من أدبيّات الشريف الرَّضي

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشريف الرضي :

أَغَدراً يا زَمانُ وَيا شَبابُ
 

أُصابُ بِذا لَقَد عَظُمَ المُصابُ
  

وَما جَزَعي لأَن غَرُبَ التَصابي
 

وَحَلَّقَ عَن مَفارِقِيَ الغُرابُ
  

فَقَبلَ الشَيبِ أَسلَفتُ الغَواني
 

قِلىً وَأَمالَني عَنها اِجتِنابُ
  

عَفَفتُ عَنِ الحِسانِ فَلَم يَرُعني
 

المَشيبُ وَلَم يُنَزِّقُني الشَبابُ
  

تُجاذِبُني يَدُ الأَيّامِ نَفسي
 

وَيوشِكُ أَن يَكونَ لَها الغِلابُ
  

وَتَغدُرُ بي الأَقارِبُ وَالأَداني
 

فَلا عَجَبٌ إِذا غَدَرَ الصِحابُ
  

نَهَضتُ وَقَد قَعَدنَ بِيَ اللَيالي
 

فَلا خَيلٌ أَعَنَّ وَلا رِكابُ
  

وَما ذَنبي إِذا اِتَّفَقَت خُطوبٌ
 

مُغالِبَةٌ وَأَيّامٌ غِضابُ
  

وَآمُلُ أَن تَقي الأَيّامُ نَفسي
 

وَفي جَنبي لَها ظِفرٌ وَنابُ
  

فَما لي وَالمُقامُ عَلى رِجالٍ
 

دَعَت بِهِمُ المَطامِعُ فَاِستَجابوا
  

وَلَم أَرَ كَالرَجاءِ اليَومَ شَيئاً
 

تَذِلُّ لَهُ الجَماجِمُ وَالرِقابُ
  

وَكانَ الغَبنُ لَو ذَلّوا وَنالوا
 

فَكَيفَ إِذاً وَقَد ذَلّوا وَخابوا
  

يُريدونَ الغِنى وَالفَقرُ خَيرٌ
 

إِذا ما الذُلُّ أَعقَبَهُ الطِلابُ
  

وَبَعضُ العُدمِ مَأثَرَةٌ وَفَخرٌ
 

وَبَعضُ المالِ مَنقَصَةٌ وَعابُ
  

بَناني وَالعِنانُ إِذا نَبَت بي
 

رُبى أَرضٍ وَرَحلي وَالرِكابُ
  

وَسابِغَةٌ كَأَنَّ السَردَ فيها
 

زُلالُ الماءِ لَمَّعَهُ الحَبابُ
  

مِنَ اللائي يُماطُ العَيبُ عَنها
 

إِذا نُثِلَت لَدى الرَوعِ العِيابُ
  

إِذا اِدُّرِعَت تَجَنَّبَتِ المَواضي
 

مَعاجِمَها وَقَهقَهَتِ الكِعابُ
  

وَمُشرِفَةُ القَذالِ تَمُرُّ رَهواً
 

كَما عَسَلَت عَلى القاعِ الذِئابُ
  

مُجَلِّيَةٌ تَشُقُّ بِها يَداها
 

كَما جَلّى لِغايَتِهِ العُقابُ
  

وَمَرقَبَةٍ رَبَأتُ عَلى ذُراها
 

وَلِلَّيلِ اِنجِفالٌ وَاِنجِيابُ
  

 

 

