أبداً وأُخرى تُسلبُ
  

أَصلٌ لهُ غُصنانِ هذا ذابِلٌ
 

ذاوٍ وهذا ناضرٌ متشعّبُ
  

أَو صَعْدةٌ فُجِعَتْ ببعض كُعوبها
 

ولها كعوبٌ بعد ذاك وأكعُبُ
  

أَو أَجدَلٌ ما سُلّ منه مِخْلَبٌ
 

فَاِجتُثَّ إلّا ناب عنه مِخلَبُ
  

ماذا التنافسُ في البقاءِ وَإِنّما
 

هُوَ عارِضٌ ماضٍ وبرقٌ خُلَّبُ
  

ذاقَ الحِمامَ مبذّرٌ ومُقتّرٌ
 

وَأَتى إليه مبغضٌ ومحبّبُ
  

فَمُعجّلٌ لحمامهِ ومؤجّلٌ
 

وَمُشرّقٌ بِطلوعهِ ومغرّبُ
  

وَنُعاتبُ الأيّامَ في فُرُطاتها
 

لكنْ نُعاتب سادراً لا يُعتبُ
  

لا نافعٌ إلّا وَمنهُ ضائرٌ
 

أَو مرغبٌ إلّا وَفيه مُرهِبُ
  

وَمَتى صَفا خلل الحوادِث مشربٌ
 

عَذبٌ تكدّر عن قليلٍ مشربُ
  

فَخراً بَني عمّ الرّسول فأنتُمُ
 

أَزكى المَغارس في الأنام وأطيبُ
  

إِرثُ النبيِّ لَكم ودار مُقامِهِ
 

والوحْيُ يُتلى بينكم أو يُكتبُ
  

والبُرْدُ فيكم وَالقضيبُ وَأَنتمُ الْ
 

أَدنَوْن من أغصانه والأقربُ
  

وأبوكُمُ سقّى الأنامَ بسجْلَهِ
 

وَأَحلّه والعام عامٌ مُجدبُ
  

خُتمت خِلافته بكمْ وعليكُمُ
 

إشرافُها أبدَ الزَّمان مطنَّبُ
  

هِي هَضْبةٌ لَولاكمُ لا تُرتَقى
 

أَو صَعبةٌ بِسواكمُ لا تُركبُ
  

حَكمَ الإِلهُ بِأنّها خِلَعٌ لكمْ
 

لا تُنْتضى وبَنيَّةٌ لا تُخربُ
  

كَم طامِعٍ مِن غَيرِكمْ في نيلها
 

فَرَقتْ مفارِقَه السّيوف الوُثَّبُ
  

وَمُؤمّلين وُلوجَ بَعضِ شِعابها
 

لَم يَبلُغوا ذاكَ الرّجاءَ وخُيّبوا
  

جِئناك نَمتاحُ العَزاء فَهَب لنا
 

مِنكَ العَزاءَ فَمِثلُ ذَلكَ يوهبُ
  

وَاِرفُقْ بِقَلبٍ حاملٍ ثِقلَ الورى
 

وَالكَلْمُ يؤْسى والمضايقُ تَرحُبُ
  

وَاِسلُكْ بِنا سُبُلَ السلُوّ فإنّنا
 

بِكَ نَقتَدي وَإِلى طريقك نذهبُ
  

 

وقال الشريف المرتضى :

