كُتب أنساب السّادة الأشراف الأهادلة

 

 

نشر الثناء الحسن

على بعض أرباب الفضل والكمال

 من أهل اليمن

تأليف السيد إسماعيل بن محمد الوشلي الحسني

الجزء الأول

القسم الثاني الخاص

بالسادة آل الأهدل

 

بنو الأهدل :

الأشراف الأهدليين :

عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عمر الأهدل :

وصل :وأما عبد الله بن إبراهيم فذريته بنو سكينة , وله مر من الولد ستة كما ذكر في " الأحساب" وعبارته ذكر أولاد الشيخ عبد الله بن إبراهيم ويقال لذريته بنو سكينة أي بضم أوله وهي أمهم , وله : محمد وأحمد وعمر وحسين ويوسف وعلي , الجميع أمهم سكينة , أ هـ ثم ذكر لهم ذرية منهم : سليمان بن إبراهيم بن علي بن عمر بن أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل .

بنو النشاد :

وسليمان هذا , قال السيد العلامة قاسم بن عبد الرحمن الأهدل في مختصره " الدرة البهية " أن بني النشاد ينتهي نسبهم إليه , وعبارته بعد أن ساق عبارة الأحساب : قلت ذرية سليمان بن إبراهيم موجودون شهروا ببني النشاد , أعرف منهم علي وإبراهيم بن عمر نشاد ومحمد وأمحمد ابني يحيى نشاد وكثير غيرهم , ولهم ذرية مباركون قلت : الموجود منهم الآن محمد بن علي بن عمر نشاد , ومنهم جماعة ساكنون بجبل نجره الموجود منهم الآن هناك نحو ثلاثين نفراً صالحون محترمون عند أهل تلك الجهة ولهم أرض يزرعون فيها .

وصل : وأما حسين بن إبراهيم فقد ذكر له في " الأحساب " خمسة أولاد : أحمد وأبو بكر وأبو القاسم وإبراهيم ومحمد , وأن لأبي بكر : عبد الله , ولعبد الله ذيبين .

       بنو ذيبين :

وإلى ذيبين بن عبد الله هذا ينتهي نسب بني ذيبين الموجودين الآن في بلاد صليل كما ذكره السيد العلامة قاسم بن عبد الرحمن الأهدل في مختصره " الدرة البهية " وعبارته بعد أن ساق عبارة " الأحساب " قلت : ذرية ذيبين بن عبد الله موجودون في بلاد بن الأحمر من بلاد صليل ثم ساق جماعة منهم تشملهم هذه الشجرة وصورتها : حسين بن أحمد بن حسين بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد هذا ما وقفت عليه من سلسة نسبهم ولم أقف على تمامها , وسألحق بهؤلاء من تفرع منهم فمن هو موجود الآن , فلمحمد بن عبد الله بن محمد من الولد أربعة : محمد ومقبول وأبو الغيث فلمحمد خمسة : عبد الله وأبو الغيث وأمحمد وحسين ومقبول , لعبد الله اثنان : محمد وحسين , لأبي الغيث خمسة : علي وعبد الله وحسين ومساوى وامحمد , لمساوى : محمد وأبو الغيث , لوحسين بن محمد : محمد , ولمقبول ابن محمد اثنان : علي ومحمد , وأما محمد بن عبدالله بن محمد فله ولد واحد هو علي , وأما حسين بن عبد الله بن محمد فله ثلاثة : عبد الله وأحمد وأبكر , فلعبد الله : أحمد , ولأحمد بن حسين خمسة : علي وأبكر وحسين ومحمد وأحمد , ولأبكر بن حسين اثنان : حسين وأحمد , وأما مقبول بن عبد الله بن محمد فله : محمد , وأما أبكر بن عبد الله , ولعبد الله اثنان : مشهور وأبو الغيث , هذا ما وجد من أصولهم وفروعهم الموجودين الآن و\لعل الله يمن بتمام سلسلة نسبهم .

بنو المشهور والعنواش :

وصل : وأما هارون بن إبراهيم فله من الولد عشرة كما ذكره في " الأحساب " وهم : محمد وعمر وأحمد المدني وإبراهيم وحسين ويوسف وعلي والنهاري وأبو القاسم والمحجوب وأبو بكر وإليه ينتهي نسب السادة بني المشهور الساكنين بالدمن , وهي قرية يماني باجل , ومنهم بنو العنواش , الساكنون ببلاد صليل كما حققه السيد العلامة محمد طاهر بن عبد الرحمن الأهدل ناقلاً له عن السيد العلامة عبد الله بن عبد الباري الأهدل , وقد كتب إلى السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل بعد السلام ما صورته ونعرفكم من أجل السادة العلامة محمد بن يحيى الأهدل بعد السلام ما صورته : ونعرفكم من أجل السادة بني العنواش وصلوا عندنا زائرين جدهم الشيخ علي بن عمر الأهدل وطلبوا منا أن نلحق نسبهم فألحقنا بهم ووجدنا السيد المشهورين بن يحيى بن المشهور بن يحيى بخط سيدي الجد العلامة عبد الله بن عبد الباري الأهدل وذكر أن السادة المذكورين مستفيض نسبهم مشهور بلا إنكار ,ونص عبارته : الحمد لله وبعد فهذا نسب بني المشهور الساكنين بالدمن وهم جابر بن عبد الله بن يحيى بن المشهور عنواش له : امحمد وحسين والمشهور , موجودون المذكورون من المهادلة أهل الدمن ويذكرون أنهم من بني العنواش وهم مهادلة بالاستفاضة والشيوع من غير إنكار وهم من ذرية الشيخ هارون بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن الشيخ الكبير علي الأهدل كما هو مذكور في " الاحساب العلية " انتهى كلام سيدي الجد عبد الله بن عبد الباري أخي سيدي الجد محمد بن عبد الباري , هذا ما وجدناه من نسب السادة بني عنواش عند نسب بني الساجد , انتهى صورة الكتاب المذكور , قلت : السادة المذكورون الذين وصلوا إليه زائرين هم أهل دير العنواش قرية من قرى بلاد صليل نسبت إليهم لسكناهم بها , عرفت منهم جماعة منهم عمر بن يحيى عنواش ويحيى بن أحمد عنواش وعبده بن علي عنواش وعلي عبده عنواش , ولهم ذرية موجودون على خير من ربهم بارك الله فيهم , ومن ذرية هارون بن إبراهيم بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن الشيخ الكبير على الأهدل قلت : ولعمر من الولد ثمانية : سليمان وأحمد وعابد وهاشم ومحمد جيلان ومحمد شيبة ويحيى وعلي ومحمد ومن ذرية هارون بن إبراهيم : بنو المزت بميم وزاي مفتوح وآخره تاء مشدودة يسكنون المغلاف وبنو الهبة وأهل دير عراج الساكنون شرقي المراوعة , وبنو مجاهد الساكنون بمحل " المجدر " قرية قبلي الحسينية هذا ما تيسير ذكره من ذرية هارون بن إبراهيم وإليه تنسب " الهارونية " القرية المعروفة غربي المنيرة بينها وبين المنيرة نحو ساعتين وبينها وبين البحر نحو نصف ساعة إلى جهة الغرب وهو الذي اختطها وكان بها بعض ذريته ثم انتقلوا , ولم يكن بها اليوم أحد منهم , وقد انتهى هنا ذك تيسر ذكره من ذرية إبراهيم بن محمد بن عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل نفع الله بهم .

الولي الكامل محمد بن عمر الأهدل :

وصل : وأما والده محمد بن عمر فقد ذكر له في " الاحساب " خمسة أولاد : إبراهيم وحسن وحسين التوأمان وعلي وأحمد , فأما إبراهيم فقد تقدم مترجماً مع من تيسر ذكره وترجمته من ذريته من أهل الجهة الموجودين الآن , وقد حقق في " الأحساب " ذريته وذرية أخوانه ولم أعلم من أهل الجهة من نسب إلى سائر أخوانه نفع الله بهم آمين.

جد أهل المنبرة والمنهل :

وصل : وأما والدهم عمر بن علي فقد ذكره البدر الأهدل في " تحفة الزمن " وتبعه في " الاحساب " و " تحفة الدهر " و " الدرة الخطيرة " بنحو مما ذكره , وعبارة البدر : وأما عمر بن علي وهو عم والدي فهو جد أهل المنيرة والمنهل وعبارة صاحب " الدرة" وأما سيدي الشيخ عمر بن علي الأهدل فهو جد أهل المنيرة والمنهل ولا يخلو من الكرامات والأحوال لكن لعزة النقل وعزة سالكيه لم نحكه إلا في ترجمة أخيه , يعني أبا بكر بن علي الأصم , وقبره في التربة المذكورة شرقي قبر سيدي الشيخ أبي بكر يزار مشهور بالبركة وقضاء الحوايج .

الولي الشهير عبد الله بن عمر الأهدل وسبب تسمية المنيرة :

وله من الولد , خمسة : عبد الله ومحمد وعلي عرف بعبد الحي وابو بكر وأبو القاسم , وأما عبد الله فقد قال السيد البدر الأهدل أنه كان مشهوراً بالصلاح والكرامات ,وهو أ ول من أسس زواياهم بسردد , ,وقال السيد البحر في " تحفة الدهر " : أما عبد الله فهو صاحب المنيرة , روى لنا أنه كان يتهجد في القحرية فرأى نوراً يطلع من محل مسجدهم الآن فتبعه حتى وقف عليه فابتناه مسجداً فسميت المنيرة وكان مشهوراً بالفضل والصلاح والكرامات وقد ترجمه صاحب الدرة الخطيرة " ترجمة بسيطة ولكنها بالنسبة إلى فضله وعلو مقامه وشأنه قليل من كثير وقطرة من بحر زاخر نمير فقال : هو الشيخ الأكمل شيخ الشيوخ سلطان هذا القطر الأفخر والعلم الشهير الأنور الشهير بعالي المقام أبو محمد عبد الله بن عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل صاحب الكرامات الظاهرة والغارات المتظاهرة كان مشهوراً بالكرامات والأحوال والمقامات , وضريحه بالمنيرة أشهر من نار على علم , وتربته من الترب المشهورة يقصدها الزوار من كل ناحية يستسقون به يستغيثون به في المهمات , وتربته محترمة ومن استجار به لا يقدر أحد أن يناله مكروه من أرباب الدولة وغيرهم , وقل من تعرض لبلدته ومآثر إلا حل عليه الدمار كما هو مشاهد ومشهور .

ومن كراماته بعد موته ما أخبرني به سيدي السيد العلامة الصنو عبد الله بن إبراهيم الأهدل متع الله بحياته قال : أخبرني سيدي وشيخي العلامة الفهامة ولي الله فلا نزاع وجيه الإسلام سيدي عبد الرحمن بن محمد الأهدل رحمه الله وأعاد علينا من أسراره , قال : سمعنا من كبارنا أن سيدي الفقيه العلامة الولي الشهير المساوى بن إبراهيم الحشيبري رحمه الله حصل بينه وبين بعض السدة مخاصمة فقلق الفقيه كثيراً نوى الخروج من المنيرة ثم قال : سأزور سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل وإذا كان بحر سيدي الشيخ سيسعني جلست في المنيرة وإلا خرجت منها , قال : فمكثت إلى آخر الليل وخرجت لزيارته فبينما أنا أزوره إذا باقبر قد ا متلأ ما ء وطلع نو من القبر إلى السماء قال سيدي العلامة عبد الرحمن بن محمد الأهدل : وذكر ليل أنه الرب من ذلك الماء ,ثم قال : بحر سيدي الشيخ واسع وعزم على الإقامة في المنيرة نشر العلم بها .

وأخذ عنه كثيرون من السادة أهل المنيرة وانتفعوا به نفعاً عظيماً خصوصاً السيد العلامة الفهامة المحقق عبد الله بن محمد العالم فإنه أخذ عنه حتى صار إماماً في جميع العلوم وكان شيخه المذكور إذا أتى إليه سؤال يقول له : أجب عنه , فيجيب عنه كمل جواب وكان شيخه المذكور يثنى عليه كثيراً .

وأخبرني الفقيه الصالح الصدوق محمد بن أحمد الحرازي رحمه الله وكان من مجالسين لسيدي القيه المذكور أن سيدي المساوى بن إبراهيم حشيبري نفع الله به أن يقول للحاضرين مجلسه : إذا أخبركم السيد عبد لاله بن محمد العالم بما في خبر سماء فصدقوه فإن علمه لدني , ثم ساق جمله من ترجمة الفقيه المذكور اعترضة في ترجمة سيدي عبد الله بن عمر إلى أن قال : وأخبرني الفقيه العلامة إبراهيم بن المساوى قال : وكان في ركن قبر سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل نفع الله به حجرة من الشرق إلى اليمن من وقف عندها وقرأ سورة " تبارك الملك " قضيت حاجته , وأخبرني أيضاً قال حصل برأسي ورأس أخت لي أكبر مني في زمن سيدي الوالد ثبورات ترطبت وأضرت بنا , قال فذات ليلة البسني قميصاً وعمامة وألبسها قميصاً وعمامة ثم خرج بنا لزيارة ضريح سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل ولزيارة ضريح سيدي الشيخ أبي الغيث بن محمد المكتف صاحب المخير وكنت أسمعه عند ضريحهما يقول أتيناكم بالأولاد أتيناكم بالأولاد , قال فشفينا بحمد الله من الأثر ولم يعد إلينا بعد ذلك .

ومن كراماته نفع الله به ما أخبرنا به سيدي العلامة ولي الله عز وجل محمد بن أبي الغيث الأهدل متع الله بحياته وسيدي السيد الفاضل ولي الله عز وجل محمد بن أحمد قحم الأهدل وسيدي السيد الفاضل ولي الله عز وجل محمد بن أحم قحم الأهدل وسيدي السيد الفاضل ولي الله عز وجل أحمد بن أبي القاسم الأهدل رحمهم الله تعالى , قالوا : كان بين سيدي السيد الولي الأجل الجد عبد الله بن أبي الغيث الأهدل رحمه الله وبين سيدي الفقيه العلامة ولي الله عز وجل المكاشف بأسرار الغيوب عبد الله بن أبي الغيث الحضرمي الشهير بالزواك صحبة أكيدة ومواصلة ,وكان الفقيه يصل كثيراً إلى المنيرة لزيارة سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل ومواصلة الجد المذكور وأرحامه فكان يقول لهم : ما وصلت إلى مقبرة إلا عرفت صاحبها إلا مقبرة سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل فإني إذا وصلت إليها أجد ثوباً ساتراص على كل من فيها فلا أعرف صالحهم من طالحهم .

وهذا الفقيه عبد الله بن أبي الغيث المذكور اشتهر في زمنه بالعلم والعمل والولاية وأخذ عنه كثيرون من أهل العلم منهم سيدي السيد العلامة الفهامة ولي الله عز وجل الطاهر ابن الحسن صائم الدهر رحمه الله وغيره وهو أحد الثلاثة الذين أخذوا عن الفقيه العلامة الفهامة المحقق الصوفي عمر بن أحمد الحشيبري صاحب " تثبيت القدم للمشي سوياً على صراط السند الأتم المؤلف له بتحريضهم له عليه " كما وجدته بهامش نسخة الفقهاء أهل الضحى التي كتبت نسختي عليها , فليعلم ذلك وهذا المروى عن سيدي العلامة الولي الشهير المساوى بن إبراهيم الحشيبري وعن سيد الفقيه العلامة الولي الشهير عبد الله بن أبي الغيث الحضرمي نفع الله بهما يدل على أن بحر سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل نفع الله به واسع وأن ثوب افضاله شامل جامع أمدنا الله من مدده ووصل حبلنا بحبله آمين آمين اللهم آمين .

