من أدبيّات الإمام عليّ زين العابدين بن الحسين y  

بسم الله الرحمن الرحيم

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:
في هذه القصيدة التي تحكي مصير كل إنسان عند موته ودفنه وحشره ووقوفه بين يد الله ومحاسبته ومآله.. إلى الجنة ..أم إلى النار:

َليْسَ الغَريبُ غَريبَ الشَّامِ واليَمَنِ
 

إِنَّ الغَريبَ غَريبُ اللَّحدِ والكَفَنِ
  

إِنَّ الغَريِبَ لَهُ حَقٌّ لِغُرْبَتِهِ
 

على الْمُقيمينَ في الأَوطانِ والسَّكَنِ
  

سَفَري بَعيدٌ وَزادي لَنْ يُبَلِّغَني
 

وَقُوَّتي ضَعُفَتْ والموتُ يَطلُبُني
  

وَلي بَقايا ذُنوبٍ لَسْتُ أَعْلَمُها
 

الله يَعْلَمُها في السِّرِ والعَلَنِ
  

مَا أَحْلَمَ اللهَ عَني حَيْثُ أَمْهَلَني
 

وقَدْ تَمادَيْتُ في ذَنْبي ويَسْتُرُنِي
  

تَمُرُّ ساعاتُ أَيَّامي بِلا نَدَمٍ
 

ولا بُكاءٍ وَلا خَوْفٍ ولا حَزَنِ
  

أَنَا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوابَ مُجْتَهِداً
 

عَلى المعاصِي وَعَيْنُ اللهِ تَنْظُرُني
  

يَا زَلَّةً كُتِبَتْ في غَفْلَةٍ ذَهَبَتْ
 

يَا حَسْرَةً بَقِيَتْ في القَلبِ تُحْرِقُني
  

دَعْني أَنُوحُ عَلى نَفْسي وَأَنْدِبُها
 

وَأَقْطَعُ الدَّهْرَ بِالتَّذْكِيرِ وَالحَزَنِ
  

كَأَنَّني بَينَ تلك الأَهلِ مُنطَرِحَاً
 

عَلى الفِراشِ وَأَيْديهِمْ تُقَلِّبُني
  

وَقد أَتَوْا بِطَبيبٍ كَيْ يُعالِجَني
 

وَلَمْ أَرَ الطِّبَّ هذا اليومَ يَنْفَعُني
  

واشَتد نَزْعِي وَصَار المَوتُ يَجْذِبُها
 

مِن كُلِّ عِرْقٍ بِلا رِفقٍ ولا هَوَنِ
  

واستَخْرَجَ الرُّوحَ مِني في تَغَرْغُرِها
 

وصَارَ رِيقي مَريراً حِينَ غَرْغَرَني
  

وَقامَ مَنْ كانَ حِبَّ لنّاسِ في عَجَلٍ
 

نَحْوَ المُغَسِّلِ يَأْتيني يُغَسِّلُني
  

وَقالَ يا قَوْمِ نَبْغِي غاسِلاً حَذِقاً
 

حُراً أَرِيباً لَبِيباً عَارِفاً فَطِنِ
  

فَجاءَني رَجُلٌ مِنْهُمْ فَجَرَّدَني
 

مِنَ الثِّيابِ وَأَعْرَاني وأَفْرَدَني
  

وَأَوْدَعوني عَلى الأَلْواحِ مُنْطَرِحاً
 

وَصَارَ فَوْقي خَرِيرُ الماءِ يَنْظِفُني
  

وَأَسْكَبَ الماءَ مِنْ فَوقي وَغَسَّلَني
 

غُسْلاً ثَلاثاً وَنَادَى القَوْمَ بِالكَفَنِ
  

وَأَلْبَسُوني ثِياباً لا كِمامَ لها
 

وَصارَ زَادي حَنُوطِي حينَ حَنَّطَني
  

وأَخْرَجوني مِنَ الدُّنيا فَوا أَسَفاً
 

على رَحِيلٍ بِلا زادٍ يُبَلِّغُني
  

وَحَمَّلوني على الأْكتافِ أَربَعَةٌ
 

مِنَ الرِّجالِ وَخَلْفِي مَنْ يُشَيِّعُني
  

وَقَدَّموني إِلى المحرابِ وانصَرَفوا
 

خَلْفَ الإِمَامِ فَصَلَّى ثمّ وَدَّعَني
  