أَما تَرى الرُّزْءَ الّذي أَقبلا
 

حمَّلَ قلبي الحَزَنَ الأثقلا
  

بُليتُ والسّالمُ رهنٌ على
 

قضيّةِ الدّهر بأنْ يُبْتَلى
  

مُجَرَّحاً لا حاملٌ جارحي
 

بِكفّه رمحاً ولا مُنْصُلا
  

يُقرَعُ مَرْوي بأكفّ الرّدى
 

يردعني من قبل أنْ ينزلا
  

وإنْ تأمّلتُ أوانَ الردى
 

رأيتُ ليلاً دونه أَلْيلا
  

كأنّني أعشى وإنْ لم أكنْ
 

أعشى من الأمر الّذي أَثْكلا
  

يا بؤسَ للإنسان في عيشه
 

يُسلُّ منه أوّلاً أوّلا
  

يَنْأى عن الأهل وما ملّهمْ
 

ويُبدل الحيَّ وما اِستَبدلا
  

بين ترى في ملأٍ دارَه
 

حتّى تراه في صَعيدِ المَلا
  

فقل لقومٍ زرعُهمْ قائمٌ
 

زرعُكمْ لابدّ أنْ يُخْتَلى
  

وقلْ لمن سُرّ بتخويله
 

خُوِّل مَنْ يأخذ مَنْ خَوَّلا
  

وقلْ لماشٍ في عِراصِ الرّدى
 

أنسيتَ مَن يستعثر الأرجلا
  

أسْمَنَك الدّهرُ فلم تخشَه
 

وإنّما أسمن مَن أهزلا
  

إنْ تُلفِهِ للمرء مستركباً
 

فهوَ الّذي تَلقاه مُستنزلا
  

أوْ صانه عن بذله مرّةً
 

فَهوَ الّذي يَرجعُ مُستبذلا
  

فَلا يَغرّنْك وميضٌ له
 

ما لاح في الآفاقِ حتّى اِنحلى
  

ولا تصدّقْ مائناً دَأْبُهُ
 

أن يَكذِبَ القولَ وأنْ يَبْطُلا
  

وكلّنا يَكرع صِرْفَ الرّدى
 

إمّا طويلَ اللَّبْثِ أو مُعْجَلا
  

فَما الّذي يُجْزِعُ من طارقٍ
 

إنْ لم يزرْ يوماً فما أمْهلا
  

نعى إلى قلِبيَ شطراً له
 

من حقّه أنْ يلقم الجندلا
  

فقلتُ ما أحسنتَ بلْ يا فتى
 

ما أحسن الدّهرُ ولا أجملا
  

يا دهرُ كم تنقل ما بيننا
 

مَن ليس نهوى فيه أن ينقلا
  

تأخذ مِنّا واحداً واحداً
 

بل تأخذ الأمْثَلَ فالأمثلا
  

أفنيتَ بالأمسِ شقيقاً له
 

فَاِنظرْ إلى حَظّك ما أجزلا
  

فعدتَ تستهلك ما حُزتَه
 

صبراً فصبرٌ غايةُ المُبتَلى
  

قالوا تسلَّ اليومَ عن فائتٍ
 

فقلتُ بُعْداً لفؤادٍ سلا
  

لا تَعذلوا المُعْوِلَ حُزْناً له
 

فخيرُكم مَن ساعد المُعْوِلا
  

أيُّ فتىً فارقنا عَنْوَةً
 

رُحِّلَ عنّا قبلَ أن نرحلا
  

لا الجِدُّ مملولٌ لديه ولا
 

يُخاف في الخَلوَةِ أنْ يَهزِلا
  

وذو عَفافٍ كلّما سامه
 

ذو الغشّ منه مرّةً قال لا
  

لا تألفُ الرِّيبةُ أبوابَه
 

ولا خلا في سيّئٍ إنْ خلا
  

يا غائباً عنّي ولولا الرّدَى
 

ما غاب عنّي الزَّمنَ الأطْوَلا
  

سَرْبَلَني ما لا بديلٌ له
 

وربّما اِستبدل مَن سربلا
  

لا أخطأتْ قبرَك هطّالةٌ
 

ولا عداك المُزْنُ إنْ أسبلا
  

وجانبٌ أنتَ به ساكنٌ
 

لا عدم القطرَ ولا أمْحلا
  

ولا يزلْ والجدبُ في غيره
 

مُرَوَّضاً حَوْذانُه مُبْقِلا
  

واِمضِ إلى حيث مضى معشرٌ
 

كانتْ لهم في الدّرجاتِ العُلا
  

وصِرْ لما صاروا فأنت الّذي
 

أعددتَهمْ في حَذَرٍ مَوْئِلا
  

فهمْ شفيعٌ لك إنْ زلّةٌ
 

كانتْ وإنْ بعضُ عثارٍ خلا
  

وجنّةُ الخُلدِ لهمْ إذْنُها
 

وموقَداتُ النّارِ لا للصِّلا
  

وحبُّهمْ والفوزُ في حبّهمْ
 

أخرج مَن أخرج أو أدخلا
  

 

وقال الشريف المرتضى :