بِقُربِ النَجمِ عالِيَةِ الهَوادي
 

يَبيتُ عَلى مَناكِبِها السَحابُ
  

إِلى أَن لَوَّحَ الصُبحُ اِنفِتاقاً
 

َما جُلّي عَنِ العَضبِ القِرابُ
  

وَقَد عَرَفَت تَوَقُّلِيَ المَعالي
 

كَما عَرَفَت تَوَقُّلِيَ العِقابُ
  

وَنَقبِ ثَنِيَّةٍ سَدَدتُ فيها
 

أَصَمَّ كَأَنَّ لَهذَمَهُ شِهابُ
  

لِأَمنَعَ جانِباً وَأُفيدَ عِزّاً
 

وَعِزُّ المَرءِ ما عَزَّ الجَنابُ
  

إِذا هَولٌ دَعاكَ فَلا تَهَبهُ
 

فَلَم يَبقَ الَّذينَ أَبَوا وَهابوا
  

كُلَيبٌ عاقَصَتهُ يَذٌ وَأَودى
 

عُتَيبَةُ يَومَ أَقعَصَهُ ذُؤابُ
  

سَواءٌ مَن أَقَلَّ التُربُ مِنّا
 

وَمَن وارى مَعالِمَهُ التُرابُ
  

وَإِنَّ مُزايِلَ العَيشِ اِختِصاراً
 

مُساوٍ لِلَّذينَ بَقوا فَشابوا
  

فَأَوَّلُنا العَناءُ إِذا طَلَعنا
 

إِلى الدُنيا وَآخِرُنا الذَهابُ
  

إِلى كَم ذا التَرَدِّدُ في الأَماني
 

وَكَم يُلوي بِناظِرِيَ السَرابُ
  

وَلا نَقعٌ يُثارُ وَلا قَتامٌ
 

َلا طَعنٌ يُشَبُّ وَلا ضِرابُ
  

وَلا خَيلٌ مُعَقَّدَةُ النَواصي
 

يَموجُ عَلى شَكائِمِها اللُعابُ
  

عَلَيها كُلُّ مُلتَهِبُ الحَواشي
 

يُصيبُ مِنَ العَدوِّ وَلا يُصابُ
  

أَمامَ مُجَلجِلٍ كَاللَيلِ تَهوي
 

أَواخِرَهُ الجَمايِلُ وَالقِبابُ
  

وَأَينَ يَحيدُ عَن مُضَرٍ عَدوٌّ
 

إِذا زَخَرَت وَعَبَّ لَها العُبابُ
  

وَقَد زَأدَت ضَراغِمُها الضَواري
 

وَقَد هَدَرَت مَصاعِبُها الصِعابُ
  

هُنالِكَ لا قَريبَ يَرُدُّ عَنّا
 

وَلا نَسَبٌ يَنُطُّ بِنا قَرابُ
  

سَأَخطُبُها بِحَدِّ السَيفِ فِعلاً
 

إِذا لَم يُغنِ قَولٌ أَو خِطابُ
  

وَآخُذُها وَإِن رُغِمَت أُنوفٌ
 

مُغالَبَةً وَإِن ذَلَّت رِقابُ
  

وَإِنَّ مُقامَ مِثلي في الأَعادي
 

مُقامُ البَدرِ تَنبَحُهُ الكِلابُ
  

رَمَوني بِالعُيوبِ مُلَفَّقاتٍ
 

وَقَد عَلِموا بِأَنّي لا أُعابُ
  

وَإِنّي لا تُدَنِّسُني المَخازي
 

وَإِنّي لا يُرَوِّعُني السِبابُ
  

وَلَمّا لَم يُلاقوا فيَّ عَيباً
 

كَسوني مِن عُيوبِهِمُ وَعابوا
  

 

وقال الشريف الرضي:

تُرى نُوَبُ الأَيّامِ تُرجي صِعابَها
 

وَتَسأَلُ عَن ذي لِمَّةٍ ما أَشابَها
  

وَهَل سَبَبٌ لِلشَيبِ مِن بَعدِ هَذِه
 

فَدَأبُكَ يا لَونَ الشَبابِ وَدابُها
  

شَرِبنا مِنَ الأَيّامِ كَأساً مَريرَةً
 

تُدارُ بِأَيدٍ لا نَرُدُّ شَرابَها
  

نُعاتِبُها وَالذَنبُ مِنها سَجيَّةٌ
 

وَمَن عاتَبَ الخَرقاءَ مَلَّ عِتابَها
  

وَقالوا سِهامَ الدَهرِ خاطٍ وَصائِبٌ
 

فَكَيفَ لَقينا يا لِقَومٍ صَيابَها
  

أَبَت لِقحَةُ الدُنيا دُروراً لِعاصِبٍ
 

وَيَحلُبُها مَن لا يُعاني عِصابَها
  

وَقَد يُلقِحُ النَعماءَ قَومٌ أَعِزَّةٌ
 

وَيَخسَرُ قَومٌ عاجِزونَ سِقابَها
  

وَكُنتُ إِذا ضاقَت مَناديحُ خِطَّةٍ
 

دَعَوتُ اِبنَ حَمدٍ دَعوَةً فَأَجابَها
  

أَخٌ لي إِن أَعيَت عَلَيَّ مَطالِبي
 

رَمى لِيَ أَغراضَ المُنى فَأَصابَها
  

إِذا اِستَبهَمَت عَلياءُ لا يُهتَدى لَها
 

قَرَعتُ بِهِ دونَ الأَخِلّاءِ بابَها
  

بِهِ خَفَّ عَنّي ثِقلُ فادِحَةِ النُوى
 

وَحَبَّبَ عِندي نَأيَها وَاِغتِرابَها
  

ثَمانونَ مِن لَيلِ التَمامِ نَجوبُها
 

رَفيقَينِ تَكسونا الدَياجي ثِيابَها
  

نَؤُمُّ بِكَعبِ العامِريِّ نُجومَها
 

إِذا ما نَظَرناها اِنتَظَرنا غِيابَها
  

نُقَوِّمُ أَيدي اليَعمَلاتِ وَراؤَهُ
 

وَنَعدِلُ مِنها أَينَ أَومى رِقابَها
  

كَأَنّا أَنابيبُ القَناةِ يَؤُمُّها
 

سِنانٌ مَضى قُدماً فَأَمضى كِعابَها
  

كَذِئبِ الغَضا أَبصَرتَهُ عِندَ مَطمَعٍ
 

إِذا هَبَطَ البَيداءَ شَمَّ تُرابَها
  

بِعَينِ اِبنِ لَيلى لا تُداوى مِنَ القَذى
 

يُريبُ أَقاصي رَكبِهِ ما أَرابَها
  

تَراهُ قَبوعاً بَينَ شَرخَي رِحالِهِ
 

كَمَذروبَةٍ ضَمّوا عَلَيها نِصابَها
  

فَمِن حِلَّةٍ نَجتابُها وَقَبيلَةٍ
 

نَمُرُّ بِها مُستَنبِحينَ كِلابَها
  

وَمِن بارِقٍ نَهفو إِلَيهِ وَنَفحَةٍ
 

تُذَكِّرُنا أَيّامَها وَشَبابَها
  

وَلَهفي عَلى عَهدِ الشَبابِ وَلِمَّةٍ
 

أَطَرَّت غَداةَ الخَيفِ عَنّي غُرابَها
  

وَمِن دارِ أَحبابٍ نَبُلُّ طُلولَها
 