قلت : وقد أشار إلى ذلك سيدي العلامة الفهامة عبد الله بن محمد العالم في قصيدة امتدح بها سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل نفع الله به يقول فيها :

كم له من كرامات قد اشتهرت

 

 

عن صادق القول هم أهل الولايات

 

وأخبرني سيدي الفاضل الصنو أحمد بن أبي القاسم الأهدل رحمه الله تعالى قال : أخبرني السيد الفاضل الصالح يوسف بن أحمد ساجد الأهدل رحمه الله قال : كنت ملازماً لسيدي وشيخي الولي الصالح المكاشف بأسرار الغيوب أبي القاسم بن أحمد الطعان الأهدل رحمه الله فبينما أنا عنده ذات ليلة إذا قال لي : هيا نزور سيدي الشيخ نريد منه الكرامة , قال : فسرت معه وزرت معه سيدي الشيخ وجلسنا طويلاً ما شعرت إلا وقد فاحت علينا رائحة عظيمة , قال : فقال لي السيد بعد ذلك : قم بنا قد حصلت الكرامة , فرجعت معه إلى مدرسته نفع الله به .

وقد امتدح سيدي الفقيه العلامة المحقق الصوفي الذي شهدت فيه أولياء زمنه أنه من أهل القلوب عمر بن أحمد الحشيبري المتقدم ذكره شيخه السيد العلامة الفهامة القطب أبا لاقاسم بن محمد المشهور بصاحب القمصين بقصيدة عظيمة وسل إليه فيها بالله العظيم ونبيه المختار e أجمعين وكافة الأصحاب وبأسلافه الكرام وخص منهم جده سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل عالي المقام فقال فيه رحمه الله ونفع به .

بالله بالله بالمختار من مضر
بالسادة الجل أهل الفضل قاطبة
بأهلك الغر أهل الكتب أجمعهم
القطب ذي الصخرة السوداء هب لما
رحام سوحك سود النابات وكن
اشفع إلى الله في كشف الكروب وفي

 

 

وبالضجيعين والأضحا لآحتنان
أهل العلوم وتدريس وقرآن
أهل الجدار وأبناء وجيران
بنا تنبه وفرج كل أشجان
للمسلمين يدا في جسم عدوان
ستر العيوب وتوفيق وإحسان

 

انتهى المقصود منها وهي قصيدة عظيمة مشهورة , وقوله بالقطب ذي الصخرة السوداء يريد به سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل نفع الله به , وهذا يدل على أنه كان في ذلك الزمان يشهر بصاحب الصخرة السوداء كما هو مشهور الآن , فإن صاحب القصيدة نفع الله به من أهل العلم والعمل والولاية , وكذلك يشهر بعالي المقام كما هو مثبت في قصائد كبارنا في التوسل به نفع الله به آمين , وأخبرني شيخنا سيدي الولي الأكمل القطب المكين بن عبد الله الأهدل وكان نفع الله به من ذوي الأحوال والمقامات العظيمة لما وصل زائراً سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل سيدي الشيخ أبا الغيث بن جميل وسيدي الفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي نفع له بهم قال : لما زرت سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل وجدت عنده حاله لم عهدها ,وهذا يدل على أنه نفع الله به تجد له عند زيارة سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل وقوفه عنده حال لم يكن قد حصل له والله ورسوله أعلم .

ولما صبح بعض العرب الذي في المنيرة ثاني يوم الزيارة يريد نهبه ولزمه وكان قد سار أكثر الزوار وبقي البعض من صليل وبني البره والخضارية , فوري الأمير بأنه واصل زايراً سيدي الشيخ سريعاً وتوجه إلى رباط سيدي السيد الأجل أبي الغيث بن أبي القاسم الأهدل رحمه الله موريا أنه قادم وضرب جماعته بندقاً ثم توجهوا سريعاً إلى محل العربي المذكور ودخلوا البيوت يريدون لزمه ونهب محله ومعه نحو أربعين نقراً فواجههم هو أولا ومن عنده من الزوار بالفتنة , وأغارت الزوار وأخذوا رمح الأمير , ثم اجتمعت العرب نحو خمسمائة نفر وهموا بقتل الأمير ومن معه وحوزوهم عند ضبرة هناك واستقام السيد الأجل أبو الغيث الأهدل والسيد الأجل عبد الله بن أبي الغيث الأهدل وجميع السادة يدافعون عن الأمير ومن معه من السادة إلى محل في المنيرة حتى تفرقت العرب ثم ساروا به إلى رباط سيدي الشيخ عبدا لله بن عمر الأهدل فقال سيدي القطب المكين ابن عبد الله الأهدل بعد تمام الفتنة : لولا أن سيدي الشيخ عبد الله عمر قائم في هذه الفتنة لقتل الأمير , فهذه شهادة من هذا القطب العظيم لسيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل نفع الله به بهذه الكرامات وهي السلامة من قتل الأمير في المنيرة ,والحمد الله رب العالمين .

وهذا الأمير المذكور من أهل الشجاعة والجرأة , لم يزل يهم بأهل المنيرة والتعليق لهم في الضبرة التي حوز عندها , وكنا في هم عظيم منه وكنت بعد نفوذ السيد المكين إلى بلدته أكتب إليه كثيراً أعرفه بهم الأيمر المذكور بأهل المنيرة ليتحمل معنا في كفاته شره ثم وصلت إليه زائراً فأخبرني أنه رأى أن المنيرة ارتفعت عن الأرض قال : فأولت ذلك أن المنيرة ارتفعت عن شر الأمير المذكور وكفى الله أهل المنيرة شره بحمده الله تعالى وأخبرني سيدي القطب المكين بن عبد الله الأهدل با/ور شاهدها تدل على كمال رعاية سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل لأولاده واعتنائه بهم , نفع الله به آمين آمين اللهم آمين .

وهذه الكرامات السابق ذكرها دالة على أن سيدي الشيخ نفع الله به عن المنصرفين في البرزخ كما هو شأن أمثاله من العارفين المثبت ذلك في تراجمهم نفع الله بالجميع آمين وهذا آخر ما ترجمه به السيد العلامة القطب الأكمل أبو القاسم بن أبي الغيث الأهدل في مؤلفه المسمى بالدرة الخطيرة نقلته بالحرف نفع الله بالجميع وأعاد علينا من بركاتهم آمين وجعلنا من المحسوبين عليهم بمنه وطوله .

وبالجملة فصاحب الترجمة قد علا قدراً على السماكين وفخراً وفاق الأنام سراً وجهراً وحاز من أسنى الكرامات ما ضاهى وضوحه ضحاً وظهراً , ولم تزل على مر الأزمان تتجدد وتترى , وانتشرت فضائله بين الأنام طرأ , فما أكرمه على الله وأشرفه لدى مولاه : {لَهُم مَّا يَشَاءونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ} {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } . فكم قد شوهدت له من كرامات ظاهرات وإشارات على مر الجديدين سائرات فمن ذلك ما اقتضى الدفع والمحامات عن بلده المنيرة فقد أخبرني جملة من الثقات منهم سيدنا العلامة النائب عنه في المقام حالاً السيد محمد بن يحيى الأهدل حرسه مقامه أنه لما وصل محمد بن عايض في عام 1287 سبعة وثمانين بعد المائتين والألف بخمسة وثلاثين ألف من قومه يريد الاستيلاء على البلاد فخيب الله ظنه وعاد من الحديدة مهزموا فنهب الزيدية وأراد نهب المنيرة فانخذلت طائفة من قومه وصلوا إلى المنيرة يريدون نهبها والفتك بأهلها كما صنعوا بالزيدية ,ولما قربوا منها سمع من قبة المترجم له صوت كالمدفع العظيم إلى جهة الشرق التي فيها عسير ,ورؤي فوقهم شبه الطيور تتخطفهم , فذهبوا منهزمين متشتتين ولم يدخلوا المنيرة , وحدث من وقت الرمية شق في القبة من جهة الشرق وإلى الآن باق بهيئته , ومن ذلك ما وقع في عام 1327 سبع وعشرين بعد ثلاثمائة وألف من إضطراب البلاد وأهلها ووصلت بذلك جنود من العسكر الرومي وخرجت منهم طائفة إلى القرى الغربية التي حول المنيرة وأقاموا بها مدة ثم أنه وشى الواشي بأهل المنيرة إلى الدولة بأنهم فعلوا أموراً استوجبوا بها العقوبة معاذ الله , فهم العسكر بالهجوم عليهم ومعهم المدافع وأنواع الأسلحة النارية وقصدوا نهبهم وإحراق بيوتهم ,ولما قربوا منها سمع كالمدافع العظيم من بطن تنور بعرض المدينة إلى الزيدية ولم يمسوا أحد بسوء وصرف الله شرهم , وكم له من ذلك شيء لا يحصى ولا يحصر وقد قلت هذه القصيدة مادحاً مستغيثاً به :

حططت بباب القطب للذنب أثقالاً
وأيقنت أني ما وقفت ببابه
أهيم اشتياقاً كلما تهت في الحمى
إلى الله كم أطوى على البين أضلعا
ولم يك لي فيما أقاسيه مسعد
فرق لي الواشون مما لقيته
وفقت على مجنون ليلى وعزة
وقفت بهاتيك الديار مناشدا
فعدت بقصدي طالباً نفحات من
وفاق سهيلا نسبة أهدلية
وسرت أحث العزم نحو قبابه
وقلت عسى من نفحة أهدليه
فجار كرام الحي يرجو قراهم
هو اللهف من جور الزمان وخطبه
هو الغيث إن شح الغمام بقطره
هو البحر يلقي لؤلؤا وجواهرا
فقم شافعاً للخلق من جور حادث
وقد شيئت الغارات أنواعه بنا
مؤخرة أسباب تحط به غدت
أجيبو سريعاً وأكشفو كربة لنا
ولا تهملوا ضاق الخناق بنا عسى
ويصبح وجه الأرض يزهو بخضرة
إلى نحوكم يا قوم وجهت وجهتي
فأنتم سراة الناس من خير محشد
فقد مزق القلب الضعيف من النوى
وقد جاء والذكر الحكيم مصرحاً
فلا تهملوا المملوك يا سادة الملا
أنا جاركم يا ساكني ساح الحمى
قيومك في البعد صار كشهركم
وقم بولي الله قطب زماننا
شريف به يزهو المقام على السماء
فكن يا عظيم الجاه عوناً له على
وأهليه والأخوان من سادة الملا
هو العبد إسماعيل نجل محمد
فواخجلتي مما جنيت نجل محمد
عسى نظرة من واسع الفيض ينمحي
وصل على المختار من آل هاشم

 

 

وقد ملت عن نهج الهداية إضلالا
فأرجع صفراً أو أخيب آمالا
إلى من غدا بالبين وللكل قتالا
يضيق جليد الصخر عن حمله حالا
على حمل أعباء البعاد فقد طالا
غداة غدا الركب المجدون إرسالا
وصرت أسيراً الوجد أطلب إرسالا
الأهل مصيح للنداء فقالا لا
يفيض سجالا للوصال وإقبالا
فأكرم بعبد الله من للعلا نالا
مجداً على طهر النجائب إرقالا
تجر أسيراً بالجوار وأذيالا
فبحر وفاهم بالمواهب قد سالا
إذا أعضلت يجلو حوادثه حالا
هو الغوث في العسرى فلم نخش إقلالا
ولا عجب فالبحر يقذف لا ءلا
فكم يا عظيم الجاه بالغدر قد صالا
فقتل وظلم ثم نهب له آءلا
قلوب الورى تشكو لخالقها حالا
فإن لكم عند الإله لإجلالا
شفاعتكم يأتي بها الغيث هطالا
له نظرة والماء في سوحه سالا
وفي مدحكم والله استعذب القالا
فمنو بوصل يقطع الفضل أوصالا
وجا مستقلا يطلب العفو أفضالا
لهم ما يشاؤون فلا تك عفالا
فإنكم أهل المكارم إجمالا
وعار عليكم أن أضيع إهمالا
وشهركم أضحى يماثل أحوالا
محمد المنصوب في نعته حالا
وقد جاوز الجوزاء يطلب محلالا
حوادث دهر مالها غيركم حالا
ولا تنس ناظمها فقد لهم وإلا
إلى الوشلي المنمى ساء أفعالا
بقربهم يمحى ذنوبي أفضالا
بها زين قلبي وأصلح اللهم أعمالا
مع الآل والأصحاب أكرم بهم آلا

 

هذا آخر القصيدة ,وقد امتدح بمدائح جمة تركتها اختصاراً ,وكانت وفاته لبضع وسبعين وسبعمائة بتقديم السين بالمنيرة ودفن بها وقبره بها عليه الأنوار لائحة يزار ويتبرك به نفع الله به آمين ,ولم يكن له عقب .

وصل : وأما أخوه محمد بن عمر فقد مضى مترجماً هو ومن تيسر من ذريته , وهو الذي ينتهي إليه نسب سادتنا أهل المنيرة المنتظم في سلسلة نسبهم المقصود بالذكر في هذا المختصر نفع الله بهم آمين .

بنو البطاح :

وصل : وأما علي بن عمر المعروف بعبد الحي فقد قال في " الأحساب " أن ذريته تسكن القحرية ووادي الحسينية والحبيل أي بحاء مهملة مفتوحة والمنصر في سهام والحديدة وله عمر الخبيتي وعبد الله وأبو بكر , وإلى عمر الخبتي ينتهي نسب بني البطاح المشهورين بالفضل والصلاح وكثرة العلم والتفنن في العلوم العقلية والنقلية لاسيما في علم الحديث فإن " صحيح البخاري " يروى عنهم بسند خاص بهم ينتهي إلى ابن حجر العسقلاني , وقد ترجم لبعض متقدميهم صاحب " الأحساب " في نفحته فقال : ومن ذرية الشيخ علي بن عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل الشيخ الصالح الصادق الناضح محمد بن يوسف البطاح الموجود الآن الساكن بالكدف ميامن قرية الشريج بالتصغير من قرى وادي زبيد قريباً منها ,وهو ابن يوسف ابن أحمد البطاح بن المساوى بن أحمد الشهاب بن عمر الخبتي ابن علي بن عمر المذكور في الترجمة , والشيخ محمد رجل صالح كما وصفنا كثير الخير والإحسان مشهور بالأنس في ذلك المكان جزاه الله خيرا .