ساِئلْ بِيَثربَ هَل ثَوى الرَّكبُ
 

أَم دونَ مَثواهم بهِ السَّهْبُ
  

وَلَقَد كَتمتُهمُ هَوايَ بِهم
 

وَالحبُّ داءٌ كَظمهُ صَعْبُ
  

يا صاحِبيَّ ومِنْ سعادَةٍ مَنْ
 

حملَ الصبابةَ أنْ له صَحْبُ
  

لا تَأخُذا بِدَمي مَتى أُخِذَت
 

نَفسي سوايَ فَما له ذَنبُ
  

مِن عندِ طرفي يومَ زرتُكُمُ
 

نَفذَ الغَرامُ وَزارَني الحبُّ
  

وَإِذا رَأيتُ الحُسنَ عندَكُمُ
 

دونَ الخَلائقِ كيفَ لا أَصبو
  

يَجني عَليّ وَلا أُعاتبُه
 

مَن لَيسَ يَنفَعُ عندهُ العَتْبُ
  

وَيَصدُّ عَنّي غَيرَ مُحتَشِمٍ
 

مُتَيقّنٌ أَنّي بهِ صَبُّ
  

وَوَشى إِلَيهِ بِسَلوَتي مَذِقٌ
 

نَغِلُ المَودَّةِ صِدقُهُ كِذْبُ
  

وَشَجاهُمُ أنّي فَضَلتُهُمُ
 

وَعلى الفَضائِلِ يُحسَدُ النَّدْبُ
  

أَتَرَوْن أَنّي مِنكُمُ كثِبٌ
 

هَيهاتَ ما إِنْ بَينَنا قُربُ
  

الغابُ يُضمِرُني مَكامِنهُ
 

ما لَيسَ يُضمر مِثلَه الزِّرْبُ
  

كَلّا وَلا الأَعضاءُ واحدةٌ
 

وَالرأسُ لَيسَ يُعَدّ والعَجْبُ
  

وَإِلى فَخارِ المُلكِ أُصدِرُها
 

كَلِماً تَسيرُ بِذِكرِها الكُتْبُ
  

وَبِها عَلى أَكوارِ ناجيةٍ
 

نصَّ المنازل عنّيَ الرّكبُ
  

وَالكأسُ لولا أَنّها جذبَت
 

سُمّارَها ما ذاقها الشَّرْبُ
  

شَبّوا سَناها مُفسدينَ لَها
 

فَكأَنَّ مِسكَ لَطيمَةٍ شبَّوا
  

ملكٌ إِذا بصرَ الرجال بهِ
 

عَنَتِ الوجوهُ وقُبّلَ التّربُ
  

وَإِذا اِحتبى في رَجعِ مَظْلَمَةٍ
 

فَوَقارُهُ لَم يُعطَه الهَضْبُ
  

مَن ذا الّذي نالَ السماءَ كَما
 

نالَت يَداكَ فَفاتهُ العُجْبُ
  

وَمن الّذي ما حلّ مَوضِعَه
 

عُجمٌ بِذي الدُنيا ولا عُربُ
  

وَمن الّذي لَمّا عَلا قِمَمَ ال
 

تَدبير دانَ الشّرقُ والغربُ
  

يا مَن تُعزّ بِهزِّ راحَتِهِ
 

سُمْرُ الرّماحِ وتَفخرُ الحربُ
  

وَيُضيءُ في إِظلامِ داجِيَةٍ
 

ما لا تُضيءُ لَنا بهِ الشُّهبُ
  

وَإِذا ذَكرناهُ فَلا وَجَلٌ
 

يُخشى وَلا همٌّ ولا نَصبُ
  

وَتُذاد أَدواء الزّمانِ بهِ
 

عَنّا وَيُطرد بِاِسمهِ الجَدْبُ
  

وَلَقد بَلوك خِلالَ مُعضلةٍ
 

دَهَمَتْ يُقضُّ بِمِثلها الجَنْبُ
  

حَيثُ اِسترَثّتْ كُلُّ مُحكَمةٍ
 

مِن عَقده وَتزايَل الشَّعْبُ
  

فَفرجتها وَعَلى يَديك بِلا
 

بَشَرٍ يُعينك نُفّس الكربُ
  

قَد كانَ قَبلك من له سِيَرٌ
 

عوجُ المُتونِ ظُهورها حُدْبُ
  

دَرَستْ فَلا خبَرٌ ولا أثرٌ
 

مِثلَ الهشيمِ هَفَتْ به النُّكْبُ
  

فَالآنَ قَد ساسَ الأمورَ فتىً
 

بِمِراسِها وَعلاجها طَبُّ
  

أَلقَتْ عَصاها فهيَ آمنةٌ
 

وَلِغَيرِها التخويفُ والرُّعبُ
  

وَنَأَتْ فَقَرَّبها عَلى عَجَلٍ
 

مِن راحتيك الطَعن والضّربُ
  

قَد عَبَّ فيها الشارِبونَ على
 

ظَمإٍ وَلَولا أَنتَ ما عبُّوا
  

وَتَلاعَبوا فيما أَبَرْتَ لهم
 

والجِدُّ يوجَدُ بعدهُ اللِّعْبُ
  

وَتَراهُمُ يَتَمعّكون بها
 

أَشَراً كَما يَتَمعّك الجُربُ
  

أَنتَ الّذي أَوليت مبتدئاً
 

نِعَماً يَطيشُ بِبعضها اللبُّ
  

وَأَتيتَ مُعتذراً إِلى زَمنٍ
 

فَكَأنّها لكَ عِنده الذّنبُ
  

ما أنسَ لا أنسَ اِهتزازَك لي
 

وَاليوم تُرفعُ دونهُ الحُجْبُ
  

في مَجلِسٍ لي فيهِ دونهُمُ
 

سَعَةُ المَحلّة منكَ والرُّحْبُ
  

وَعَلى الأَسرَّةِ منكَ بدْرُ دُجَىً
 

لي منهُ عِندَ وسادِه القُربُ
  

فَاِسعَدْ بِهذا المِهْرَجانِ ودُمْ
 

أَبداً تنيرُ لَنا ولا تَخبو
  

وَتهنّأ الأيام آنفةً
 

فَاليومَ فيك لأمّه القربُ
  

وَأَطالَ عُمرَ الأشرَفين لَنا
 

وَكَفاهُما وَوقاهُما الرَّبُّ
  

حَتّى تَرى لَهُما الّذي نَظَرتْ
 

عَيناكَ مِنكَ فَإِنّه حَسْبُ
  

 