بِماءِ الأَماقِيَ أَو نُحَيّي جَنابَها
  

وَمِن رِفقَةٍ نَجديَّةٍ بَدَويَّةٍ
 

تُفَوِضُنا أَشجانَها وَاِكتِئابَها
  

وَنُذكِرُها الأَشواقَ حَتّى تُحِنَّها
 

وَتُعدي بِأَطرافِ الحَنينِ رِكابَها
  

إِذا ما تَحَدّى الشَوقُ يَوماً قُلوبَنا
 

عَرَضنا لَهُ أَنفاسَنا وَاِلتِهابَها
  

وَمِلنا عَلى الأَكوارِ طَربى كَأَنَّما
 

رَأَينا العِراقَ أَو نَزَلنا قِبابَها
  

نُشاقُ إِلى أَوطانِنا وَتَعوقُنا
 

زِياداتُ سَيرٍ ما حَسِبنا حِسابَها
  

وَكَم لَيلَةٍ بِتنا نُكابِدُ هَولَها
 

وَنَمزُقُ حَصباها إِذا الغَمرُ هابَها
  

وَقَد نَصَلَت أَنضاؤُنا مِن ظَلَمِها
 

نَصُلُ بَنانِ الخَودِ تَنضو خَضابَها
  

وَهاجِرَةٍ تُلقي شِرارَ وَقودِها
 

عَلى الرَكبِ أَنعَلنا المَطيَّ ظِرابَها
  

إِذا ماطَلَتنا بَعدَ ظَمءٍ بِمائِها
 

وَعَجَّ الظَوامي أَورَدَتنا سَرابَها
  

تَمَنّى الرِفاقُ الوِردَ وَالريقُ ناضِبٌ
 

فَلا ريقَ إِلّا الشَمسُ تُلقي لُعابَها
  

إِلى أَن وَقَفنا المَوقِفَينِ وَشافَهَت
 

بِنا مَكَّةٌ أَعلامَها وَهِضابَها
  

وَبِتنا بِجَمعٍ وَالمَطيُّ مُوَقَّفٌ
 

نُؤَمِّلُ أَن نَلقى مِنىً وَحِصابَها
  

وَطُفنا بِعادِيِّ البِناءِ مُحَجَّبٍ
 

نَرى عِندَهُ أَعمالَنا وَثَوابَها
  

وَزُرنا رَسولَ اللَهِ ثُمَّ بُعَيدَهُ
 

قُبورَ رِجالٍ ما سَلَونا مُصابَها
  

وَجُزنا بِسَيفِ البَحرِ وَالبَحرُ زاخِرٌ
 

بِلُجَّتِهِ حَتّى وَطِئنا عُبابَها
  

خُطوبٌ يُعِنَّ الشَيبَ في كُلِّ لِمَّةٍ
 

وَيُنسينَ أَيّامَ الصِبا وَلِعابَها
  

عَسى اللَهُ أَن يَأوي لِشُعثٍ تَناهَبوا
 

هِبابَ المَطايا نَصَّها وَاِنجِذابَها
  

وَجاسوا بِأَيديها عَلى عِلَلِ السُرى
 

حِرارَ أَماعيزِ الطَريقِ وَلابَها
  

فَيَرمي بِها بَغدادَ كُلُّ مُكَبِّرٍ
 

إِذا ما رَأى جُدرانَها وَقِبابَها
  

فَكَم دَعوَةٍ أَرسَلتُها عِندَ كُربَةٍ
 

إِلَيهِ فَكانَ الطولُ مِنهُ جَوابَها
  

 

 

وقال الشريف الرضي في النصح والوعظ :