ومن متأخريهم السيد العلامة المتفنن يوسف بن محمد البطاح وقد ترجمه السيد العلامة شيخ الإسلام عبد الرحمن بن سليمان الأهدل في " النفس اليماني " فقال : ومنهم شيخنا السيد العلامة الماجد ضياء الإسلام يوسف بن محمد البطاح الأهدل رحمه الله تعالى :

العالم الفاضل التحرير أفضل من

 

 

ثب العلوم فأروى كل ضمآن

 

أخذ العلوم العقلية والنقلية عن شيخنا سيدي الوالد رحمه الله تعالى ولازمه كثيراً وعن سيدي الفقيه العلامة عبد الله بن عمر الخليل والفقيه العلامة عبد الله بن سليمان الجرهزي وسيدي الفقيه العلامة عثمان بن علي الجبيلي وأكثر مقروءاته على عمه العلامة السيد يوسف بن حسين البطاح الأهدل فإنه اعتنى باقرائه اعتناء كثيراً , وأخذ عن غير هؤلاء من أهل اليمن والحرمين ,وكانت له اليد الطولي في سائر العلوم سيما علم الحساب والمساحة والجبر والمقابلة والفرائض وهاجر من مدينة زبيد إلى الحرمين الشريفين وتفرغ فيهما تفرغاً عظيماً لنشر العلوم فألف ودرس ووقع به النفع سيما لطلبة العلم اليمانية , ومن مؤلفاته " إفهام الأفهام بشرح بلوغ المرام , في مجلدين و " شرح منظومة القواعد " لللسيد الجلي ذي التأليفات أبي بكر بن أبي القاسم الأهدل وله " شرح منظومة الزبد " في مجلد حافل أكثر فيه من تعدد الأدلة وذكر الخلاف , وله عدة رسائل في أعمال الحج ألفها لكثرة المسائل الواردة عليه في ذلك , منها " شرح منسك الشيخ العلامة محمد صالح بن إبراهيم الزمزمي " ومنها " شرح منسك الشيخ على الوناثي المصري " وكان رحب الصدر في التدريس له صبر عظيم على طول المجالس وعناية بكثرة إيراد النكت العلمية في درسه عملا بقول الإمام ابن عرفة المالكي :

إذا لم يكن في مجلس الدرس نكته
وعزو غريب النقل أو حل مشكل
فدع سعيه وانظر لنفسك واجتهد

 

 

بتقرير أيضاح لمشكل صورة
أو إشكال أبدته قريحة فكرة
ولا تتركن فالترك أقبح خلة

 

ومات شهيداً في الوباء العام الواقع في سنة 1246 الذي مات فيه خلائق لا يحصون من الحجاج انتهى المقصود نقله من ترجمة هذا الإمام رحمه الله ونفعنا به .

ومن متأخريهم ممن وجد منهم في وقتنا هذا في مدينة زبيد السيد العلامة المتقن في عدد من العلوم والمبرز في المنطوق منها والمفهوم عبد الله بن محمد بن أحمد بطاح الأهدل ,كان عاكفاً في مدينة زبيد على نشر العلوم بالتدريس والفتوى باذلا نفسه لذلك , على غاية من حسن الاستقامة والعبادة والتواضح , ولم أقف على كمال ترجمته لبعد المسافة غير أنه مشهور بالعلم والصلاح ما زال على هذا حتى كتب الله له الشهادة فقتل ظلماً في نفس مدينة زبيد يوم السبت التاسع والعشرين من شهر الحجة الحرام سنة 1325 ووقع لقتله الأسف العظيم من الخاص والعام لكونه أعلم أهل تلك الجهة في وقته , وقد ذكرت سبب قتله في فصل الحوادث الآتي إن شاء الله آخر الكتاب نفع الله به ولم أقف على سيرة أحد من عشيرتهم الموجودين بزبيد الآن والله المستعان وقد انتهى هنا ذكر من تيسر ذكره من ذرية علي بن عمر المعروف بعبد الحي .

قاسم بن عمر الأهدل , جد بنو إسماعيل والمشارفة :

وصل : وأما أخوه قاسم بن عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل فقد ذكر له في " الأحساب  العلية " ثلاثة أولاد : محمد وعبد الله وأبو بكر , وذكر لهم ذرية مترعة , قد ترجم لبعض متقدميهم في " نفحة المندل " وهو السيد عبد الله بن المقبول بن عبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي القاسم بن عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل , وترجم لبعض أولاده أيضاً وإلى عبد الله بن أبي القاسم بن عمر بن علي ينتهي نسب بني إسماعيل والمشارقة , فأما ( بنو سميل ) وهو يضم المهملة أوله فجده عبد الله سميل بن أبي القاسم بن عبد الله بن أبي القاسم بن عمر بن علي , وقد كانوا ساكنين بمحل غربي مدينة الزيدية وقد أندرس منذ زمن طويل ,وكانت لهم هناك أرض فيها بئر تشهر باسمهم إلى الآن , ومنهم جماعة الآن يسكنون عزان ووادي المرخ وهما قريتان شرقي باجل ومنهم إبراهيم سميل وله : سالم ومحمد وأحمد , ومنهم أمحمد بن مهدي وله : يحيى طعام وعلي , ومنهم يحيى بن بلغيث وله : سالم الملقب بهادي , ومنهم شعبين ومحمد بنا علي , ومنهم دهمان ,ومنهم حسن وأبكر إبنا نمص , ولأبكر : علي وعلاك ومعوضه , ومنهم الصغير الشريف وله سالم .

وأما ( المشارفة ) فجدهم عبد الله بن أبي القاسم بن عمر بن علي كما حققه لسيد العلامة عبد الله بن عبد الباري الأهدل , وصورة تدريج نسبهم منقولا من خطه لكذا : محمد بن علي بن حسين بن إبراهيم بن عبد الله بن علي بن حسن بن عبد الله الملقب الأشرف بن أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن عبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي القاسم بن عمر بن علي بن أبي بكر المشهور بصاحب القوس والكركاش ابن اليخ علي الأهدل بن عمر بن محمد بن سليمان بن عبيد بن عيسى بن علوي بن محمد بن حمحام بن عوني بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت رسول الله e وأصحابه وذريته وأهل بيته تسلمياً كثيراً .

وعبد الله بن أحمد بن أبي بكر هو الذي تلقب بالأشراف ولهذا اشتهرت ذريته بالمشارفة , وقد تفرقت بهم الألقاب فمنهم : بنو الأعضب وبنو الرويعي وبنو الهنشل وبنو الوبق وبنو المقانع وبنو القحيل وبنو تريع وبنو فشيه وبنو عكراش وبنو حمرا وبنو بطاش وبنو الغيسول وبنو الشامي الساكنون بدير الطبيش ,ومنهم القادري شامي وعشيرته وبنو مكتل وبنو الهادي يسكنون الحظرية وبنو الشقيفي وغيرهم ,ويجمعهم عبد الله الأشرف المذكور وله من الولد واحد اسمه حسن , ولحسن اثنان : عبد الله وعلي , فلعلي : أبو الغيث , ولأبي الغيث ستة : عبد الله وعلي وحسن وأمحمد وإبراهيم وأبكر , فأما عبد الله فله أمحمد , وأما علي فله محمد , ولمحمد : علي , وأما أبو الغيث بن عبد الله فله : إبراهيم الملقب شقيقي , ولإبراهيم ثلاثة : أبو الغيث وعلي وعبد الله , فأما أبو الغيث فله إثنان : حسن وإبراهيم , فلحسن : أبو الغيث ولإبراهيم : أبو الغيث أيضا وأما علي بن إبراهيم فله أربعة : أبو الغيث وأحمد وإبراهيم وعبد الله , فلأبي الغيث أربعة : علي ويحيى وإبراهيم وأحمد , فلعلي : إبراهيم , وأما أحمد بن علي فله اثنان : علي وإبراهيم , فلإبراهيم : أحمد وأما إبراهيم بن علي فله خمسة : علي وعبد الله وأحمد وعلي وأبو الغيث , فلعلي : إبراهيم , وأما عبد الله بن علي فله اثنان : يحيى وأحمد وأما عبد الله بن إبراهيم بن أبي الغيث فهو الملقب قحيل تصغير قحل وباليمن بيت يسمون القحيل يسكنون بجهة بليبلة باسم هؤلاء وهم منهم وقد وصل منهم إلينا محمد بن محمد قحيل وسليمان بن إبراهيم قحيل وأفادا أنهما يسكنان الآن قرية تسمى كحيل , شرقي المنصورية , ولسليمان المذكور ولد اسمه محمد وله من الولد ثلاثة : علي والمكين وأبو الغيث , فلعلي : عبد الله , وللمكين : علي , ولأبي الغيث خمسة : علي وحسن وأمحمد وإبراهيم والمكين , فلعلي : أبكر .

فرع : وأما علي بن حسين بن عبد الله الأشرف فله : عبد الله , ولعبد الله ستة : حسن والمساوى وعلي وإبراهيم وأبو الغيث وأمحمد .

وصل : وأما حسن بن عبد الله فله اثنان : أمحمد وعبد الله , فلعبد الله خمسة : حسن وإبراهيم وعلي وأمحمد ومحمد , فلإبراهيم بن عبد الله : محمد , ولعلي أربعة : أمحمد ومحمد وحسن وعبد الله , ولأمحمد بن عبد الله اثنان : علي وعبد الله , ولمحمد بن عبد الله : محمد .

وصل : وأما المساوى بن عبد الله فله أربعة : عبد الله والأعضب وأمحمد وحسن , فعبد الله : أمحمد , وللأعضب اثنان : محمد وحسن , ولأمحمد وهو الملقب مقانع ستة : المساوى وحسن والأعضب وأبو الغيث وإبراهيم وعبد الله , فللأعضب بن محمد : المساوى ,ولحسن بن أمحمد : علي , ولأبي الغيث بن أمحمد : عبد الله , ولإبراهيم بن أمحمد : محمد .

وصل : وأما علي بن عبد الله فله ثمانية : إبراهيم وعبد الله وحسن ويحيى وأمحمد وأبو الغيث والمساوى وأحمد , فأما إبراهيم بن علي فله من الولد سبعة : عبد الله وأبكر وعلي ويحيى وأمحمد وحسن والمساوى , فلعبد الله بن إبراهيم واحد اسمه أمحمد , ولأبكر بن إبراهيم أربعة : إبراهيم وعبد الله والمساوى ويحيى .

فرع : وأما عبد الله بن علي فله من الولد خمسة :علي وحسن والمساوى إبراهيم ويحيى

فرع : وأما حسن بن علي فله ستة : علي وإبراهيم وأمحمد وعبد الله ومحمد يحيى , فلعلي : يحيى , ولإبراهيم اثنان : حسن وأحمد , ولأمحمد : حسن , لحسن خمسة : محمد وأبو الغيث وأمحمد ويحيى وإبراهيم .

فرع : وأما أمحمد بن علي فله : يحيى , وليحيى : أمحمد

فرع : وأما بلغيث بن علي فله اثنان : علي والأعضب .

فرع : وأما المساوى بن علي فله : علي , ولعلي ثلاثة : حسين والمساوى أمحمد .

فرع : وأما أحمد بن علي فهو الملقب الأعضب فله أحمد .

وصل : وأما إبراهيم بن عبد الله فله خمسة : أمحمد وحسن وعبد الله وعلي محمد .

فرع : وأما محمد وهو الملقب الرويعي فله ستة : إبراهيم وأبو الغيث وعبد الله ويحيى وعلي وحسن , فلإبراهيم اثنان : علي ويحيى , ولأبي الغيث واحد هو أبو الغيث , ولعبد الله : أمحمد , وليحيى اثنان : أمحمد وأحمد .

فرع : وأما حسن بن إبراهيم فله من الولد أربعة : علي وعبد الله وأمحمد وإبراهيم , فلعلي من الولد ستة : إبراهيم وعبد الله ومحمد وحسين وأمحمد ويحيى , لإبراهيم بن علي ولد اسمه إبراهيم , ولعبد الله بن علي ولد اسمه علي , وأما عبد الله بن حسين فله ثلاثة : أمحمد وإبراهيم وعلي , لأمحمد واحد اسمه حسن , وأما إبراهيم بن حسين فله : علي , وأما محمد بن حسن فله : أمحمد .

فرع : وأما عبدالله بن إبراهيم فله من الولد ستة : إبراهيم وحسن وأحمد والمساوى وأمحمد وعلي , فلأبراهيم ستة : عبد اللهوأحمد وأمحمد وحسن وعلي ومساوى , لعبد الله بن إبراهيم اثنان : إبراهيم وعلي , وأما حسن بن عبد الله فله ثلاثة : عبد الله وأمحمد وإبراهيم , وأما أحمد بن عبد الله فله اثنان : إبراهيم وعبد الله , وأما محمد بن عبد الله فله : عبد الله , وأما المساوى بن عبد الله فله اثنان : عبد الله ومحمد .

وصل : وأما أبو الغيث بن عبد الله فله من الولد ثلاثة : أمحمد وعبد الله وإبراهيم .

فرع : وأما أمحمد فله إبراهيم , ولإبراهيم ثلاثة : عبد الله وعلي وأمحمد , لعبد الله إثنان : إبراهيم وأمحمد , لإبراهيم اثنان : أمحمد وإبراهيم , لإبراهيم هذا إبراهيم أيضا .

فرع : وأما علي بن إبراهيم فله اثنان : أمحمد وعبد الله .

فرع : وأما أمحمد بن إبراهيم فله من الولد ستة : عبد الله وحسن وأبو الغيث وإبراهيم وعلي ويحيى .

فرع : وأما عبد الله بن أبي الغيث فله من الولد أربعة : إبراهيم وإبراهيم وإبراهيم وأمحمد , فأما إبراهيم الأول فله أمحمد ولأمحمد اثنان : طاهر ويحيى , وأما إبراهيم الثاني فله : أمحمد , ولأمحمد ثالثة : إبراهيم وأبو الغيث وعلي , وأما إبراهيم الثالث فله ثلاثة : عبد الله وأمحمد وعلي , فلعبد الله : إبراهيم , ولإبراهيم أمحمد ولأمحمد بن إبراهيم ثلاثة : حسن ويحيى وعبد الله , ولعلي بن إبراهيم ثلاثة : أبو الغيث وعبد الله وأمحمد , وأما محمد بن عبد الله بن أبي الغيث فله إبراهيم .

بنو هنشل :

فرع : وأ/ا إبراهيم بن أبني الغيث الملقب هنشل فله من الولد ثلاثة : حسن وأمحمد وعبد الله , لحسن من الولد أربعة : يحيى وأبو الغيث وعبد الله وإبراهيم ليحيى بن حسن من الولد ستة : حسن وإبراهيم ويحيى وعبد الله وعلي وأبو الغيث , لحسن بن يحيى ولد اسمه يحيى , وأما أبو الغيث بن حسن فله من الولد ستة : حسن وعبد الله وأبكر وإبراهيم وأمحمد وعبده , لحسن بن أبي الغيث : أبو الغيث , ولعبد الله بن أبي الغيث : أحمد . وأما عبد الله بن حسن فله من الولد ستة : أبكر وأمحمد ومحمد والقادري وحسن وعمر , لأبكر بن عبد الله ولد واحد اسمه عبد الله , وأما إبراهيم بن حسن فله من الولد أربعة : أبو الغيث وحسن ويحيى وعلي , لأبي الغيث بن إبراهيم ولد واحد اسمه إبراهيم .