وقال الشريف المرتضى :

عَشِقتُ العُلا لا أَبتغي بَدَلاً لها
 

ولا عوضاً والعاشقون ضروبُ
  

فَما لي بِغَيرِ المأثُرَات صَبابةٌ
 

وما لِيَ إلّا المَأثراتُ حبيبُ
  

وَأَخطأتُ لمّا أن جَعلتكَ صاحِبي
 

وَذو الحَزمِ يُخطِي مرّةً ويصيبُ
  

وَأَنتَ بَعيدٌ مِن مَكانِ مَودّتي
 

وَإِنَّ مَزاراً بَينَنا لَقَريبُ
  

وَما هيَ إلّا زَلّةٌ أنَا بَعدها
 

أَعوجُ عَلَيها نادِماً فَأَتوبُ
  

فَيا مَنْ لِعَينِي كلَّ يومٍ وليلةٍ
 

قَذاةٌ بِها أَو لِلفُؤادِ كروبُ
  

وَلَولاهُ ما كانَت لِدَهري جِنايَةٌ
 

عَليَّ وَلا منه إليّ ذنوبُ
  

وَلا مَزّقتْ جلدي الغداة أظافرٌ
 

وَلا خَرَقْتهُ للزّمان نيوبُ
  

أَجبْتُك لَمّا أَن دَعوتَ اِغترارةً
 

وهيهات أُدعى بعدها فأُجيبُ
  

 

وقال الشريف المرتضى :