لِغَيرِ العُلى مِنّي القِلى وَالتَجَنُّبُ
 

وَلَولا العُلى ما كُنتُ في الحُبِّ أَرغَبُ
  

إِذا اللَهُ لَم يَعذُركَ فيما تَرومُهُ
 

فَما الناسُ إِلاّ عاذِلٌ أَو مُؤَنِّبُ
  

مَلَكتُ بِحِلمي فُرصَةً ما اِستَرَقَّها
 

مِنَ الدَهرِ مَفتولُ الذِراعَينِ أَغلَبُ
  

فَإِن تَكُ سِنّي ما تَطاوَلَ باعُها
 

فَلي مِن وَراءِ المَجدِ قَلبٌ مُدَرَّبُ
  

فَحَسبِيَ أَنّي في الأَعادي مُبَغَّضٌ
 

وَأَنّي إِلى غُرِّ المَعالي مُحَبَّبُ
  

وَلِلحِلمِ أَوقاتٌ وَلِلجَهلِ مِثلُها
 

وَلَكِنَّ أَوقاتي إِلى الحِلمِ أَقرَبُ
  

يَصولُ عَلَيَّ الجاهِلونَ وَأَعتَلي
 

وَيُعجِمُ فيَّ القائِلونَ وَأُعرِبُ
  

يَرَونَ اِحتِمالي غَصَّةً وَيَزيدُهُم
 

لَواعِجَ ضَغنٍ أَنَّني لَستُ أَغضَبُ
  

وَأُعرِضُ عَن كَأسِ النَديمِ كَأَنَّها
 

وَميضُ غَمامٍ غائِرُ المُزنِ خُلَّبُ
  

وَقورٌ فَلا الأَلحانُ تَأسِرُ عَزمَتي
 

وَلا تَمكُرُ الصَهباءُ بي حينَ أَشرَبُ
  

وَلا أَعرِفُ الفَحشاءَ إِلاّ بِوَصفِها
 

وَلا أَنطِقُ العَوراءَ وَالقَلبُ مُغضَبُ
  

تَحَلَّمُ عَن كَرِّ القَوارِضِ شيمَتي
 

كَأَنَّ مُعيدَ المَدحِ بِالذَمِّ مُطنِبُ
  

لِساني حَصاةٌ يَقرَعُ الجَهلَ بِالحِجى
 

إِذا نالَ مِنّي العاضِهُ المُتَوَثِّبُ
  

وَلَستُ بِراضٍ أَن تَمَسَّ عَزائِمي
 

فُضالاتِ ما يُعطي الزَمانُ وَيَسلُبُ
  

غَرائِبُ آدابٍ حَباني بِحِفظِها
 

زَماني وَصَرفُ الدَهرِ نِعمَ المُؤَدِّبُ
  

تُرَيِّشُنا الأَيّامُ ثُمَّ تَهيضُنا
 

أَلا نِعمَ ذا البادي وَبِئسَ المُعَقِّبُ
  

نَهَيتُكَ عَن طَبعِ اللِئامِ فَإِنَّني
 

أَرى البُخلَ يَأتي وَالمَكارِمَ تُطلَبُ
  

تَعَلَم فَإِنَّ الجودَ في الناسِ فِطنَةٌ
 

تَناقَلَها الأَحرارُ وَالطَبعُ أَغلَبُ
  

تُضافِرُني فيكَ الصَوارِمُ وَالقَنا
 

وَيَصحَبُني مِنكَ العُذَيقُ المُرَجَّبُ
  

نَصَحتُ وَبَعضُ النُصحِ في الناسِ هُجنَةٌ
 

وَبَعضُ التَناجي بِالعِتابِ تَعَتُّبُ
  

فَإِن أَنتَ لَم تُعطِ النَصيحَةَ حَقَّها
 

فَرُبَّ جَموحٍ كَلَّ عَنهُ المُؤَنِّبُ
  

سَقى اللَهُ أَرضاً جاوَرَ القَطرُ رَوضَها
 

إِذِ المُزنُ تَسقي وَالأَباطِحُ تَشرَبُ
  

ذَكَرتُ بِها عَصرَ الشَبابِ فَحَسرَةً
 

أَفَدتُ وَقَد فاتَ الَّذي كُنتُ أَطلُبُ
  

سَكَنتُكِ وَالأَيّامُ بيضٌ كَأَنَّها
 

مِنَ الطيبِ في أَثوابِنا تَتَقَلَّبُ
  