صَلَّوْا عَلَيَّ صَلاةً لا رُكوعَ لها
 

ولا سُجودَ لَعَلَّ اللهَ يَرْحَمُني
  

وَأَنْزَلوني إلى قَبري على مَهَلٍ
 

وَقَدَّمُوا واحِداً مِنهم يُلَحِّدُني
  

وَكَشَّفَ الثّوْبَ عَن وَجْهي لِيَنْظُرَني
 

وَأَسْكَبَ الدَّمْعَ مِنْ عَيْنيهِ أَغْرَقَني
  

فَقامَ مُحتَرِماً بِالعَزمِ مُشْتَمِلاً
 

وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِنْ فَوْقِي وفارَقَني
  

وقَالَ هُلُّوا عليه التُّرْبَ واغْتَنِموا
 

حُسْنَ الثَّوابِ مِنَ الرَّحمنِ ذِي المِنَنِ
  

في ظُلْمَةِ القبرِ لا أُمٌّ هناك ولا
 

أَبٌ شَفيقٌ ولا أَخٌ يُؤَنِّسُني
  

فَرِيدٌ وَحِيدُ القبرِ، يا أَسَفاً
 

عَلى الفِراقِ بِلا عَمَلٍ يُزَوِّدُني
  

وَهالَني صُورَةً في العينِ إِذْ نَظَرَتْ
 

مِنْ هَوْلِ مَطْلَعِ ما قَدْ كان أَدهَشَني
  

مِنْ مُنكَرٍ ونكيرٍ ما أَقولُ لهم
 

قَدْ هَالَني أَمْرُهُمْ جِداً فَأَفْزَعَني
  

وَأَقْعَدوني وَجَدُّوا في سُؤالِهِمُ
 

مَالِي سِوَاكَ إِلهي مَنْ يُخَلِّصُنِي
  

فَامْنُنْ عَلَيَّ بِعَفْوٍ مِنك يا أَمَلي
 

فَإِنَّني مُوثَقٌ بِالذَّنْبِ مُرْتَهَنِ
  

تَقاسمَ الأهْلُ مالي بعدما انْصَرَفُوا
 

وَصَارَ وِزْرِي عَلى ظَهْرِي فَأَثْقَلَني
  

واستَبْدَلَتْ زَوجَتي بَعْلاً لها بَدَلي
 

وَحَكَّمَتْهُ فِي الأَمْوَالِ والسَّكَنِ
  

وَصَيَّرَتْ وَلَدي عَبْداً لِيَخْدُمَها
 

وَصَارَ مَالي لهم حِلاً بِلا ثَمَنِ
  

فَلا تَغُرَّنَّكَ الدُّنْيا وَزِينَتُها
 

وانْظُرْ إلى فِعْلِها في الأَهْلِ والوَطَنِ
  

وانْظُرْ إِلى مَنْ حَوَى الدُّنْيا بِأَجْمَعِها
 

هَلْ رَاحَ مِنْها بِغَيْرِ الحَنْطِ والكَفَنِ
  

خُذِ القَنَاعَةَ مِنْ دُنْيَاك وارْضَ بِها
 

لَوْ لم يَكُنْ لَكَ إِلا رَاحَةُ البَدَنِ
  

يَا زَارِعَ الخَيْرِ تحصُدْ بَعْدَهُ ثَمَراً
 

يَا زَارِعَ الشَّرِّ مَوْقُوفٌ عَلَى الوَهَنِ
  

يَا نَفْسُ كُفِّي عَنِ العِصْيانِ واكْتَسِبِي
 

فِعْلاً جميلاً لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُني
  

يَا نَفْسُ وَيْحَكِ تُوبي واعمَلِي حَسَناً
 

عَسى تُجازَيْنَ بَعْدَ الموتِ بِالحَسَنِ
  

ثمَّ الصلاةُ على الْمُختارِ سَيِّد
 

مَا وَصَّا البَرْقَ في شَّامٍ وفي يَمَنِ
  

والحمدُ لله مُمْسِينَا وَمُصْبِحِنَا
 

بِالخَيْرِ والعَفْوْ والإِحْسانِ وَالمِنَنِ
  

 

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:

نُراع إذا الجنائزُ قابَلَتنا
 

ونلهو حينَ تمضي ذاهباتِ
  

كرَوعة ثلّةٍ لمغار سبعٍ
 

فلمّا غاب عادت راتعات
  

 