ما نَحنُ إِلّا لِلفَناءِ
 

وَإِن طَمِعنا في البقاء
  

نُعطى وَيسلبُنا الّذي
 

أَعطى التمتّعَ بالعطاء
  

وَالموتُ داءٌ ما لَهُ
 

عِندَ المُداوي مِن دواء
  

وَالناسُ فينا كلُّهم
 

ما بينَ يَأسٍ أو رجاء
  

أَينَ الّذين سَقَتْهُمُ ال
 

أَيّامُ كاساتِ الرّخاء
  

وَتَملّكُوا رِبَقَ الورى
 

وعَلَوْا على قممَ العَلاء
  

وَتَرى بعقْوةِ دارِهم
 

مَجثى الحميَّةِ والإباء
  

وَالساحِبونَ على قِنا
 

نِ المُلكِ هُدَّابَ المُلاء
  

وَالمُرتَوونَ مِنَ النَّعيمِ
 

كما تَمَنَّوْا والثّراء
  

وَالسائرونُ وَحَولهم
 

أُسدُ الشّرى تحت اللواء
  

وَالهاجِمونَ عَلى الرّدى
 

وَاليومُ يجرى بالدّماء
  

لَم يَقنَعوا في مَغْرَمٍ
 

سيقوا إِلَيهِ باللّقاء
  

مِن كُلِّ مَملوءِ الأسر
 

رَةِ والجبين من الحَياء
  

تجري يداهُ بِكُلِّ ما
 

يَهوى المؤمّلُ من سخاء
  

وَتراهُ كَالصَّقرِ الَّذِي
 

لَمحَ القنيصةَ مِن علاء
  

ما ضَلَّ قطُّ وإنْ هُمُ
 

غَدَروا بِهِ طُرقَ الوفاء
  

وَرُموا إِلى ظُلَمِ الصَّفا
 

ئحِ في صباحٍ أو مساء
  

دَخَلوا وَلَكِنْ في الّذي
 

لا يَرتَضونَ مِنَ الخلاء
  

وَمَتى دَعَوتهُمُ فهمْ
 

صُمُّ المَسامعِ مِن دُعاء
  

وبَغَوْا نجاءً حين سُد
 

دَتْ دونهم طُرُقُ النَّجاء
  

وَنأَوْا كما اِقتَرحَ الحِما
 

مُ عن التنعّمِ والشّقاء
  

وَتَراهُمُ في ضَيّقِ ال
 

أَقطارِ من ذاك الفضاء
  

وَتَطايَروا بِيَد البِلى
 

خَلفَ الجَنادِل كالهباء
  

وَالقيظُ عِندهُمُ وَقَد
 

سُلبوا المِشاعرَ كالشّتاء
  

ما في الرّدى ما في سوا
 

هُ مِنَ التّنازع والمِراء
  

وَإِذا نَظرت إلى الحِما
 

مِ فَما لِعَينك مِن غطاء
  

خَلِّ التعجُّبَ مِن قَذىً
 

وَخُذِ التعجُّبَ من صَفاء
  

يا قُربَ ما بَينَ الهنا
 

ءِ بِما يَسرّك وَالعزاء
  

خَفِّض عَلَيكَ وَدَع تتب
 

بُعَ ما مضى بيد القضاء
  

وَإِذا بَقيتَ فَقُل لنا
 

أَيَعيشُ مَيْتٌ بالبكاء
  

وَالخَوفُ صِرْفٌ رِيبَ غي
 

رُكَ إنّما هو للنساء
  

وَأَخوكَ أَفناهُ الّذي
 

كانَ السبيلَ إلى الإخاء
  

أَعْراكَ مَنْ قِدْماً كَسا
 

وحباكَ مُرتجعُ الحِباء
  

لَيسَ التهالكُ في المُصي
 

بَةِ بِالحميمِ من الوفاء
  

وَسِوى التجلّدِ في الشدي
 

دَةِ إِنْ أَتَتك من العناء
  

وَعَلى التجاربِ بانَ نب
 

عٌ تجتنيه مِنْ أَباء
  

وَإِذا بَقيتَ فَلا تَلُمْ
 

مَن خَصّ غَيركَ بِالفناء
  

وَسَقى الّذي وَارَى أَخا
 

كَ مِنَ الثّرى سَحُّ الرِّواء
  

صَخْبُ الترنّمِ حالِكُ ال
 

قطرينِ مَملوءُ الوعاء
  

وَلَرَحْمَةٌ مصبوبةٌ
 

خيرٌ له من فيضِ ماء
  

 

وقال الشريف المرتضى :

بَنِي الحفيظَة هَل للمجدِ من طلبٍ
 

ليس الطّعان له من أنجح السّببِ
  

هزّوا إلى الحمد عِطْفَيْ كلِّ سَلْهَبَةٍ
 

تبُذُّ كلَّ سِراعِ الخيل بالخَبَبِ
  

أُحبُّ كلَّ قليلِ الرّيثِ في وطنٍ
 

مُقسّمَ الفِكرِ بينَ الكور والقَتَبِ
  

إِمّا على صَهَواتِ الخيل موطِنُهُ
 

أو دارُهُ في ظهور الأينُقِ النُّجُبِ
  

إنّي وأصدقُ قولٍ ما نطقتُ بهِ
 

أَرعى منَ الوِدّ ما أرعى من النّسَبِ
  

ما عاقَني الحلمُ عن باغٍ عَنِفْتُ بهِ
 

وَلا نَسيتُ الرّضا في موطن الغَضبِ
  

وَلا خَلطتُ بِيَأسٍ عَن غنىً طمعاً
 

وَلا مَزجتُ عُقارَ الجِدِّ باللّعِبِ
  

أَلستُ إنْ عُدّ هَذا الخَلقُ خيرَهُمُ
 

لَم يَبرحوا بين جَدٍّ لِي وبين أبِ
  

ما للنجومِ الّتي بانَتْ تُطالِعنا
 

مِن كُلّ عالٍ عَلا كلَّ الورى حَسبي
  

فَقُل لِمن ضلَّ مَغروراً يُفاخِرني
 

وَما له مثلُ عُجْمي لا ولا عَرَبي
  

أَلَيسَ بيَن نبيٍّ مُرسَلٍ خُتِمَتْ
 

بهِ النبيّون أو صهرٍ له نسبي
  

بَني المُخلَّف ما اِستَمْتُمْ مَراتِبنا
 

حَتّى صَفَحنا لكمْ عن تلكُم الرّتبِ
  

أَلِفْتُمُ الحلمَ منّا ثُمّ طابَ لَكُمْ 
 

لمّا اشرَأبّت إِليكُم أنفُسُ الغضَبِ
  

لَولا دفاعِيَ عَنكمْ يومَ أمْطَرَكمْ
 

نَوء السماكينَ أَشفيتمْ على العَطَبِ
  

كَم عِندَكمْ وَبِأَيديكم لَنا سَلَبٌ
 

لَكِنّه لَو عَلِمتمْ ليس كالسَّلَبِ
  

مَلأتُمونا عُقوقاً ثُمَّ نَحنُ لَكمْ
 

طولَ الزَّمانِ الوالدِ الحَدِبِ
  

عَمَرْتُ ظاهركمْ جُهدي فَكَيف بما
 

أَعيا عَليَّ لكُمْ من باطنٍ خَرِبِ
  

وَكَمْ رَضيتُ ولكنْ زدتُكمْ سَخَطاً
 

وَلَيسَ بعدَ الرّضا شيءٌ سوى الغَضَبِ
  

وَما تأمَّلتُ ما بَيني وبينَكُمُ
 

إِلّا رَجعتُ كظيظَ الصّدر بالعجبِ
  

 

وقال الشريف المرتضى :