وَيُعجِبُني مِنكَ النَسيمُ إِذا هَفا
 

أَلا كُلَّ ما سَرى عَنِ القَلبِ مُعجِبُ
  

وَفي الوَطَنِ المَألوفِ لِلنَفسِ لَذَّةٌ
 

وَإِن لَم يُنِلنا العِزَّ إِلّا التَقَلُّبُ
  

وَبَرقٍ رَقيقِ الطُرَّتَينِ لَحَظتُهُ
 

إِذِ الجَوُّ خَوّارُ المَصابيحِ أَكهَبُ
  

فَمَرَّ كَما مَرَّت ذَوائِبُ عُشوَةٍ
 

تُقادُ بِأَطرافِ الرِماحِ وَتُجنَبُ
  

نَظَرتُ وَأَلحاظُ النُجومِ كَليلَةٌ
 

وَهَيهاتَ دونَ البَرقِ شَأوٌ مُغَرِّبُ
  

فَما اللَيلُ إِلاّ فَحمَةٌ مُستَشَفَّةٌ
 

وَما البَرقُ إِلاّ جَمرَةٌ تَتَلَهَّبُ
  

أَمِن بَعدِ أَن أَجلَلتَها وَرَقَ الدُجى
 

سِراعاً وَأَغصانُ الأَزِمَّةِ تُجذَبُ
  

وَعُدنا بِها مَمغوطَةً بِنُسوعِها
 

كَما صافَحَ الأَرضَ السَراءُ المُعَبِّبُ
  

كَأَنَّ تَراجيعَ الحُداةِ وَراءَها
 

صَفيرٌ تَعاطاهُ اليَراعُ المُثَقَّب
  

وَرَدنَ بِها ماءَ الظَلامِ سَواغِباً
 

وَلِلَّيلِ جَوٌّ بِالدَرارِيِّ مُعشِبُ
  

تُنَفِّرُ ذَودَ الطَيرِ عَن وَكَراتِها
 

فَكُلٌّ إِذا لاقَيتَهُ مُتَغَرِّبُ
  

وَتَلتَذُّ رَشفَ الماءِ رَنقاً كَأَنَّهُ
 

مَعَ العِزِّ ثَغرٌ بارِدُ الظَلمِ أَشنَبُ
  

أَذَعنا لَهُ سِرَّ الكَرى مِن عُيونِنا
 

وَسِرُّ العُلى بَينَ الجَوانِحِ يُحجَبُ
  

حَرامٌ عَلى المَجدِ اِبتِسامي لِقُربِهِ
 

وَما هَزَّني فيهِ العَناءُ المُقَطِّبُ
  

تَهُرُّ ظُنوني في المَآرِبِ إِربَةٌ
 

وَيَجنُبُ عَزمي في المَطالِبِ مَطلَبُ
  

وَدَهماءَ مِن لَيلِ التَمامِ قَطَعتُها
 

أُغَنّي حِداءً وَالمَراسيلُ تَطرَبُ
  

وَلَو شِئتُ غَنَّتني الحَمامُ عَشيَّةً
 

وَلَكِنَّني مِن ماءِ عَينَيَّ أَشرَبُ
  

أَقولُ إِذا خاضَ السَميرانِ في الدُجى
 

أَحاديثَ تَبدو طالِعاتٍ وَتَغرُبُ
  

أَلا غَنِّياني بِالحَديثِ فَإِنَّني
 

رَأَيتُ أَلَذَّ القَولِ ما كانَ يُطرِبُ
  

غِناءً إِذا خاضَ المَسامِعَ لَم يَكُن
 

أَميناً عَلى جِلبابِهِ المُتَجَلبِبُ
  

وَنَشوانَ مِن خَمرِ النُعاسِ ذَعَرتُهُ
 

وَطَيفُ الكَرى في العَينِ يَطفو وَيَرسُبُ
  

لَهُ مُقلَةٌ يَستَنزِلُ النَومَ جَفنُها
 

إِلَيهِ كَما اِستَرخى عَلى النَجمِ هَيدَبُ
  

سَلَكتُ فِجاجَ الأَرضِ غُفلاً وَمَعلَماً
 

تَجِدُّ بِها أَيدي المَطايا وَتَلعَبُ
  

وَما شَهوَتي لَومَ الرَفيقِ وَإِنَّما
 

كَما يَلتَقي في السَيرِ ظِلفٌ وَمِخلَبُ
  