فرع : ولأمحمد بن إبراهيم من الولد أربعة : أبو الغيث وعبد الله وإبراهيم وعلي , لأبي الغيث بن أمحمد ولد اسمه عبد الله , ولعبد الله بن أمحمد ثلاثة : علي وإبراهيم وحسن , لإبراهيم بن أمحمد ثلاثة : أمحمد وعلي وأبو الغيث .

فرع : ولعبد الله بن إبراهيم من الولد أربعة : محمد وإبراهيم وحسن وأبو الغيث ,لمحمد بن عبد الله ثلاثة : عبد الله وعلي وإبراهيم .

وصل : وأما أمحمد بن عبد الله بن علي فله : أبو الغيث , لأبي الغيث : إبراهيم ولإبراهيم : علي الملقب وبق , لعلي من الولد أربعة : إبراهيم ويحيى أبو الغيث وأحمد , لإبراهيم : علي , وليحيى بن علي أربعة : أبو الغيث وإبراهيم وأحمد وعلي , ولأبي الغيث ولد واحد اسمه إبراهيم .

وهذا آخر ما تيسر ذكره من ذرية المشارفة الموجودين بجهتنا , وقد لحقت سلسلة نسبهم التي حققها السيد العلامة النسابة عبد الله بن عبد الباري الأهدل المار ذكرها , كل من تفرع منها , بقدر الطاقة والإمكان , وهم متفرقون منتشرون في الجهة ,ومنهم جماعة من اليمن لا أتحقق أحوالهم لبعد المسافة , وأكثرهم بل كلهم أميون عاميون لكن الغالب عليهم الصلاح وسلامة الصدر والتواضع , محترمون عند القبائل لا يعترض لهم بسوء لهذا لا تجد أحداً منهم يحمل السلاح إلا نادراً , لطلب المراعي وبعضهم يعاني الزراعة , زاد الله في أهل بيت نبيه كثرة آمين .

وقد انتهى هنا ذكر من تيسر الله ذكره من ذرية الشيخ عمر بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل من أهل جهتنا لا على وجه الاستقصاء بل بقدر ما وصلت إليه طاقتي من معرفتي واعترافي بالتقصير والقصور , الميسور لا يسقط بالمعسور , والحمد الله على كل حال وأسأله التوفيق في الحال والمال .

أبي بكر بن علي الأصم الأهدل :

رجع وانعطاف : وأما والده علي بن أبي بكر فقد ذكر له في " الأحساب العلية " من الولد ثلاثة : أبو بكر الأصم ومحمد وعمر , أما عمر فقد سبق مترجماً منتظماً في عقد سلسلة نسب ساداتنا أهل المنيرة مع من تيسر ذكره من ذريته .

وصل : وأما أبو بكر وشهر بالأصم لصمم كان به , وقد ترجمه السيد العلامة البدر الأهدل في " تحفة الزمن " وتبعه السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل في " الاحساب العلية " و " نفحة المندل " وتبعهما السيد العلامة محمد بن الطاهر البحر في " تحفة الدهر " وعبارة " النفحة " ملخصة من موضعين منها : وكان الأصم من كبار الصالحين يسكن القحرية له زاوية محترمة وفتوح كثيرة من نذور وغيره وله كرامات خارقة العادة , وكان أميا فيه صدق وإخلاص وكان إذا غضب على أحد يأخذه مثل السنة فإذا عوقب خصمه أفاق , قال الشيخ علي القرشي لأن المعنى بتلك السنة رفع الحرج عن الشيخ قلت كذا حكاه في الأصل وسكت عليه وفيه نظر فليتأمل قال : ولم يعقب إلا بنتاً واحدة وكانت صالحة اسمها مريم أعرفها , في آخر عمرها ولا عقب لها أيضاً وقبره بالخبت الأسفل مشهور يزار ويستسقى به , قلت وقد صار مكانه قرية تعرف بالتربة بضم المثناة الفوقية وإسكان الراء , وكثيراً ما تضاف إليه فيقال تربة أبكر بن علي نفع الله به انتهت عبارة " النفحة "قلت : قد زرت قبره مرات عديدة عند وصولي إلى بندر الحديدة برقة السيد العلامة منصب المنيرة حالا محمد بن يحيى الأهدل حرس الله مقامه ورأيت قبر أخيه عمر بن علي المار ذكره إلى جانبه من جهة الشرق , وبين قبريهما قبر بنته مريم المذكورة نفع الله بهم وموضع قريته المذكورة إلى الآن يسمى بالتربة ولكن قد انتقل سكانها منها ولم يبقى فيها إلا رجل وامرأة لهما محل يسمى بالمقهاية معدود لنزول المسافرين مقبلين ومدبرين من الجهة الشامية إلى الجهة اليمانية كبندر الحديدة والمراوعة للأستراحة , وأخوه عمر هذا هو والد عبد الله المشهور بالولاية التامة المدفون المنيرة وقد سبق مترجما , نفع الله بهما .

وصل : وأما محمد بن علي بن أبي بكر بن عللي فقد ذكر له في " الأحساب " نبعه في " تحفة الدهر " من الولد خمسة : عبد الرحمن وأبو القاسم وأحمد وعبد الله أبو بكر وذكر لهم ذرية كثيرة , ولنذكر ها هنا من تيسر ذكره من أهل الفضل منهم , قول :

عبد الرحمن بن محمد والد البدر الأهدل :

فرع : وأما عبد الرحمن بن محمد فهو والد البدر الأهدل مؤلف " تحفة الزمن " قد ترجمه ولده في مؤلفه المذكور فقال : كان أبي صالحاً ورعاً مجانباً لمخالطة الناس , حكى الثقة عنه أنه قال لي : بين القحرية أربعون سنة ما كان لهم محضر من أو عزاء أو غيرهما إلا حضرته , ولا قد أكلت لهم طعاماً ولا قد بعد منهم شيئاً لا اشتريت منهم شيئاً من الدواب ونحوها تورعاً من الحرام , توفي قديماً قبل تسعين بتقديم المثناة وأنا في المكتب .

البدر حسين بن عبد الرحمن الأهدل :

وقد ذكر له في " الأحساب " اثنى عشر ولداً من أجلهم بل هو أجلهم حسين بن عبد الرحمن , وهو صاحب التاريخ السابق ذكره آنفاً وذريته يقال هم بنو حسين نسبة إليه , وقد ترجمه الإمام الشوكاني في " البدر الطالع " فقال : السيد حسين بن عبد الرحمن بن محمد بن علي الحسني العلوي الشافعي المعروف الأهدل ,ولد تقريباً سمو 779 . قرأ على الزيلعي وعلى الأزرق والرضي الطبري محمد الموزعي وابن الرداد والناشري , وبرع في عدة علوم وصنف حاشية على البخاري انتقاها من شرح الكرماني مع زيادات سماها " مصباح القارئ لجامع الباخري و " اللمعة المقنعة في ذكر الفرق المبتدعة " و " الرسائل المرضية في ذكره مذهب الأشعرية وبيان فساد مذهب الحشوية " و " شرح الأسماء الحسنى " مؤلف في " مروق ابن العربي وابن الفارض وأتباعهما " و " تحفة الزمن في تاريخ سادات اليمن " وله مصنفات غير هذه , وهو شيخ عصره بلا مدافع دارت عليه الفتيا ورحل إليه الناس للتدريس واستقر بأبيات حسين واشتهر ذكره وطار صيته ,وما به في صبح يوم الخميس تاسع شهر محرم سنة 855 ودفن بها , وهو من مشاهير علماء اليمن المبرزين في علمي المعقول والمنقول , وقد ترجم نفسه أيضاً في هذا التاريخ ترجمة نفسية بسيطة ذكر فيها مشائخه ومقروءاته ومؤلفاته وأثبتها السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل في مؤلفه " نفحة المندل " برمتها وزاد عليها جملة صالحة ,وسأثبت الزيادة وأحذف الأصل اكتفا بوجودها فيهما وإيثاراً للاختصار , فمن أراد الوقوف على ذلك فليطلبه , وصورة ما زاده صاحب " النفحة " بعد أن ساق كلاماً ما لفظه : وإذا تقرر هذا فمن مشاهير أهل هذا الفرع الأثيل بل الأصل الأصيل وفضلائهم بل علمائهم وأكابرهم السيد الجليل العالم الكبير الفقيه الشهير العلامة البدر الأكمل حسين بن عبد الرحمن بن محمد ابن أبي بكر بن علي الأهدل , وإنما قدمت ترجمته وإن كان فيهم من هو أكبر منه سناً ممن ذكره في تاريخه لتميزه عمن قبله بالعلم الواسع والكمال فيه كما يعلم من تفصيل أحواله مع كون ذلك مشهوراً مذكوراً بحيث لا يحتاج إلىبيان ولا إقامة برهان ,وقد كفي رحمه الله المؤنة في أمره وترجم لنفسه بما تقدم ذكره عن تاريخه بما لا يزيد عليه إلا ذكر وفاته ومع ذلك فلا بأس بايراد نبذة من شرح حاله هنا ليتم بها مقصود هذا الفصل , على أني ما قد رأيت من ترجم له غير نفسه وإن كان لا يخلو الوجود عن ذلك لشهرته وتقدم زمنه , نعم قلت أنا عند ذكره في انتخابي لمجموع الأنساب الأهدلية الذي سميته بالأحساب العلية , المتأخر تأليفه عن الشروع في هذا التأليف وتسريد معظم ما نصه : هو السيد الإمام الحبر الهمام الفقيه الأصولي النظار الذي صار بين علماء الشريعة الأعلام كعلم في رأسه نار , وتصانفيه الكثيرة التي منها " شرح الدعاء المبسوط " و " تحفة الزمن في تاريخ سادات اليمن " إلى غير ذلك شهيرة فيما بين أهل العلم , شاهدة له بجودة التصنيف والتطلع التام ودقة الفهم لولا ما اشتملت عليه من الاعتراض والحط البالغ على مثل الشيخ الجليل محي الدين ابن عربي من أولياء الله تعالى , على أن اعتراض مثله من أكابر الفقهاء كابن المقري ينبغي حمله كما قال بعض المحققين من علمائنا وفقهاء مذهبنا على أن مقصودهم .

كما درج على ذلك مؤلفوا التواريخ والطبقات إذ ملكة الشعر من جملة كمالات النفوس ومن ثم ترى كثيرا ما يقال في حق صاحب الترجمة من جملة ما يوصف به أنه كان ناظماً ناثراً , والقصد أن هذا السيد الكبير القدر قد كان كذلك , نظمنا الله في سلك أمثاله بحق سيدنا محمد وآله آمين آمين . وكانت وفاته رحمه الله تعالى بأبيات حسين سنه خمس وخمسين وثمانمائة .

ظفرت بهذا التاريخ معلقاً على نسخة قديمة من تاريخه السابق , وقبره هناك فيما أخبرت معروف مقصود للزيارة نفع الله به والحمد لله رب العالمين انتهى ما زاده السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل في كتابه " نفحة المندل " من ترجمة السيد العلامة الحسين بن عبد الرحمن الأهدل وقد نقلتها بالحرف والحمد لله رب العالمين .

ومن ذرية صاحب الترجمة حفيده الحسين بن الصديق بن الحسين بن عبد الرحمن , وقد ترجمه في " نفحة المندل " عقب ترجمته لجده مشيراً إلى طرف من ترجمة والده الصديق بن الحسين فقال : وإذا انتهت ترجمة هذا السيد الإمام والعالم الهمام فلنردفها بتراجم من تسلسل عنه وشهر بالفضل علماً وصلاحاً بالمعنى الأخص الذي قدمت التنبيه عليه من ذريته المعروفين ببني حسين نسبة إليه إذ هم أكثر أهل هذا الفرع أعني فرع السيد الأجل أبي بكر بن علي -  فضلاً وعلماً , شهروا وذكروا , ثم نردفهم بمن عرف فضله وتحقق حاله من بقية المذكورين إن شاء الله تعالى لكن يقول أولاً : وكان للسيد حسين المذكور جملة أولاد منهم الصديق ذكر بالفقه المقتضي للمشاركة في العلم بغيره غالباً لمرتبة الصلاح المساوي للاستقامة كذلك وأحمد السيد لم أظفر الآن بوصفه بشيء لعدم نقل أحوال هؤلاء القوم وإن كان غالبهم الفضل والصلاح ,وما كان طريقه النقل فلا مجال للرأي فيه ,وإذا عرفت هذا فلنأخذ في ذكر مشاهير ذرية هذا العلم الكبير كما وعدنا ونترك من لم يشهر وإن كان رفيع القدر في باطن الأمر لما بينا من العذر فتقول

حسين بن الصديق بن حسين بن عبد الرحمن الأهدل :

ومنهم ولد ولده السيد الشيخ الكامل العالم الكبير الولي الشهير الفقيه المحدث الصوفي المحقق العارف بالله تعالى البدر الأجل الأكمل ذو المنهج الأعدل حسين بن الصديق بن حسين بن عبد الرحمن الأهدل , كان رحمه الله ونفع به كما ذكرنا شيخاً كبيراً قريباً مكملا عالماً عاملا ولياً عارفاً فقيها محدثاً صوفياص محققا شهيراً بجميع ما ذكر وغيره من محاسن الأوصاف بلا نزاع في ذلك ولا اختلاف .

وكان مع ما هو عليه في العلم من الكمال صاحب كرامات خارفات وأحوال عوال , وكان مسنداً للحديث مصنفاً مجيداً ناظماً ناثراً كما شهد بذلك آثاره الحميدة ومؤلفاته الجيدة المجيدة التي من جملتها : " ديوان شعره " و " المولد النبوي " الذي أبدع في اختصاره وتهذيبه , وهما مشهوران دائران بين أهل الفضل مأخوذان بالقبول , وأكثر كلامه المنظوم المدون : توسلات وتضرعات هذه لعمة على سبيل الإجمال من ترجمته وقد أطفرني تعالى وله الحمد والمنة بترجمة له كامل كافلة بشرح جل أحواله المباركة على التفصيل بعد أن كنت كثير التشوق إلى ذلك مدة مديدة رغبة في استفادة سيرته ومعرفة بدايته ونهايته وذلكما ترجم له صاحب التاريخ المسمى " النور السافر عن أخبار القرن العاشر " المقدم ذكره في ترجمة السيد حاتم بن أحمد الأهدل , وها أنا اورد كلامه نقلا مما كنت أنتخبته منه لما عثرت عليه عازياً ذلك إليه قال رحمه الله وجزاه خيراً بعد ذكر وفاته إذ بني تأليفه على الوفيات وقوله في حقه الشريف : الفقيه الصوفي الأديب الحافظ المحدث البارع , كان مولده في ربيع الثاني سنة خمسين وثمانمائة بأبيات حسين ونشأ بنواحيها واشتغل بها في الفقه على الفقيهين أبي بكر بن قعيص وأبي القاسم بن عمر مطر وغيرهما وفي النحو على الفقيه إبراهيم بن أبي القاسم جعمان وغيره , ثم دخل زبيد في سنة ثمان وستين فأخذ بها على الفقيه علي بن عمر الفتي وغيره وفي الأدب على الزين الشرجي , ثم حج في سنة اثنين وسبعين وجاور السنة التي تليها وحضر مجالس البرهان المحتوي قاضيها وأذن له هو وغيره في الرواية عنهم ,وزار النبي e وسمع هناك من أبي الفرج المراغي , ثم عاد لبلاده وأخذ عن يحيى العامري يعني صاحب " بهجة المحافل " وغيرها وبحث عليه " المنهاج " ذكره السخاوي في " الضوء اللامع " قال يعني السخاوي ولا زمني في المجاورة الثالثة بمكة فقرأ عليه أشياء من تصانيفي بعد أن كتبها بخطه وكذا سمع من لفظي وعلى أشياء , قال : وهو فاضل بارع في فنون , ناظم مفيد حسن القراءة والضبط , لطيف المعاشرة متودد قائع عفيف , أقرأ الطلبة بناحيته وقرأ الحديث على العامة سيما القول البديع أي الذي هو من تصانيف السخاوي في الصلاة على الشفيع ونحوه ,ومدحني بقصيدة أنشدتها بحضرة الجماعة , وكتبت له إجازة حافلة ,ورأيت النجم بن فهد كتب عنه من نظمه كثيراً وترجمة انتهى كلام شيخه السخاوي , ثم ساق تمام ترجمته وهي طويلة فمن أراد الوقوف على ذلك فليطلبها هنالك , وذكر وفاته في آخرها فقال : وكانت وفاته ليلة الاثنين سلخ ذي القعدة سنة ثلاث وتسعمائة ببندر عدن ودفن به ومشهده هنالك مشهور معمور يزار كثيراً ويتبرك به , رحمة الله تعالى ونفع به وسلفه وخلفه آمين آمين , ثم ترجم لبعض أولاده وذكرهم بسعة العلم والتأليف والاطلاع وكثرة الصلاح والولاية أعاد الله علينا من أسرارهم ونظمنا في سلك المحبين لهم آمين وقد تركت ذكر تراجمهم إيثار للاختصار .