عِتابٌ لِدهرٍ لا يَمَلُّ عتابي
 

وشَكوى إِلى مَنْ لا يردّ جوابي
  

وَأَطلُبُ ما أَعيا الرّجالَ طِلابُه
 

فَيا لِلحِجى كَم ذا يَكونُ طِلابي
  

وَبِي ما أَذودُ النّاسَ عن باب علمِهِ
 

وكلُّ أُساتي جاهلون بما بِي
  

فلِي كَبِدٌ تَصلى بغيرِ خريدةٍ
 

وَلِي جَسدٌ يبلي بغير كَعابٍ
  

إِذا لَم أُرَغْ عند الغوانِي تغزّلاً
 

فَمثلُ مشيبي بينهنَّ شَبابي
  

وَلَو كنتُ يوماً بالخِضاب موكَّلاً
 

خضبتُ لمَن يَخفي عليهِ خضابي
  

فَإِن تعطِني أولى الخِضاب شبيبةً
 

فإنّي أُخيراه بغير شبابٍ
  

وَأَين منَ الإِصباحِ صِبغةُ غَيْهبٍ
 

وَأَين مِنَ البازيّ لون غُرابٍ
  

وقد قلّصتْ خَطْوِي الليالي وشمّرتْ
 

برَوْحاتها من جيئتِي وذهابي
  

وَكَم ظَفر الأقوامُ في البيض كالدُّمى
 

بفُوفِ المنى منهنَّ لا بثيابِ
  

وَلِي هِممٌ لمّا طَمحْنَ إلي العُلا
 

طمحْنَ كثيراتٍ وقلّ صِحابي
  

فمِنْ عذْبِ أزوادِ النّزاهةِ مطعمِي
 

ومن ماءِ أحواض العَفاف شرابي
  

فأيّ بلادٍ ما خرقتُ فِجاجها
 

وَفي أَيّ أَرضٍ لم تدُرَّ سحابي
  

وَأَيّ صَديقٍ لَم تُصبْه مثوبتي
 

وَأَيّ عدوٍّ لَم يَنلهُ عِقابي
  

أُريدُ الغنى مِن غيرِ ما جانب الغنى
 

فسهمِيَ لا يُصمى وسيفِيَ ناب
  

وَفي راحَتي أَسعى وَمن دونِ راحتِي
 

ركوبُ شِماساتِ المتون صِعابِ
  

وَربّ أُناسٍ جارِعي مُرَّ بِغْضَتِي
 

وَأَضلُعُهم ملأى بخبّ ضَبابِ
  

بَطيئينَ عنّي ناكِصينَ عَنِ الّتي
 

رَقَيْتَ إِلَيها من قلالِ هضابِ
  

وَلَمّا جرَوْا يَرجونَ سَبْقي إِلى العُلا
 

مَضيتُ وَلَمّا يَلحَقوا بترابي
  

يريدونَ أَن أَشقى برَجْع خطابِهمْ
 

وَمنْ فيهم يستطيعُ رَجْعَ خطابي
  

وَودّوا وأنّى ما يَودّون أنّهم
 

أصابوا معاباً لِي وأين معابي
  

وَمُذْ أَخطَأوا بابَ الصّواب ونكّبوا
 

عَنِ الرّشدِ باتوا حاسِدينَ صَوابي
  

وَقَد صَفِرتْ مِن كُلّ مَجدٍ أكفّهُمْ
 

ولم تخلُ من مجدٍ حَوَتْهُ وِطابي
  

ولمّا تناهبنا النّدى جئتُ راكباً
 

سنامَ النّدى في كلّ يومِ نِهابِ
  

وَقَد عَلِموا أنّي عَلى غيرِ ريبةٍ
 

تُلَطُّ سُجوفي ثمّ يُغلَق بابي
  

وإنّي وأَدناسُ الزّمان كَثيرةٌ
 

مَررتُ فَلم تَعلقْ بهنّ ثِيابي
  

وَما كانَ جاري وَالقِرى يستفزّه
 

مَروعاً وقد وافى بِنَبحِ كلابي
  

وَلا طارِقِي يرجو ثوابِيَ عائداً
 

بعسرٍ ولا يُسرٍ بغير ثوابِ
  

فَقلْ للعدى كونوا جميعاً بنجوَةٍ
 

إذا ماج تيّاري وجُنّ عُبابي
  

وَلا تَأمَنوا وَالشرّ ينتجُ بِالأَذى
 