عَجِبتُ لِغَيري كَيفَ سايَرَ نَجمَها
 

وَسَيرِيَ فيها يَا اِبنَةَ القَومِ أَعجَبُ
  

أَسيرُ وَسَرجي بِالنِجادِ مُقَلَّدٌ
 

وَأَثوي وَبَيتي بِالعَوالي مُطَنَّبُ
  

وَمَصقولَةِ الأَعطافِ في جَنَباتِها
 

مِراحٌ لِأَطرافِ العَوالي وَمَلعَبُ
  

تَجُرُّ عَلى مَتنِ الطَريقِ عَجاجَةً
 

يُطارِحُها قَرنٌ مِنَ الشَمسِ أَعضَبُ
  

نَهارٌ بِلألاءِ السُيوفِ مُفَضَّضٌ
 

وَجَوٌّ بِحَمراءِ الأَنابيبِ مُذهَبُ
  

تَرى اليَومَ مُحمَرَّ الخَوافي كَأَنَّما
 

عَلى الجَوِّ غَربٌ مِن دَمٍ يَتَصَبَّبُ
  

صَدَمنا بِها الأَعداءَ وَاللَيلُ ضارِبٌ
 

بِأَرواقِهِ جَونُ المِلاطَينِ أَخطَبُ
  

أَخَذنا عَلَيهِم بِالصَوارِمِ وَالقَنا
 

وَراعي نُجومِ اللَيلِ حَيرانُ مُغرِبُ
  

فَلَو كانَ أَمراً ثابِتاً عَقَلوا لَهُ
 

وَلَكِنَّهُ الأَمرُ الَّذي لا يُجَرَّبُ
  

يُراعونَ إِسفارَ الصَباحِ وَإِنَّما
 

وَراءَ لِثامِ اللَيلِ يَومٌ عَصَبصَبُ
  

وَكُلُّ ثَقيلِ الصَدرِ مِن جَلَبِ القَنا
 

خَفيفِ الشَوى وَالمَوتُ عَجلانُ مُقرِبُ
  

يَجُمُّ إِذا ما اِستَرعَفَ الكَرُّ جُهدَهُ
 

كَما جَمَّتِ الغُدرانُ وَالماءُ يَنضُبُ
  

وَما الخَيلُ إِلاّ كَالقِداحِ نُجيلُها
 

لِغُنمٍ فَإِمّا فائِزٌ أَو مُخَيَّبُ
  

دَعوا شَرَفَ الأَحسابِ يا آلَ ظالِمٍ
 

فَلا الماءُ مَورودٌ وَلا التُربُ طَيِّبُ
  

لَئِن كُنتُمُ في آلِ فِهرٍ كَواكِباً
 

إِذا غاضَ مِنها كَوكَبٌ فاضَ كَوكَبُ
  

فَنَعتي كَنَعتِ البَدرِ يُنسَبُ بَينَكُم
 

جَهاراً وَما كُلُّ الكَواكِبِ تُنسَبُ
  

صَحِبتُم خِضابَ الزاعِبيّاتِ ناصِلاً
 

وَمِن عَلَقِ الأَقرانِ ما لا يُخَضِّبُ
  

أُهَذِّبُ في مَدحِ اللِئامِ خَواطِري
 

فَأَصدُقُ في حُسنِ المَعاني وَأَكذِبُ
  

وَما المَدحُ إِلاّ في النَبيِّ وَآلِهِ
 

يُرامُ وَبَعضُ القَولِ ما يُتَجَنَّبُ
  

وَأَولى بِمَدحي مَن أُعِزُّ بِفَخرِهِ
 

وَلا يَشكُرُ النَعماءَ إِلاّ المُهَذَّبُ
  

أَرى الشِعرَ فيهِم باقِياً وَكَأَنَّما
 

تُحَلِّقُ بِالأَشعارِ عَنقاءُ مُغرِبُ
  

وَقالوا عَجيبٌ عُجبُ مِثلي بِنَفسِهِ
 

وَأَينَ عَلى الأَيّامِ مِثلُ أَبي أَبُ
  

لَعَمرُكَ ما أُعجِبتُ إِلاّ بِمَدحِهِم
 

وَيُحسَبُ أَنّي بِالقَصائِدِ مُعجَبُ
  

أَعِدُّ لِفَخري في المَقامِ مُحَمَّداً
 

وَأَدعو عَليّاً لِلعُلى حينَ أَركَبُ
  

b