المكين بن عبد الله الأهدل :

ومن متأخريهم السيد العلامة الولي الكبير والقطب الشهير المكين بن عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن القادري بن المكين بن أبي بكر بن حسين بن الصديق بن حسين بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن أبي بكر بن الشيخ الكبير علي الأهدل , وقد ذكر السيد العلامة أبو القاسم بن أبي الغيث الأهدل في " الدرة الخطيرة " طرفاً من ترجمته وترجمة بعض أولاد فقال :" هو السيد الجليل القطب الغوث المكين بن عبد الله الأهدل صاحب بليبلة , له الكرامات الخارقة والإشارات الصادقة ,قصده الناس من كل ناحية وانتفعوا به نفعاً عظيماً وقد شرفنا الله سبحانه وتعالى الاجتماع به ولما وصل بلدتنا المنيرة زائراً سيدي الشيخ القطب عبد الله بن عمر الأهدل وسيدي الشيخ شمس الشموس أبا الغيث بن جميل , عادت بركاتهم علينا آمين ومن كراماته ما أخبرني به الحاج الصالح عبد الله بن أبي القاسم , قال : حصلت فزعة ليلة زيارة سيدي الشيخ أبي الغيث بن جميل بن القبائل وانقسموا قسمين وأضرومت نار الحرب بنيهم واشتد الخطب بالناس وكنت جالساً أغمزه ورجله في حجري , فقلت له : ياسيدي سيهلك هذا الجمع , فعند ذلك قبض نفسه وأنا قابض على رحله فانقبض نفسي حتى كدت أهلك وقبض على تلك الأقوام حتى ما قدر أحد منهم يتحرك حتى طفئت نار الفتنة , ثم بعد ساعة تنفس فركضت الخيل في الميدان وعادت المرافع تضرب كأن لم يكن شيء وسلم الله الزوار ببركته , نفع الله به وقد جمع سيدي الصنو الصوفي عبد الله بن إبراهيم الأهدل كراماته وأحواله الدالة على قطبيته الكبرى في مجلد لطيف , وجمع الفقيه الفاضل الصالح أحمد بن يحيى النجم رحمه الله كراماته وسيرته في جزء , جزاه الله أفضل الجزاء وأكمله آمين وقد انتقل إلى رحمة الله في اليوم السادس من شهر القعدة الحرام عام ثمان بعد المائتين والألف وخلفه ولده السيد الجليل أمين الله على الأسرار بن المكين الأهدل , كان على قدمه المبارك من النفع للمسلمين والسعي بالإصلاح ورزق القبول التام عند الخاص والعام , وقد زرته في محله المبارك من قريته شجينه , لما انتقل إليها بعد وفاة والده , التمست صالح دعواته ووجدت بركة دعواته نفع الله به وقد انتقل إلى رحمة الله في بيت الفقيه عام خمسة وثلاثين بعد المائتين والألف ودفن عند سيدنا الفقيه القطب أحمد بن موسى عجيل داخل القبة ,وخلفه أولاده بارك الله فيهم وسلك بنا وبهم المنهج القويم آمين .

وقد ترجمه أيضا أي سيدي المكين بعض تلاميذه ممن انتفع به كثيراً ترجمة مستقلة واسعة ولم أرعف جامعها سماها " الماء المعين في مناقب السيد الغوث المكين " ورتبها على تسعة مقاصد : الأول ذكر نشأته وأوصافه وأحواله , والثاني في كراماته والثالث فيما حصل له من المخاطبات الإلهية والمباسطات القربية , والرابع في ذكر من شهد له من العارفين بعلو مقامه  وكمال التمكين , الخامس في ذكر نسبه الشريف السادس في ذكر وفاته ومارثي به من الأشعار , السابع في ذكر ما ظهر منه بعد موته من الأحوال , ولم يذكر فيما وجدته من ذكل إلا الأربعة الأول والثلاثة الأخيرة مفقودة وقد لخصت من ذكل شيئاً يسيراً فأقول أنه قال نفع الله به : كان سيدي ومولاي وعمدتي وذخري ووسيلتي إلى الله ورسوله السيد العارف الفرد الجامع الولي القطب الأكمل بلا منازع ظل الله الممدود على العباد  وكهفه الواسع للحاضر منهم والباد ومدده المفيض على ذرات الوجود وسره الساري في عالمي الغيب والشهود وواسطته بالنيابة المحمدية وخليفته على سائر البرية المكين بن عبد الله الأهدل , نفع الله بأسراره وبه عليه دل , نفحة من نفحات الأزل وعيناً من عيون الله عز وجل , وفجراً منيراً في سماء التجريد , وبارزاً أشهب في فضاء التفريد , وطودا راسخاً شامخاً , في الكمال , وبحراً زاخراً بجوهر المقال والمنوال , سهل الأخلاق , وبلغ من مقامات الكمال منتهاها بذكر الله عند رؤيته , ويستدفع الخصوب بدعوته , وتستشفي الأسقام بنظرته , ويستسقى الغمام بوجه الشريف وطلعته , متصفاً بالصفات الإلهية , ومتخلقاً بالأخلاق النبوية , طالما قرب بعواطفه الرحيمة بعيد الذنوب , والآن بمجالسته المفيدة قساوة القلوب , وكان نفع الله به لينا في حماية الأحوال عند النضال , وغيثاً في أنهار الجود عند السؤال هشاشاً بشاشاً متواضعاً يعفو عن الجاني , ويواصل المقاطع , أشتغل بمولاه , وملئ بحبه وهواه , وترك السوء وراء ظهره , وأقبل على محبوبه في سره وجهره وأعرض عن زخرف الدنيا وغرورها ولم يعول على حزنها وسرورها حتى صار كله جوهراً صافياً ومرهما لجميع العلل شافياً , واستوى عنده الذهب والمدر والجوهر والحجر والساعة والشهر واليوم والدهر والقرب والبعد والبهار والمد واليل والنهار والهواجر والأسحار والراحة والعناء والبقاء والفناء والثبوت والمحو والسكر والصحو والقرار والشطح والذم والمدح وأما زهده في الدنيا والأخرة ورغبته في الله , وورعه وتجرده , ورحمته للضعيف واليتيم , وغشفاقه على العدو والحميم ,وتحمله بالوري , وبذله القرى , وعفوه عن الجاني , وذكره الجميل للقاصي والداني , ومعانات المشاق , ومقاساته للاهوال التي لا تطاق , وصبره على البلايا والامتحنات ومسارعته بالالتجاء إلى الله والتوجه إليه في الملممات والمهمات , وفناؤه عن حب الرئاسة , وتسليكه المريد من حيث لا شعر بألطف إرشاد واشرف سياسة , وعدم ملاحظته للكرامات , حرصه على كتمان الأسرار في جميع الحالات , واستغراقه بذكره محبوبه , ومراقبته لبوادي الحقائق من خفايا غيوبه , وتوسعه لواردات الأسرار , وتمكنه عند انطماء الأنوار , وتوزيعه الأوقات وتنزيهه الأقوات فأمر يكبو في ميدانه كل جواد , وتكل الأقلام دون حصر بعضه وينفد المداد , مسلك لا يسلك , وشأو رفيه لا ينال ولا يدرك وكان نفع الله به جليل القدر رحيب الصدر كريم السجايا عظيم المزايا لطيف الشمائل يجيب الداعي بالتلبية ويفيد السائل , صاحب أحوال ومكاشفات وكرامات خوارق يظهر عنه , منها ما يفيضه فيض بحره الدافق , وكان رحمه الله إذا لم يجد بدأ من إظهار شيء من ذلك أبرزه في ستر رقيق ومعنى دقيق فيقول : رأيت منا كذا وكذا وكان فلان على كذا وكذا , هذا إذا كان السامع غير متسع للتصريح سقيماً غير صحيح , وأما إذا كان من الخواص أهل الصدق والإخلاص فإنه يظهر له ما أذن في إظهاره من كراماته وأنواره ظهوراً يدهش العقل ويعجز النقل فيضع عند ذلك رأسه تحت قدمه ويعترف بقصوره ويستظل بظله وينتظم في سلك خدمه وكان رحمه الله ونفع به يحب الخمول ويكره الشهرة , فات على كثير من الناس من حيث هم لا من حيث هو , فبركته عمت الوجود من العرش إلى الفرش , وما عرف بحقه إلا القليل ولا غرو أن أهل الكمال والتصرف بالأحوال لا يصل إليهم إلا من أرادوه ولا يشفى بنظرهم غلا من عادوه , وكان رحمه الله في الأفعال والأقوال وجميع الأحوال مع تمكنه من الحقائق والأسرار والواردات فيض المواهب والأنوار , وكان رحمه الله ونفع به إذا اجتمع به الإخوان في أي مكان لوم يكن معهم سوى ظاهره وأما باطنه فمملوء بالله مستغرق فيه وكان رحمه الله يحب زيارة الأولياء ويقصد فرائحهم ويرحل إليها ويثنى عليها ثناء عظيماً وأكثر تردد إلى عواجه لزيارة الشيخين ومن فيها من الأولياء الأعلام نفع الله بهم آمين آمين .

ومن مكاشفاته ما أخبرني به ابن أخيه السيد السند العارف بالله أحمد بن محمد الأهدل قال : حسلت لي حجة في سنة من السنين وتوجهت إلى الشام فوقع طوفان في البحر وحصل علينا ضيق شديد واطضربت الأمواج وكانت تقبل أمثال الجبال الأغاثة فتوجهت و هتفت بسيدي الوالد المكين ففرج الله عنا وزال الضيق وسكن هياج البحر واستقرت النفوس وحصلت السلامة جزاه الله خيراً ونفه به قال الراوي ثم إني لما رجعت إلى الوطن أخبرني الإخوان أن السيد نفع الله به كان ليلة كذا وهو في تلك الليلة محتمل معك يقول ": يعلم الله الليلة كيف حال أحمد ؟ ويكرر هذه المقالة حتى عرفنا أنه قد كشف له عن حاله وشاهد ما أنت عليه هنالك , قال الراوي : وإذا هي الليلة التي حصل علينا الضيق المتقدم ذكره فيها فأخبرت الإخوان بها اتفق علينا في البحر وحمدنا الله وشكرناه على وجود هذا الغوث المغيث فينا نفع الله به .

ومن كراماته أخبرني به ابن أخيه المذكور أيضاً , قال سافرت مرة أنا وسيد الوالد المكين إلى جهة الجبال ولم يكن معنا مركوب وهو ممتحن في رجله بجراحات , فلم نزل نسير حتى أفضت بنا الطريق إلى صعود جبل شاهق لا يقطعه الصحيح إلا بمشقة , فبقيت متحيراً في أمره كونه يشق عليه المشي في السهل فضلاً عن الجبل , ثم إني صعدت الجبل وتركته مستقيماً مرادي تحصيل من يتحيل لي في طلوعه إما بحمله أو غير ذلك من أهل الجبل ولون بأجره , وجديت في صعودي حتى قربت من رأس الجبل وإذا أنا أرى سيدي الوالد المكين نفع الله به قبلي صاعداً في رأس الجبل , فعظم الأمر عندي حيث لم يكن ثم طريق غير التي صعدت فيها بل إني قاطع أنه لا يستطيع صعود شيء من الجبل انتهى ما ذكر الراوي قلت : ومما احتوت عليه هذه المتفقة ثلاثة كرامات أحدها سبقة من خلفه مع ظاهر عجزه , ثانيها اختفاؤه عن ابن أخيه المذكور في صعوده وليس هناك طريق أخر , ثالثها طي مسافة الجبل وانزواؤها صعوبته له , نفه الله به .

ومن كراماته ما أخبرني به ابن أخيه المذكور أيضاً قال : عام حج سيدي الوالد المكين نفع الله به كنت معه وكان سفرنا مباركاً ووصلنا مكة على أحسن الأحوال , ولم أشعر يوم عرفه ونحن عند الصخرات قبيل العصر إلا وقد أخذت سيدي الوالد المكين نفع الله به غيبوبة عظيمة استغرقته ساعة طويلة , ولما أفاق أخبرني أنه كشف له فيها عن وفاة السيد القطب الأكمل أمحمد بن عبد الباري الأهدل نفع الله به , وسمع قائلاً يقال : يقام هذا مكانه , مشيراً إليه , فقيل له إنه لا يستطيع الصعود والمحل بعيد فقال اسحبوه على عجل , فأتى بعجل من نور وقياطين من ذهب وسحبوه عليه . قال الراوي : فذكرت حينئذ إشارة سابقة من السيد وهو أمحمد بن عبد الباري , وهو أن سيدي الوالد المكين عزم إلى المراوعة وأنا معه لقصد الاجتماع بالسيد أمحمد المذكور نفع الله به يوم عيده من صيام ست شوال والاجتماع بالشيخ أحمد بن حسن الموقري لأنه كان حاضراً هناك , فلما وصلنا محله لم نستطع الدخول من كثرة الزحام وبقي جماعة من الحاضرين يقولون له : لو ترجع أحسن , لما يرون من ظاهرة عجزه عن المزاحمة فسمعت السيد أمحمد بن عبد الباري من داخل حضرته يقول : إسحبوه , فدخل سيدي الوالد المكين  نفع الله به وحصل الاجتماع بالسيد والشيخ . قال الراوي: ولما حصلت هذه المتفقة في مكة عرفت أن قول السيد : اسحبوه , إشارة بهذا الأمر إلى ما في الغيب , نفع الله بأسرار الجميع .