وَقَد سَحَّ وَدْقِي أَنْ تَسيلَ شِعابي
  

وَوثبة مَفتول الذّراعِ قُصاقِصٍ
 

يُساعد ظُفراً في الصّريع بنابِ
  

هجومٍ عَلى الأقرانِ لَم يَثنِ كيدَه
 

كَميٌّ بِإقدامٍ ولا بهِبابِ
  

تَبوعٍ لحوقٍ في يديهِ طِلابه
 

وَما كلُّ باغٍ فائزاً بطِلابِ
  

ثَوى الغابَ مَرهوبَ المكانِ وما الرّدى
 

يُلاقيه إلّا في خبيئةِ غابِ
  

تَرى حولَهُ أَسلابَ قومٍ ولم يكنْ
 

ليحفل في مَنْ بزّه بسِلابِ
  

وَما لحظُهُ إلّا كَنجمَيْ دُجُنَّةٍ
 

وَلا بَطشُهُ إلّا كَمثل حِرابِ
  

له زَفرةٌ مِن فوق جنب صريعهِ
 

كما صُكَّ صُلْبٌ يابسٌ بصِلابِ
  

حَكتْ زَفرة المغلوب حزناً وخيبةً
 

وما هي إلّا زفرةٌ لِغلابِ
  

وَنهشةَ مَسموم اللِّثاثِ لعابُهُ
 

خَروقٌ إلى الأرداءِ كلّ حجابُ
  

تَراه لَصوقاً بالتّراب كأنّه
 

قطيعٌ طريحٌ أو سقيطُ حِقابِ
  

لَه مَلْمَسٌ لَيْنٌ وَحشو أديمِهِ
 

خشونةُ فرّاءٍ لكلِّ إِهاب
  

يَسدُّ على السّاري الطريقَ مجرُّهُ
 

وآثاره يحمين كلّ نِقابِ
  

كأنّ عليه جبّةً وهو صائفٌ
 

وفي القُرِّ عُريانٌ بغيرِ ثيابِ
  

يُمجّ سِماعاً في اللّديغِ كأنّه
 

لُغامُ نياقٍ أو نضيح حِبابِ
  

وما مشيُهُ إلّا تغضّنُ نِسْعَةٍ
 

تَلَوَّى على كوماء ذاتِ هِبابِ
  

حُبابٌ بأعلى الواديين طريقُهُ
 

وَما المَوتُ إِلّا في طَريق حبُابِ
  

يَصمّ عنِ الرّاقي وَيحدُرُ ظامِئاً
 

لدانٍ إِلى مطواه كلّ وئابِ
  

فَشاكٍ تَشكّاهُ بِغَيرِ تَعِلَّةٍ
 

وماضٍ توخّاه بغير إيابِ
  

سَلِ البارقَ العلويّ ليلة شُمتَهُ
 

وأعشى الكرى رَكْبي معاً ورِكابي
  

أَلستُ وَقَد خامَ الكماة عن الرّدى
 

لَبِستُ طعاني نَحوه وضِرابي
  

عَشِيّةَ هابَ الدّارعون تورُّدي
 

هُناك وَهمّ الطاعنون جنابي
  

إِلى أَن رأوْا سَيفي وَرمحيَ في الطُّلى
 

بِغَير أَنابيبٍ وغير ذُبابِ
  

وما حيلتِي أن كنتُ في سرّ أُسرَتي
 

ولم يشركوا في صفوتي ولُبابي
  

ولم أكُ يوماً قانعاً في فضيلةٍ
 

بأصلي ولا في مَحتِدٍ بنصابي
  

وكنتُمْ وهاداً هابطاً ثمّ أنتُمُ
 

تسامون في العلياء أهلَ روابِ
  

وهيهات أن تستصبحوا في دُجُنَّةٍ
 

بغير مصابيحٍ وغير شهابِ
  

وَهَل فيكمُ إلّا مَلومٌ مُفَنَّدٌ
 

ببذلِ أَساةٍ أو بمنع ثوابِ
  

وَهل درّ يوماً خيرُكمْ وهو نازحٌ
 

بشيءٍ سوى مسحي له وعِصابي
  

صحبتُكُمُ جهلاً بكم وملأتُ مِنْ
 

عهودكمُ وهْيَ الضعاف عِيابي
  

وإنْ فُتّكُمْ فضلاً فكم فات قبلكمْ
 

سَبوقٌ على بُعد المدى لكوابِ
  

 

وقال الشريف المرتضى :