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:

ألا أيها المقصودُ في كل حاجةٍ
 

شكوت إليك الضر فارحم شكايتي
  

ألا يا رجائي أنت تكشفُ كربتي
 

فهب لي ذنوب يكلها وافضِ حاجتي
  

أتيت بأعمال قباح رديئةٍ
 

وما في الورى عبد جنى كجنايتي
  

أتحرقُني بالنار يا غايةَ المُنى
 

فأين رجائي ثم اين مخافتي
  

 

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:

فهم في بطون الأرض بعد ظهورها
 

محاسنهم فيها بوال دوائر
  

خَلَت دورهم منهم وأقوت عراصهُم
 

وساقتهُمُ نحو المنايا المقادرُ
  

وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها
 

وضَمّهُمُ تحت التراب الحفائر
  

وأنت على الدنيا مكبّ منافسٌ
 

لخُطّابها فيها حريصٌ مكاثر
  

على خطرٍ تمسي وتصبح لاهباً
 

أتدري بماذا لو عقلت تخاطرُ
  

وإن امرءاً يسعى لدنياهُ دائباً
 

ويذهلُ عن أخراهُ لا شكّ خاسرُ
  

وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى
 

عن اللهو واللّذاتِ للمرء زاجر
  

أبعد اقتراب الأربعين ترَبُّصٌ
 

وشيبُ قذال منذر لك ظاهر
  

كأنّك معنيٌّ بما هو ضائرٌ
 

لنفسك عمدا وعن الرشد جائرُ
  

أمسوا رميماً في التراب وعطّلت
 

مجالسهُم منهم وأخلى مقاصرُ
  

وحلوا بدار لا تزاور بينهُم
 

وأنّى لسكّان القبور التزاورُ
  

فما أن ترى إلّا قبوراً ثووا بها
 

مسطّحةً تسفي عليها الأعاصرُ
  

فما صرفت كفّ المنية إذ أتت
 

مبادرة تهوي إليها الذخائر
  

ولا دفعت عنك الحصون التي بنى
 

وحفّ بها أنهارهُ والدساكر
  

ولا قارعت عنك المنية حيلةٌ
 

ولا طمعت في الذبّ عنه العساكرُ
  

مليكٌ عزيزٌ لا يردّ قضاؤه
 

حكيمٌ عليمٌ نافذُ الأمرِ قاهر
  

عنى كل ذي عزّ لعزّه وجهه
 

فكم من عزيز للمهيمنِ صاغرُ
  

لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت
 

لعزّة ذي العرش الملوكُ الجبابر
  

وفي دون ما عاينت من فجعاتِها
 

إلى دفعها داع وبالزهد آمرُ
  

فجُدّ ولا تغفل وكن متيقظاً
 

فعمّا قليل بترك الدار عامر
  

فشمّر ولا تفتر فعمرك زائلٌ
 

وأنت على دار الإقامة صائر
  

ولا تطلب الدنيا فإن نعيمها
 

وإن نلت منها غبّه لك ضائر
  

ألا لا ولكنّا نغرّ نفوسنا
 

وتشغلنا اللّذاتُ عما نحاذرُ
  

وكيف يلَذّ العيش من هو موقفٌ
 

بموقف عدل يوم تبلى السرائرُ
  

كأنّا نرى أن لا نشور وأنّنا
 

صدىً ما لنا بعد الممات مصادر
  

أما قد نرى في كل يوم وليلة
 

يروح علينا صرفها ويباكرُ
  

تعاورنا آفاتها وهمومها
 

وكم قد ترى يبقى لها المتعاورُ
  

فلا هو مغبوط بدنياه آمنٌ
 

ولا هو عن تطلابها النفسَ قاصرُ
  

بل أوردتهُ بعد عزّ ومنعةٍ
 

موارد سوء ما لهنّ مصادر
  

فلمّا رأى أن لا نجاة وأنّه
 

هو الموت لا ينجيه منه التحاذرُ
  

تندّم إذ لم تغنِ عنه ندامةٌ
 

عليه وأبكتهُ الذنوب الكبائرُ
  

أحاطت به أحزانه وهمومُهُ
 

وأبلسَ لما أعجزتهُ المقادرُ
  

فليسَ له من كربةِ الموت فارجٌ
 

وليس له ممّا يحاذرُ ناصرُ
  

وقد جشأت خوفَ المنيّة نفسهُ
 