ومن كراماته ما أخبرني به سيدي الخال الصالح عبد الرزاق بن عبد الله عجيل قال : أخبرنا السيد العارف بالله عبد الله بن إبراهيم الأهدل قال : قال لي سيدي الوالد المكين نفع الله به في حياته : خرجت يوما وأنا في بيت الفقيه في قرية العجالية متنزها وكان ذلك يوم جمعة نهار ليلة زيارة الشيخ أحمد بن موسى عجيل المعتادة وجلست في بقعة هناك وإذا بالشمس قد دنت وقبلت ركبتي . اهـ. قلت دنو الشمس وتقبيلها المذكور ليس على الله بعزيز بل قدرته صالحة لأعظم من هذا ومقام السيد يقتضي فوق ذلك وقد قرر العارفون للأولياء ما عقل العقول وحير الأفكار ويرحم الله القائل :

وإذا لم تر الهلال فسلّم

 

 

لأناس رأوه بالأبصار

 

وأما من شهد له من الرجال العارفين بعلو المقام وكمال التمكين فقد أخبرني سيدي الخال الصالح عبد الرزاق عجيل قال : أخبرني من أثق به أن والد شيدي الشيخ المكين لما كبر سنة كان يقول لأولاده وقد أعول البعض منهم : زوجوني زوجوني ففي صلبي المكين أنا القطب وهو قطب الأقطاب , ولم يزل مكثرا عليهم في ذلك حتى زوجوه ووهب الله له على الكبر المكين , وتوفي بعد ولادته بمدة يسيرة رحمهما الله تعالى رحمة الأبرار ونفعنا بهما والمسلمين في هذه الدار ودار القرار آمين . والحاصل أن السيد نفع الله به- لا تحصى مواهبه ولا تنفد عجائبه , هو البحر حدث عنه ولا حرج , والله أعلم. قلت وهذا آخر ما أردت تلخيصه من ترجمته وقد ذكر له فيها كرامات كثيرة وإشارات خطيرة ومخاطبات إلهية ومباسطات قريبة وأحوالاً ذوقية تركتها اختصارا واكتفاء بهذا الأنموذج الذي ذكرته فهو يدل على ذلك ويشير إلى ما هنالك , نفعنا الله بهم ونظمنا في سلك من وقف لحبهم آمين .

بنو الصويلح :

ومن ذرية الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن علي بن أبي بكر النبال السادة بنو الصويلح تصغير صالح وقد وجدت شجرة نمسبهم بخط السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل ناقلا لذلك عن خط السيد العلامة عبد الله بن عبد الباري الأهدل , وصورة ما وجدته :

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين , وبعد فأقول وأنا الفقير إلى الله عز وجل محمد بن يحيى الأهدل وقفت على نسب قديم في رقم متهدم الطراف للسادة بني الصويلح بالتصغير , فأحببت أن أنقله وألحق المتأخرين بالسابقين بكلام من أثق به من كبارهم , فأقول وبالله التوفيق هذا صورة ما وجدته في الرقم المذكور : بسم الله الرحمن الرحيم , وبعد فهذا نسب السيد أحمد صويلح فهو أحمد بن حسن بن المطري بن عمر بن أبكر بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن أبي بكر النبال بن الشيخ الكبير الولي الشهير على الأهدل بن عمر بن محمكد بن سليمان بن عبيد بن عيسى بن علوي بن محد بن حمحام بن عون بن موسىالكاظم بن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله علهي وسلم وآله وسلم رضي الله عنهم أجمعين,. وهذا المسلسل له أربعة أولاد: المطري له : أم وعبد الله وعلي وحسن أشقاء موجودون إلى سنة 1160 هم وأولادهم أحمد . اهـ. انتهى ما وجدته , وهذا إلحاق من وجدته من بني الصويلح ينتسب إلى عبد الله بن أحمد المسلسل له , ليوسف بن يوسف هذا ولدان وهم الآن يسكنون قرية سمهر من جهة لعسان , ويوسف هذا له ولد اسمه : عبد الله بن يوسف وهو الآن يسكن بجهة لعسان شرقي قرية باجل , والله أعلم . انتهى ما وجدته بخط السادة المذكورين نفعنا الله بهم آمين . ويقال إن منهم بني مجاهد وبني الزلم وبني المشهور الساكنين بقرية دغيج من بلاد صليل .

أبكر بن علي الهبة :

وصل : ومن ذرية الشيخ محمد بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل : السيد الجليل الولي الكامل أبو بكر بن علي الهبة المعروف مشهده المبارك ببندر الحديدة وقد جرى على ألسنة الناس تلقيبه بالسلطان , ولم أقف على سبب التلقيب بذلك بعد البحث ولعله بسبب أنه في الأولياء بمنزلة السلطان كما يقال للشيخ أحمد بن عمر الزيلعي صاحب اللحية سلطان العارفين . وقد ترجمه صاحب (( نفحة المندل)) فقال : ومن ذريته الشيخ علي بن أبي بكر بن علي أيضا السيد الصالح أبو بكر بن علي الهبة والعوام يقول أبكر هبة صاحب المشهد المعروف بالحديدة المقصود للزيارة داخل القرية , كان فيما يذكر من خواص عبد الله الصالحين ذا كرامات وأحوال عجيبة وذلك من المشهور وعلى ألسنة بعض الكبار شيء كثير من أحواله نفع الله به , ووالده علي الهبة بن يحيى بن علي بن أبي بكر بن علي الأهدل , نفع الله بالجميع آمين , هكذا نقلت نسبه من مجموع أنساب هذه الطائفة الأهدلية , ومما يحكى أنه كان كثير الحج على قدر الفقر والتجريد مع قافلة الحجيج في البر , وأظن فيما حكى لي أنه كان كلما حج= يكرر الزيارة أيضا , وأخبرني بعض أكابر الأهل أنه كان للسيد أبكر على هبه هذا أخ أو ابن أخ- الشك مني اسمه يحيى خلفه في المكان وكان من عباد الله الصالحين المتوكلين صاحب فتوح كثيرة ينفقها حال حصولها إنفاقا موقن بالخلف وأنه قيل له ممن قصد عدله في ذ1لك : من سهل عليه الدخل هان عليه الخرج, فقال : بل الأمر بالعكس أو نحو هذا ولا يخفى المعنى على ذي فهم وحاصله : أن من هان عليه الخروج كان سببا لسهولة الدخل أي وهو الإخلاف الموعود به في الآية الكريمة : {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} وفي الحديث (( من أيقن بالخلف جاد

 بالعطية )) . جعل الله لنا نصيبا من ذلك وسلك بنا وبسائر أحبابنا أحسن المسالكبفضله وكرمه إنه الجواد الكريم الرؤوف الرحيم . اهـ. قلت ومن ذرية علي الهبة هذا جماعة يسكنون الحدية عرفت منهم السيد الصالح باري بن محمد هبة كان رحمه الله رجلا صالحا شجاعاً قوي الجنان كريما جوادا وكان يحترف في التمر , وله ولد موجود الآن اسمه محمد صالح مقبل على شأنه ملازم حرفة أبيه , وسياق نسبهم هكذا : بازي بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن علي بن يحيى بن علي بن عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن بن عمر بن أبي بكر بن  محمد بن علي بن أبي بكر بن الشيخ علي الأهدل .

بنو الدرسي :

فرع : ومن ذرية الشيخ محمد بن علي المذكور : السادة بنو الدرسي الساكنون بجهة أبيات حسين من بلاد صليل كما حقق بذلك السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل وهم جماعة أميون عاميون لكنهم صالحون مواظبون على الصلوات وإطعام الطعام , فمنهم السيد الصالح عمر درسي بن أحمد بن عبد الله بن أبكر بن أمحمد بن عبد الله , وأخوه يوسف بن أحمد. ومنهم أحمد بن أبكر بن عبد الله بن أمحمد بن أبكر , وابن أخيه أمحمد بن عبد الله بن أبكر بن عبد الله بن أمحمد بن أبكر . ومنهم أحمد بن قاسم بن أبكر بن أمحمد بن أبكر , ومنهم عبد الله وأحمد ابنا أبكر بن عبد الله بن أمحمد بن عبد الله بن أمحمد بن أبكر , ومنهم قاسم بن عبد الله بن أبكر بن أمحمد بن عبد الله بن أبكر بن أمحمد . هذا ما وقفت عليه من الموجودين منهم الآن ولم أقف وقت رقم هذا على تمام نسبهم فعسى الله أن يمنّ به لأثبته هنا .

بنو قريش :

فرع : ومن ذرية الشيخ محمد بن علي أيضا السادة الملقبون بني قريش بالقاف تصغير قريش , الساكنون بالسقايا والنبقة ودير المهدلي شرقي الخضرية وغربي جبل دهنة وسياق شجرة نسبهم هكذا : محمد بن الشريف بن سلمان صغير بن سلمان بن المطري الملقب طيير تصغي طير بن حسن بن أحمد بن سليمان بن المعروف بن أبي بكر بن عمر بن يحيى بن عبد الله بن عمر بن أبي بكر بن محمد بن علي بن أبي بكر بن الشيخ الكبير على الأهدل وتمام النسب معروف مشهور ولنلحق من وقفنا عليه ممن تعلق بالشجرة من ذريتهم الموجودين الآن فنقول : أما حسن بن أحمد بن سليمان المذكور في أثناء الشجرة فله من الولد اثنان : أمحمد والمطري الملقب طيير , فلأمحمد : علي , ولعلي : علي , وله : الوافي .

فرع : وللمطيري بن حسن من الولد إثنان :  أبكر وسليمان , فأما أبكر فله خمسة: علي وأمحمد وامحمد وسليمان وعبد الله , فلأمحمد الأول ثلاثة : سليمان وأبكر وعبد الله , ولأمحمد الثاني خمسة : المطري وأحمد وعلي والمقبول وقاسم, فللمطري بن أمحمد : راجح , ولأحمد بن أمحمد : إبراهيم , ولقاسم بن أمحمد : أبكر . وأما سليمان بن أبكر فله : محمد .

فرع: وأما سليمان بن المطري طيير فله من الولد خمسة : المكين وقاسم وسليمان صغيري والمطري وأمحمد , فللمكين ثلاثة : يحيى وعلي وعبد الله , ولقاسم إثنان : حسن وأمحمد ولسليمان ثلاثة : الشريف وعلي ومنهدي , للشريف : محمد . ولعلي : سليمان وعبد الله , وللمطري بن سليمان إثنان : الوافي وألأبكر , لأبكر : عبد الله ولأمحمد بن سليمان إثنان : علي والمحفوظ إثنان : أمحمد والمهدي . هذا ما تيسر معرفته من ذريتهم بارك الله فيهم آمين .

بنو المكلمي :

رفع ومن ذرية الشيخ محمد بن علي أيضا السادة بنو المكلمي بفتح الميم الأولى وسكون الكاف وفتح اللام وكسر الميم الثانية آخره ياء نسبة جدهم الذين ينتهي إليه نسبهم كما ذكر ذلك في (( الأحساب العلية )) : أبو الغيث بن أبي القاسم المكلمي بن أبي الغيث بن علي بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أحمد حريبان بن محمد بن علي بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر بن علي بن أحمد حريبان بن محمد بن علي بن أبي بكر بن الشيخ الكبير علي الأهدل , وهم جماعة يسكنون حازة الجرابح والمغلاف ومنهم شخص سكن دير الأحمر من بلاد صليل اسمه أمحمد مكلمي . وممن يسكن حازة الجربحية والمغلاف منهم : حسين بن يحيى , وولده أمحمد بن حسين الملقب خادم , ولده ولده يحيى بن أمحمد حسين , ومحمد بن الحدموش , وعلي مكلمي , وبقي جماعة منهم هناك لم أتحققهم , ومن بني قريش جماعة يسكنون بمحل كائبن غربي جدير المهدلي يسمى محل باشه يشهرون ببني المعروف , ومنهم جماعة يسمون بني المهدي منهم الشريف إبراهيم بن محمد الملقب باشه له من الولد ثلاثة : أحمد ومحخمد وباشه أبناء إبراهيم , ولم يعقب منهم غير باشه , أعقب أربعة : أحمد وعبد الله وأبكر وعلي , فلعلي أربعة : حسن وأحمد وأمحمد وإبراهيم , ولعبد الله: أمحمد , له عبد الله وأحمد وحسن , ولأبكر : أمحمد وعلي , ولأحمد : علي , ولكل من هؤلاء ذرية موجودون يسكنون محل باشة وهم جماعة صالحون على خير من ربهم . ومن بني قريش جماعة يسكنون دير المهدلي , فمنهم : علي وقاسم وإبراهيم أبناء سالم بن علي بان سالم , فلأول ولدان هما : سالم وعبد الله , وللثاني ثلاثة : علي وخضر ومحمد , وللثالث ولد اسمه سالم, ولهم أبناء هم : أمحمد بن عبد الله بن علي بن سالم وحسن وعلي أبناء أحمد بن علي بن سالم , لحسن ولد اسمه حسين , ولعلي ولد اسمه أحمد , ومن بني عمهم : سالم وأمحمد ابنا يحيى , ومنهم يحيى  وأحمد وعلي أبناء عبد الله بن إبراهيم مهدلي , لعلي ولدان : عبد الله وحسن , ولأحمد ولدان : محمد وحسين , ومنهم علي مهدلي بن إبراهيم مهدي له ولد اسمه علي . ومن بني قريش جماعة يسكنون قريتين هما : البشاخية والجديدة ويشهرون ببني المقبع , فمن سكان البشاخية منهم : باشة ابن أحمد بن علي بن أمحمد بن علي بن موسى مقبع , ومن سكان الجديدة : موسى بن أمحمد بن أمحمد مكرر , أولهم له ذرية وعشيرة , ومن القحرية : دير الهجاري انتقل إليه جماعة من الجربحية وهم بنو العقار , منهم قاسم بن إبراهيم عقار وأخوه يحيى بن إبراهيم, والمنتقل جدهما أبو أبيهما عبد الله بن عبيد, لقاسم من الولد ثلاثة : عبيد وسالم ومحمد ولهم ذرية , ومن الخضارية جماعة يسكنون دير المعروف من قرى الخضرية يسمون بني قاسم منهم : أمحمد بخيت راسين وبكيرة بخيت راسين , لأمحمد ولد اسمه : معافا , ولمعافا : أمحمد , ولهم أولاد يسكنون القرية المذكورة , وهنا انتهى ذكر من يسر الله ذكره من ذرية الشيخ علي بن أبي بكر بن علي الأهدل من أهل الجهة والحمد لله رب العالمين .

الولي الكبير أبو بكر بن علي الأهدل المشهور باصحب القوس والكركاش :

وأما والده : أبو بكر بن علي المشهور بصاحب القوس والكركاش فقد ترجمه البدر الأهدل في (( تحفة الزمن )) والشرجي في (( طبقات الخواص )) وصاحب (( نفحة المندل )) , وعبارة الشرجي في ترجمته : كان الشيخ أبو بكر المذكور من كبار عباد الله الصالحين المتمكنين أرباب الكرامات والولايات والمكاشفات , قام بعد وفاة أبيه قياما مرضيا وطال عمره في طاعة الله تعالى حتى أناف على مائة سنة , ويقال أنه زاد على المائة بخمس عشرة سنة أو نحوها . اهـ.