لَقَد ضَلّ مَن يَسترقّ الهَوى
 

وَعَبدُ الغَرامِ طَويلُ الشَّقا
  

وَكَيفَ أَحلُّ بِدارِ الصَّواب
 

وَلي همّةٌ تزدري بالذُّرا
  

وتُظْلِمُ دونِيَ طُرْقُ الصّواب
 

وَمِنّي اِستَعارَ النَّهار السَّنا
  

رُويدَكِ يا خُدُعاتِ الزّمانِ
 

كَفاني فِعالُكِ فيمَن مَضى
  

جَذبتِ عَنانَ شَديد الجُموحِ
 

وَراوَدتِ مُستَهزِئاً بالرُّقى
  

يَعُدُّ الغِنى منك غُرمَ العقولِ
 

وَأَنّ ثَراءك مِثلُ الثرى
  

ومَنْ مَلأت سَمعَه الذابلاتُ
 

وَقَرعُ الظبا لَم يَرُعْه الصَّدى
  

رَمى الدَهرُ بي في فَمِ النائباتِ
 

كأنِّيَ في مُقلَتيهِ قَذى
  

وَلَم يَدرِ أنّيَ حتفُ الحُتوف
 

وَأَردَيتُ بِالسّيف عُمْرَ الرّدى
  

وَأَنّي لَبِستُ ثِيابَ العَراء
 

وَلا مُؤْنسٌ لِيَ غيرُ المَها
  

وَقَلبٌ نَبا عَنهُ كَيدُ الزّمانِ
 

فَما للمُنى في رُباهُ خُطا
  

إِذا نازَعَتني خُطوبُ الزَّمان
 

مَلأتُ بِهِ فُرُجاتِ المَلا
  

أُلوِّحُ بِالنَّقعِ وَجهَ النهارِ
 

وَأَحسرُ بالبيضِ وَجهَ الدجى
  

عَلى سابِحٍ في بِحارِ المنونِ
 

كفيلٍ بِوَطء الشَّوى بالشّوى
  

أَنالُ بِهِ فائِتاتِ الوُحوش
 

وَأَلمسُ مِن صَفحَتيه السُّها
  

إِذا ما نَظَرتُ إِلى لَونِهِ
 

رَأيتُ الدُّجى قَد تردّى الضُّحى
  

عَذيريَ مِن مدّعٍ لِلعُلى
 

وَلَم يَحنِ السَّير ظهرَ السُّرى
  

وَلا حَملتهُ ظُهورُ الجِياد
 

ولا رَوِيتْ في يَديهِ الظّبا
  

وَما كلُّ ذي عَضُدٍ باطشٌ
 

ولا كلُّ طرفٍ سليمٍ يرى
  

وَبَعض الأَنامِ الّذي تَرتَضيهِ
 

وَبَعض الرؤوسِ مَغاني الحِجى
  

فَكَم مِن طَريرٍ يَسوء الخبيرَ
 

وَكَم فَرَسٍ لا يُجارى العَفا
  

دَعِ الفِكرَ فيمَن أَعَلَّ الزّمانُ
 

وَإِلا فَقُم بِاِعتِدال الشِّفا
  

فما غيّرت كفُّ ذي صنعةٍ
 

بِأَخفى التحلّي مَكانَ الحُلى
  

وَلَلطبعُ أَقهرُ مِن طابعٍ
 

وَطرف الهَوى ما خَلا من عمى
  

سَقى اللَّهُ مَنزلَنا بِالكثيب
 

بِكَفِّ السّحائِب غَمْرَ الحيا
  

مَحلّ الغيوثِ وَمَأوى اللّيوث
 

وَبحرُ النّدى وَمَكان الغِنى
  

فَكَم قَد نعمت بِه ما اِشتهيْ
 

تُ مشتملاً بإزار الصِّبا
  

تُعانِقُني منهُ أَيدي الشّمال
 

وَيَلثِمُ خدّي نَسيمُ الصَّبا
  

وَكَم وَردتهُ رِكابُ العُفاةِ
 

فَأَصدرتها بِبلوغِ المُنى
  

إِذا ما طَمَتْ بِيَ أَشواقُه
 

دَعوتُ الحُسينَ فَغاضَ الأسى
  

فتىً لا تعثّر آراءَه
 

بِطرقِ المَكارم صمّ الصَّفا
  

يَجودُ بِما عَزَّ مِن مالِهِ
 

فإنْ سِيلَ أَدنى علاهُ أَبى
  

وَيَوماهُ في الفَخرِ مُستَيقنان
 

فَيومُ العَطاءِ ويومُ الوغى
  

يُفيض بِهذا جزيلَ الحِباءِ
 

وَيُقري بِهذا القَنا في القَرا
  

تَعرّف في الخلقِ بِالمَكرُمات
 

فَأَغنَتهُ عَن رائِقاتِ الكُنى
  

وَأَخرَسَ بِالمجدِ قَولَ العُداة
 

وَأَنطقَ خُرسَ اللَّها باللُّها
  

أَيا مَن كَبا فيهِ طِرفُ الحسود
 

فأمّا جوادُ مديحٍ فلا
  

تَمنّى أَعادِيكَ ما فارَقوه
 

وَمِن دونِ ما أمَّلوه العُلى
  

وَعِرضٌ يمزِّقُ مِرْطَ العُيوب
 

وَيَهتِكُ عَنهُ برودَ الخَنا
  

وَلَولا عُلوُّك عَن قَدرِهم
 

لَحَكَّمتَ فيهِم طِوالَ القنا
  

وَأَلحَظْتَ أعيُنَهم غُرّةً
 

تفارقُ مِنها الجسومُ الطُلى
  

لَقَد عَصَمتهُمْ سفاهاتُهُمْ
 

وكهفُ السَّفاهة بِئسَ الحِمى
  

أَبَى اللَّه وَالمجدُ والمشرفيُّ
 

وسُمرُ الرّماح مُرادَ العدا
  

تهنّأْ بشهرٍ تهنّأ منك
 

بِصدقِ اليقينِ وصدقِ التُقى
  

فَهَذا بِه تَستَضيء السّنون
 

وَأَنتَ بِمَجدكَ فَخرُ الوَرى
  

وَلَو فَطنَ الناسُ كنتَ السّوا
 

دَ مِن كلِّ طرفٍ مَكان المُقا
  

فَعِش عيشَةَ الدَّهرِ يا طرفَه
 

عَميمَ المَكارمِ ماضي الشَّبا
  

وَلا يَصبِرنَّكَ هَذا الزّمان
 

وأَنتَ المَطَا وَالأنام الصَّلا
  

 

b