يردّدها بين اللهاة الحناجرُ
  

فكم موجع يبكي عليه مفجّع
 

ومستنجد صبراً وما هو صابرُ
  

ومسترجع داع له اللّه مخلصا
 

يعدّد منه كلّ ما هو ذاكر
  

وكم شامت مستبشر بوفاتهِ
 

وعمّا قليل للّذي صار صائرُ
  

وحلّ أحبّ القوم كان بقربهِ
 

يحثّ على تجهيزه ويبادرُ
  

وشمّر من قد أحضروه لغسلهِ
 

ووجّه لما فاض للقبر حافرُ
  

وكفّن في ثوبين واجتمعت له
 

مشيّعةٌ إخوانهُ والعشائر
  

لعاينت من قبح المنيّة منظراً
 

يهالُ لمرآهُ ويرتاع ناظرُ
  

أكابرُ أولاد يهيج اكتئابهُم
 

إذا ما تناساه البنون الأصاغرُ
  

ورنّة نسوان عليه جوازعٌ
 

مدامعهم فوق الخدود غوازرُ
  

فوَلّوا عليه معولين وكلّهُم
 

لمثل الذي لاقى أخوه محاذرُ
  

كشاءٍ رتاع آمنين بدا لها
 

بمديتهِ بادي الذراعينِ حاسرُ
  

فريعت ولم ترتع قليلاً وأجفلت
 

فلمّا نأى عنها الذي هو جازرُ
  

ثوى مفرداً في لحده وتوزّعَت
 

مواريثهُ أولادهُ والأصاهرُ
  

وأحنوا على أمواله يقسِمونها
 

فلا حامدٌ منهم عليها وشاكرُ
  

فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها
 

ويا آمناً من أن تدور الدوائرُ
  

ولم تتزَوّد للرّحيل وقد دنا
 

وأنت على حال وشيكٍ مسافرُ
  

فيا لهف نفسي كم أسوّف توبتي
 

وعمريَ فانٍ والرّدى لي ناظرُ
  

وكلّ الذي أسلفتُ في الصحف مثبتٌ
 

يُجازي عليه عادل الحكم
  

تخرّبُ ما يبقى وتعمر فانياً
 

فلا ذاك موفورٌ ولا ذاك عابرُ
  

وهل لك إن وافاك حتفُك بغتةً
 

ولم تكتسب خيرا لدى اللّه عاذرُ
  

أترضى بأن تفنى الحياةُ وتنقضي
 

ودينكَ منقوصٌ ومالك وافرُ
  

                    

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:

لكم ما تدّعون بغير حقّ
 

إذا ميز الصحاح من المراض
  

عرفتُم حقّنا فجحدتمونا
 

كما عرف السواد من البياض
  

كتابُ اللّه شاهدنا عليكم
 

وقاضينا الإلهُ فنعم قاضِ
  

 

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:

يا من يجيب دعا المضطرّ في الظلم
 

يا كاشف الضرّ والبلوى مع السقم
  

قد نام وفدُك حول البيت وانتبهوا
 

وأنتَ يا حيّ يا قيّومُ لم تنَمِ
  

إن كان جودكَ لا يرجوهُ ذو سفهٍ
 

فمن يجود على العاصين بالكرمِ
  

 

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:

وقرقعةُ اللجام برأس حمرا
 

أحبّ إليّ ممّا تغمزيني
  

أخافُ إذا وقعت على فراشي
 

وطالت علّتي لا تصحبيني
  

أخاف إذا وقعنا في مضيق
 

وجارَ الدهر بي لا تنصريني
  

أخاف إذا فقدت المال عندي
 

تميلي للخصام وتهجريني
  

 

قال السيد الشريف علي زين العابدين بن الحسين y:

نحنُ بنو المصطفى ذوو غصص
 

يجرعُها في الأنام كاظمُنا
  

عظيمةٌ في الأنام محنتنا
 

أوّلُنا مبتلى وآخرُنا
  

يفرحُ هذا الورى بعيدهم
 

ونحنُ أعيادُنا مآتمُنا
  

والناسُ في الأمن والسرور وما
 

يأمنُ طول الزمان خائفنا
  

وما خصّصنا به من الشوف الطا
 

ئلِ بين الأنام آفتنا
  

يحكمُ فينا والحكم فيه لنا
 

جاحدُنا حقّنا وغاصبُنا
  

b