وقال السيد العلامة أبوبكر بن أبي القاسم الأهدل في (( نفحة المندل )) ما لفظه : قلت وقد شهر الشيخ أبو بكر بن علي, نفع الله به , بصاحب القوس والكركاش , وقد نظم ذلك السيد العارف الأجل حسين بن الصديق الأهدل في بعض قصائده فقال عند ذكره:

يعرب بالنبال , لكل ذي صيال

 

 

والوصف فيه فاش , بالقوس والكركاش

انتهى . قلت : سيأتي في كراماته ما يصرح بسبب التسمية بذلك , ثم قال الشرجي: وكانت له كرامات ظاهرة تتعدد : منها أنه كان معهم في القرية قوم يقال لهم المجادلة بفتح الميم والجيم وبعد الألف ذال مهملة مكسورة ثم لام مفتوحة ثم هاء تأنيث وكانوا هم سكنة القرية من قبل بني الأهدل , فجعلوا يؤذون أولاد الشيخ في المساكن والمزارع والمراعي وغير ذلك , فكان أولاده أولاد أخيه يشكون إليه ذلك فيقول لهم: اصبروا عليهم فإنهم سيفنون عن قريب ولن يبق منهم إلا من يخدمكم , فكان الأمر كذلك .

ومنها أنه حصل بعض السنين جدب عظيم , فاجتمع إليه أهله وأولاده وقالوا له: يا سيدي بم نقابل هذه السنة؟ فقال لهم: سيحصل لبني فلان شيء من المطر يعيشون عليه , ولبني فلان كذا وستحصل غبرة في الوادي ويقع الماء في زهب فلان يعني بعض الرعية ويكسره بنو فلان يعني ناسا من أهله في زهب للهم ويشتكي بهم الرجل , وتأتي لهم الحرابة ثم يقع لهم من ذلك الماء ما يكتفون به , فكان جميع ذلك كما قال , حكى ذلك عنه الفقيه حسين الأهدل في تاريخه , وكذلك حكى أيضا : أن الشيخ أبا بكر وصل إلى قرية في جهة القحرية لحاجة فلازمة أهلها في المطر , قال لفقير له : هل ترى في الجو سحاباً؟ فقال : أرى سحابة بعيدة مثل الترس , فقال له : قف في موضع عال وقل لها أجيبي الشيخ أبا بكر , ففعل الفقر ما قال له , فما زالت تلك السحابة تنتشر وترتفع حتى ملأت الجو وأمطرت مطرا عظيماً بإذن الله تعالى .

ومن كراماته ما حكاه الفقيه محمد بن عمر الدبر وكان من العلماء الصالحين قال : خرجتا مع الفقيه أحمد بن عمر الأهدل إلى قبور أهله يشكو عليهم من الملك الأفضل, وكان قد لزم ولده , فسمعت الشيخ أبا بكر يركب سهما في قوس , من قبره , ثم رمه به في جهة اليمن , قال الفقيه محمد المذكور : وسمعت طنين السهم حين انفصل عن القوس بأذني , فجاء الخبر بعد ذلك بفكاك الولد ولم ينله مكروه , وهذه الكرامة مشهورة متداولة.

ويحكى عن الشيخ أبي بكر نفع الله به أنه مر يوما على بعض الفقهاء وهو يدرس , فقام بعض من كان عند الفقيه إلى الشيخ وسلم عليه وأكرمه , فلما رجع قال له الفقيه : تقوم من بين يدي إلى رجل أمي ! فقال الرجل : في حقه , فقال الفقيه : قم اسأله عن الدين الحنفيفي ما هو ؟ فقام إليه الرجل وسأله فقال له الشيخ: هو المائل عن دين اليهودية والنصرانية إلى دين الإسلام , فلما سمع الفقيه جواب الشيخ قال: والله ما هذا أمي بل هو عالم , ثم اعترف بفضله . وكراماته كثيرة وأحواله شهيرة,. انتهى ما ذكره الشرجي من كراماته وقد اختصرها من تاريخ البدر الأهدل , وذكر البدر الأهدل له كرامات أخر تركتها اختصارا , قال الشرجي : وكانت وفاته سنة سبعمائة رحمه الله تعالى , وأقام بالموضع ابن أخيه الفقيه أبو القاسم بن عمر وكان عمه المذكور قد حكمه ونصبه شيخا وجعل الإشارة إليه بعد , نفع الله بهم وبسلفهم أجمعين آمين .

فرع : وله من الولد خمسة : علي ومحمد وعثمان وأحمد وعبد الرحمن , وقد ذكرهم البدر الأهدل في تحفته , وتبعه السيد أبكر بن أبي القاسم في (( الأحساب )) والسيد البحر في (( تحفة الدهر )) وذكر لهم ذرية منتشرة سأذكر منها من يسر الله ذكره منهم من الموجودين الآن وبعض متقدميهم . فأما علي بن أبي بكر فقد سبق مترجما هو من يسر الله ذكره من ذريته في سلسلة نسب ساداتنا أهل المنيرة .

بنو السماح :

فرع: وأما محمد بن أبي بكر فقد ذكر له في الأحساب ذرية كثيرة, ومنهم بنو السماح بالسين المهملة والميم المشددتين وآخره جاء مهملة وقد حقق ذلك في ((الأحساب العلية )) وهم جماعة يسكنون خبت القحرية بمحل يسمى القلاوة بفتح القاف واللام المخففة وساق نسبهم هكذا : عبد الله باري بن أبي بكر بن أحمد بن عمر بن أبي بكر السماح المشهور بحالب الحصان ساكن قرية المنذر غربي القحرية ابن محمد بن عمر السماح بن محمد بن عمر السماح بن محمد زنقم بن علي بن بكير بن محمد بن عمر بن محمد بن عمر الأعضب بن محمد بن أبي بكر بن الشيخ الكبير علي بن عمر الأهدل نفع الله به آمين . ويقال أن سبب شهرة جدهم المذكور بحالب الحصان أنه وقعت له كرامة لمّا جائه ضيف ولم يكن عنده ما يضيفه به وعنده حصان مربوط فحلبه لبناً خالصاً وأضاف به الضيف فشهر بذلك . ومنهم جماعة يسكنون الزّعلية ومنهم في بندر الحديدة : عبد الله بن عمر السماح كان يتقدم على الجمال التي تدخل إلى الحديدة جميعها بالبضائع ثم لمّا مات خلفه ولده عمر فرج بن عبد الله إلى الآن .

بنو المنشد وبنو حفصة :

ومن ذريته بنو المنشد وبنو حفصة, وهم قوم يسكنون جهة القحرية لا أعرف أحداً منهم, وحفصة أمهم قال البدر الأهدل: كانت امرأة صالحة لها اتصال بالملك الأفضل لأنها ارضعته وقد قدمت به أمه لزيارة الشيخ على الأهدل . اهـ .

المشروع المدفون بالحديدة :

فرع: وأمّا عثمان بن أبي بكر فقد ذكر له في (( الأحساب )) ذرية كثيرة ومنهم السيد الصالح عمر المشروع المشهور مشهده ببندر الحديدة , وقد ترجمه السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم في (( نفحة المندل )) فقال : ومن ذرية عثمان بن أبي بكر بن علي الأهدل : الشيخ الصالح عمر المشروع الأهدل صاحب المشهد المبارك الشهور بقرية الحديدة من أيمنها المعمور المزور , وسمعت من بعض كبار الأهل أنه من أصحاب السيد الأجل حسين ابن الصديق الأهدل الذي أخذوا عنه اليد الصوفية وتربوا به , وهو ابن علي بن يوسف بن عمر بم عثمان المذكور نفع الله به وبسلفه , ولا عقب له كما في مجموع الأنساب والله أعلم .

بنو خضر :

ومن ذريته السادة بنو خضر الساكنون بالخضرية , ودير هزيل ومن أسفل القحرية , وسياق نسبهم كما نقل من خط من نقل على خط السيد العلامة عبد الله بن عبد الباري الأهدل هكذا : أبو الغيث بن الشيذلي بن أبي الغيث بن الشيذلي بن أحمد بن الطاهر بن أمحمد بن الطاهر بن أحمد بن سليمان بن أمحمد بن يوسف بن سليمان بن عثمان بن خضر بن عبد الله بن أبكر بن أحمد بن عثمان بن أبي بكر النبال ابن الشيخ علي الأهدل , فللشيذلي بن أبي الغيث من الولد خمسة : أبو الغيث ويوسف وعلي وإبراهيم والطاهر, لأبي الغيث إثنان : أبكر وأحمد , وليوسف إثنان : الطاهر وعلي , ولعلي بن الشيذلي إثنان : محمد والوتجيه , ولإبراهيم : محمد . هذا ما وقفت عليه من ذريتهم وقد توفي السيد الشيذلي بن أبي الغيث في عام ستة بعد ثلاثمائة وألف .

بنو الشيبة :

ومن ذريته أيضاً السادة : بنو الشيبة الساكنون بمدينة الزيدية , وقد ذكر ذلك السيد العلامة أبو القاسم بن عبد الرحمن الأهدل في مختصره المسمى بالدرة البهية ولفظه : بنو الشيبة الموجودون هم بنو الشيبا بالمعجمة المشددة وسكون التحتية وآخره موحدة من ذرية أحمد بن عمر بن أبي القاسم الملقب بالشيبا ابن عمر بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عثمان بن أبي بكر بن الشيخ علي الأهدل نفع الله به , أعرف منهم محمداً وقاسماً وأحمد وأبكر أبناء إبراهيم بن أبكر شيبة, لمحمد : محمد وأحمد , ولأبي القاسم: محمد ويحيى وأبكر وأحمد, ولا عقب لأحمد ويحيى , وكلهم موجودون . اهـ. قلت : قد صار لأولادهم الآن ذرية فلمحمد بن محمد أربعة : أحمد وأبو الغيث وقاسم وإبراهيم , لأحمد بن محمد ثلاثة إبراهيم و , ولقاسم بن محمد اثنان , وأما أحمد وأبكر أبناء إبراهيم فلم يعقبا , ولأبكر بن قاسم : أحمد وعمر ومحمد وقاسم ويحيى وحسين , فلأحمد بن أبكر ولد اسمه أبكر , ولقاسم واحد اسمه محمد, ولمحمد بن قاسم ولد واحد اسمه أمحمد , وقد عرفتهم وعرفت آبائهم المذكورين فرأيتهم صالحين مقبلين على شأنهم مع سلامة الصدر والتواضع وحسن الأخلاق وهم يتعاطون البيع والشراء في البز بالباء والزاي المعجمة مضى على ذلك آبائهم وتبعهم عليه أبنائهم عافاهم الله آمين .

بنو مغير :

ومنهم كما أفادني به السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل : بنو مغير الساكنون بالمشعلية , وبنو المحرق الساكنون بالمغلاف وهم غير بني المحرق الآتي ذكرهم الساكنين بحازة الجربحية , وأمحمد علي الملقب مجنه , وأخوه محمد بن علي الساكنون بحازة الجربحية , أعرف من بني مغير إبراهيم وأمحمد وعبد الله وأمحمد أبناء علي وهم جماعة صالحون مقبلون على شؤونهم ومشتغلون بزراعتهم لا يخالطون القبائل في شيء ولهم ذرية وبنو عم, وهم غير بني مغير الساكنين باليمن الآتي ذكرهم إن شاء الله ومن هذا الفرع السادة بنو الصادق منهم جماعة أخيار صالحون مقيمون بالحديدة على خير من ربهم, وقد وجدت صورة نسبهم وهو : محمد بن يحيى بن علي بن إسماعيل بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن أبي القاسم بن عثمان بن أبي بكر بن الشيخ علي الأهدل نفع الله به .

عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي الأهدف جدّ الشراعية :

فرع : وأما عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي الأهدل فهو جد الشراعية , وقد ذكر له في ((الأحساب )) ذرية منتشرة , والشراعية قبيلة كبيرة باليمن من نواحي العبسية وقد ترجم صاحب (( نفحة المندل)) منهم شيخه محمد بن أبي بكر صاحب المقصورة بجامع زبيد فقال: شيخنا وسيدنا الشريف الفقيه العالم الجليل الفاضل الأصيل الكامل جمال الدين بركة المسلمين محمد بن أبي بكر الأهدل صاحب المقصورة , وساق له ترجمة واسعة ذكر فيها قرابته ومشائخه وتحصيله للكتب بخطه , وذكر طرفا منها في مؤلفه ((الأحساب العلية )) فقال: هو شيخنا الفقيه السيد العلامة توطن مدينة زبيد وأخذ في الفقه عن الفقيه موسى بن أحمد الضجعاني والفقيه سعادات العطار وغيرهما وشارك في النحو وغيره وحصل جملة كتب , ودرس بمقصورة من مقاصير الجامع الكبير أختص بها مدة طويلة حتى عرف بصاحب المقصورة وهو من جملة مشائخي الذين أخذت عنهم قراءة وسماعاً وإجازة على ما هو مفصل في غير هذا الموطن , وعلم مما تقرر أنه : محمد بن أبي بكر بن محمد بن عفيف بن الهادي بن أبي بكر حجر بن أبي القاسم بن أحمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن علي الأهدل . اهـ. وقد ذكر وفاته في آخر ترجمته في (( النفحة )) فقال : وتوفي شيخنا المذكور بوطنه في مدينة زبيد بعد أن مرض مدة سحر ليلة الأربعاء لتسع بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاثة وعشرين وألف , وكان قد احتفر قبراً في مقبرة الجبرتي من نحو سنتين أو أكثر , وبلغني أنه صلى فيه ركعتين فقبر به , رحمه الله تعالى وأعاد علينا من بركاته آمين .اهـ.

أحمد بن يحيى شراعي :

قلت : قد عرفت منهم السيد الجليل أحمد بن يحيى شراعي الساكن ببندر الحديدة, وقد كان والده السيد يحيى بن علي متوليا رئاسة البندر من قبل الدولة العثمانية إلى أن توفي في عام مائتين وألف , ثم تولى بعده ابنه المذكور فعظمت منزلته عند الدولة بمفاوز عن والده وارتفعت مرتبته عندهم وساعدته المقادير حتى ترقى إلى الرتب المعروفة عندهم وقارب رتبته الوزارة , وشاع ذكره وبعد صيته حتى كوتب وامتدح بالقصائد من البلاد الشاسعة كحماة الشام ودمشق وغيرهما , وهو ذو عقل رصين ورأي صائب , مجالس للملوك مخالط لهم, وكثرت لديه الدنيا فبنى بيوتاً شامخات في بندر الحديدة واشترى غيرها , وله صدقات كثيرة ومحاسن شهيرة, ومع ذلك هو كثير التواضع حسن الأخلاق سهل الخطاب لين الجانب مكرم لأهل الفضل والشرف ومحسن إليهم , منزل الناس منازلهم , مواظب على أداء الفرائض , وهو وقت هذا عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة وألف موجود ثم توفي ليلة الجمعة من ربيع الأول سنة 1330 على ما هو عليه , عافاه الله آمين .

بنو بيرق:

قلت ومن هذا الفرع السادة بنو بيرق وهم سادة أخيار صالحون يسكنون الحديدة والمنصورية , عرفت منهم السيد الصالح محمد بن مقبول بالحديدة ثم توطن عدن وهو: محمد بن مقبول بن عبد العزيز بن عبد الله بن المقبول بن محسن بن عبد العزيز بن عبد العلم .

وهنا انتهى ذكر من يسر الله ذكره من ذرية سيدي الشيخ الولي الكبير أبي بكر بن سيدنا الشيخ علي بن عمر الأهدل , والحمد لله على كل حال, أسأله التوفيق للصواب في الحال والمآل .

الولي الأكمل على الأهدل :

وصل: وأما والده , أصل هذه العصابة الأهلية الحسينيّة وفرع الدوحة الهاشمية المصطفوية القطب الأكمل والطود الشامخ الأطول الشريف علي بن عمر الأهدل فقد ترجمه كثير من المؤرخين كالسيد العلامة البدر حسين بن عبد الرحمن الأهدل في (( تحفة الزّمن)) والعلامة أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف السرجي في (( طبقات الخواص)) والسيد العلامة محمد بن الطاهر البحر في (( تحفة الدهر)) والسيد العلامة أبي بكر بن أبي القاسم في (( تحفة المندل )) والفقيه العلامة عبد الخالق بن علي المزجاجي في شرحه على قصيدة الناشري التي امتدح بها السيد العلامة محمد عبد الباري الأهدل التي أولها:

                     أخـــرت سبتي عن وصالح للأحـــــد

هذا ما أطلعت عليه في ذلك وقد وقفت على جميعها فرأيت صاحب ((نفحة المندل)) قد أوسع المقال في ذلك فإنه ترجمه ترجمة واسعة واعتذر عن صاحب تحفة الزمن في عدم إطالته في مدح صاحب الترجمة بما تضمنه قوله : فائدة , وإنما لم يطل صاحب الأصل في مدح الشيخ هنا لاستغنائه عن ذلك باشتهار فضله وشرفه سيادته وانتشار ذكره ومعرفة ولايته . اهـ. ثم ساق كاملاً يدل على هذا , وعني صاحب الأصل: البدر الأهدل , وبالأصل : مؤلفه (( تحفة الزمن )) . وقد تتبعت كلام صاحب ((النفحة)) في ترجمة الشيخ فرأيته تتبع ترجمة البدر له جملة جملة فشرحها زاد عليها فوائد نفيسة ونفائس مفيدة جزاه الله خيراً. وفيما ذكر المؤرخون مذكورون وغيرهم في حقه كفاية فمن أراد الوقوف على ذلك فليطلبه من محله, لكن على سبيل التبرك سألخص من ذلك ما يسر الله لعل ذلك يكون سبباً للانتظام في لك من سعد بحبهم وإن لم أكن أهلاً لذلك فأقول : قال الفقيه العلامة العارف عبد الخالق بن علي المزجاجي في شرحه على هذا البيت من القصيدة المذكورة :

هو الذي من أهدل وبأهدل

 

 

هدلت عصون جلاله عن كل حد

 

ما لفظه : وهو الذي من أهدل أي من ذرية الشيخ الكبير الولي الشهير ذي المقامات العلية والأحوال السنية صاحب اكرامات الخارقة والتوجهات الصادقة نبع المعارف الإلهية وسر الدوحة الهاشمية الفاطمية قبلة الأولياء في عصره وحرم اردين في وقته السيد الحسيب النسيب على الأهدل الذي انتشرت بركته في الأقطار ذكره مسيرة الشمس في ضوء النهار وذلك لأنه كان دائم الاستغراق في الله , باقيا به لا يلهيه عن الله شيء , مع المخالطة على آداب الشريعة المطهرة فعمل بما فيه والحث على الاستقامة , وكان له أتباع كثيرون صاروا أولياء يقتدي من جملتهم الولي الكبير الشهير أحمد بن علوان قدس سره, وقد كان الحكمي يجلي يعظمانه ويقفان عند إشارته ويلتمسان بركته ومدده معتنيان به اعتناءً عظيماً. ومن أعظم تلامذته : الولي الكبير المشهور بالكرامات الخارقة والولايات الصادقة أبو الغيث بن جميل , قدس سره فإنه كان تكميله على يده وكان يقول : كنت لؤلؤة عجماء فثقبني الأهدل . وكراماته وخوارق عاداته قد ذكرها العلماء من ذريته والشرجي في طبقاته . اهـ. وقال السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل في (( نفحة المندل )) ما لفظه : هو سيدنا ومولانا وبركتنا الذي به المولى الكريم أولانا الشيخ المربي الولي الصوفي الأكبر , قطب الأقطاب , الفرد الغوث الجامع الثقاب, الشيخ المربي الولي الصوفي الأكبر , قطب الأقطاب , الفرد الغوث الجامع الثقاب , تاج العارفين , موصل المريدين , أشهر شيوخ اليمن وأعلاهم قدراً وأرفعهم ذكراً وأرجحهم وزناً وأمنعهم ركناً الأوحد الأنور شيخ الشيوخ القادة الكبار , صفوة الصفوة من السادة الأخيار السيد الكبير العالم الشهير العارف الرباني الكامل الصمداني سلالة الشرف النبوي الأحمدي العلوي , معدن الأسرار ومنبع الأنواع موصل المريدين وخلاصة المواردين تاج العارفين بالله وعلم القاصدين إلى الله ذو الكرامات الظاهرة والآيات الباهرة والأحوال الشريفة والمقامات المنيفة والمعارف الإلهية والعلوم الدينية والأسرار القدسية والأنوار الجلية والتجليات السنية والواردات الرحمانية والأوصاف الكريمة والنعوت الفخيمة مما هو بين الخاصة والعامة منتشر شائع , وعلى استمرار الزمان في سائر الآفاق مشتهر ذائع , شعر هذا اعتقادي في جدي ومعتمدي وما عليّ إذا ما قلت معتقدي .

يا سعادة عيد كان معتقاً
نفي العقائد تحصيل الأوباد مع

 

 

ما قد وصفت لهذا السيد السند
أزكى العوائد في الدنيا ويوم عد

 

وبالجملة فأوصاف مثل هذا الشيخ الجليل والسيد النبيل رضي الله عنه وعن أمثاله من كبار الأولياء وخواص الأصفياء مما لا يطمع في حصره ولا يحاط بنهاية ذكره , ويكفيك في حق سيدي الشيخ نفع الله به اتفاق الخاص والعام من طوائف أهل الإسلام على أنه ولي الله أكبر , وقطب فرد علم أنور , كما شهد بذلك انتشار ذكره بالولاية العظمى في كافة الأمصار , واشتهار أمره بالمجد الأسمى في عامة الأقطار , وما هو إلا كما قيل في بعض التراجم مما هو عليه صادق ولقدره ملائم .

شيخ قد انتشرت أعلام قدرته

 

 

في الشرق والغرب فاستغنت عن الخبر

واعلم أن الأهدل لقب شريف وتفخيم وتنويه وتكريم , ومعناه كما قال بعض العارفين الأدنى الأقرب , يقال هدل الغصن إذ دنى وقرب ولأن بثمرته . وفي لفظة: لان وقرب من أجل كثرة ثمرته قلت: وفي هذا إيماء إلى ما كان عليه الشيخ رضي الله عنه ونفع به من كمال التواضع لله لعباده الناشئ عن كمال معرفته بالله ودوام مراقبته له سبحانه واستغراقه في شهوده , ولهذا حكي عنه أنه كان إذا سئل عن نسبه انتسب إلى الفقير ويروى أشار إلى الأرض كما سيأتي , وما ذاك إلا كمال ما عنده من المعرفة بربه وعظيم ما يكاشف به من صفات الكمال في حضرة قربه, ولبعض الشعراء مما يناسب هذا المعنى ويزيده وضوحاً وحسناً:

إذا زاد فضل المرء زاد تواضعاً
كذا الغصن في حمل الثمار تناله

 

 

وإن قل فضل المرء زاد ترفعاً
وإن قلّ من حمل الثمار ترفعا

 

وقد كان الشيخ نفع الله ب- مجذوباً وظهرت أمارات الجذبة والوصلة عليه في حال صغره وصباه , وما نشأ إلا مملوءاً بمعرفة الله سبحانه مشغولا به عمّا سواه, وما بلغ مبلغ الرجال إلا كمالا مستعدا بعناية الله للتكميل والاتصال أعاد الله علينا من بركاته آمين . وكان نفع الله به قليل الكلام جداً كما هو شأن كبار العارفين أرباب الوجود المستغرقين في حالة الشهود إذ لا متسع فيهم لسوى مشهودهم , ولا وجودهم عندهم لغير معبودهم نفعنا الله بهم. وهذا كان الحكمى والبجلي يسميانه المفدم أي كان على فمه فداما لقلة كلامه ولا ينطق إلا لفائدة أو مصلحة , صامتا على الصفات المحمودة من صحة العقيدة وتعظيم الله ومحبته والخوف منه مستغرقاً في طاعة الله وذكره, ويقال في سبب تسميته بالمفدم أنه كان في حال صغره لا يتكلم حتى عرضه والده علىبعض الأطباء فقال به مرض يسمى المسبع أو نحو هذا , فنطق الشيخ حينئذ وقال : بل المربّع هو الأول والآخر والظاهر والباطن , وكان هذا أول ما تكلم به وهو مما يدل على أن الشيخ رضي الله عنه ظهرت عليه إمارات الشهود في حال صباه, ولا ريب أن صمت الشيخ نفع الله به  - إنما كان لاستغراقه في شهود مولاه وامتلائه بوجود سبحانه بحيث لم يبق في متسع لما سواه, وهذا معنى التأله المذكور في وصفه , فالمراد به دوام الاشتغال بالله وغيبته فيه وفناؤه به عما عداه ,

واعلم أن الواله في الأصل- من لا شعور له إذ الوله لغة ذهاب العقل , ولما كان حال سيدي الشيخ ليس من هذا القبيل على الحقيقة بل أشبه في الظاهر حال الوالد باستغراقه في شهود المولى جل وعلا , وغيبته عمن سواه في الخلا والملا , قال السيد العلامة الحسين بن الصديق الأهدل في الأبيات الآتي ذكرها في حقه ( كأنه موله) فاستعمل التشبيه الذي لا يلزمه منه حقيقة الممائلة من كل وجه على أن الوله في الله وبالله من أحمد الأوصاف وأمدح الخصال التي يحسن بها الانصاف , وهذه الأبيات المشار إليها:

كان علي الأهدل
والنسك والعبادة و
والذكر والتأله
والصدق والسكينه
قطبا من الأقطاب
وقدره كبير
وذكره مذكور

 

 

شعاره التبتل
الخوف والزهاده
كأنه موله
للأولياء زينه
ومات في الشباب
وفضله شهير
وصيته مشهور

 

وهذه الغيبة الواقعة لسيدي الشيخ قدس الله سره العزيز لا تنقص بحال بل هي حالة تمكين وكمال, وقد كان له حالات يرجع فيها إلى الحسن بحيث يتسع مع شهود الحق لرؤية الخلق . وظاهر أن هذه الحالة مقابلة الأولى وتسمى بالصحو وتلك بالمحو , وللنظر في أي الحالتين أكمل مجال .

وبالجملة فصاحب هذا الشهود غير خارج عن دائرة التمكين والكمال بحال, قال الشيخ الكبير والولي الشهير أبو الغيث بن جميل : ومما شاهدت منه أنه جاءه رجل معه جمل عليه امرأتان فأناخ بباب الشيخ وأقبل إلى الشيخ والمرأتان دخلتا إلى بيت الشيخ فقال الرجل: يا سيدي الشيخ أنا وصلت من موضع كذا أظنه قال من الكدرا أو قريب منها وخرجت ببنت لي معها أمها , وقد خطبت البنت وقد اخترتك لها فأقبلها , فقال الشيخ : قد قبلنا منك , ثم أمر الشيخ إلى مدينة الكدراء من يأخذ لها كسوة وطيبا وجهزوها للشيخ في يومها وعقد بها ودخل عليها بعد العشاء فسلم عليها وأراد الجلوس فقالت له: قف يا سيدي لأنفض الحصير, فوقف الشيخ فنفضت الحصير وانتظرت جلوس الشيخ فلم يجلس , ومنعها الحياء والهيبة من معاودته والشيخ بقي لم يرفع قدميه, قال أبو الغيث : وكنت أنا قد جعلت خدمة الشيخ عبادتي أي بالليل كما قال : كنت بالليل أملا المشعل ماء من البئر وأقوم عنده حتى إذا خرج الشيخ قدمته له وكلما برد ملأته ولا يزال دأبي ذلك كل ليلة وفي تلك الليلة جعلت في المشعل الماء وانتظرته إلى أن طلع الجر فلم يخرج , ولا زال عن موضعه ولا نامت السبية ولا سمعت لهم حسا فولجت عليهم فإذا الشيخ قائم لما خص فقلت : ما بال الشيخ قائماً؟ فقالت الصبية: أراد الجلوس فقلت له قف لأنفض الحصير فوقف إلى الآن , فعلمت أن الشيخ في غيبة حسن فغمزت كتفه وقلت : يا سيدي الصلاة , فقال : بسم الله الصلاة وخرج من فوره ولم يجلس , وتوضأ وصلى الصبح , ووقف حتى صلى الضحى كعادته ثم دخل على أهله فاستراح معهم ثم قال الشيخ أبو الغيث, وخرج الشيخ في بعض الأوقات إلى السحر لقضاء حاجته فانتظرناه حتى كاد يخرج الوقت ثم صلينا وخرجت اقتص أثره فإذا هو قائم قد تعلق به غصن شجرة وكان عليه قميص فخلصت القميص وقلت : يا سيدي الصلاة, فقال : بسم الله , ثم رجع وأدرك الصلاة , وكان نفع الله به أميا لا يكتب ولا يقرأ الخط , لكن رفع الله قدره بالزهد والعبادة والصدق والإخلاص أي مع سبق العناية وإحياء ذكره الكرامات والذرية المباركة والمأثر المشهورة, ولا منافاة بين الأمية والولاية التي هي سر أسرار الله تعالى يختص بها من يشاء من خواص عباده , وقد اتفق ذلك لكثيرين من أولي العنايات فلا بدع أن يتخذ الله من سبقت له من العناية وليا عارفا به سبحانه وتعالى المعرفة الخاصة كونه أميا غير عالم بفروض الكفايات من الأحكام لشرعية , أما معرفة العيني منها مما لا يسع مكلفا جلله لتوقف صحة العبادات مثلا عليه فلا يجوز في حق الجهل به , وقد ورد في الحديث : ( ما اتخذ الله من ولي جاهل)) أي به تعالى وبما لا غنى عنه من أحكام دينيه ولو اتخذه علمه , أخرجه الحافظ من الديبع في التمييز,. ومما قاله البدر الأهدل في بعض قصائده في مدحه ومدح صامت وكل ناطق بالحق ثابت :

هم بين قوال بحق وصامت
فوه بأمي من القوم قد غدا
ذاك على الأهدل الشيخ ينتمي
قد كان تخطوب الولاية قطبها
ومن كان هذا نهجه في تصوف
ومولاه يكفيه الذي قد بنوا به

 

 

كما جبل راس لملحان أو ثلا
على فمه منه فدام فما خلا
إلى دوحة السبط الحسين تأصلا
وكاتمها ما زاغ قولا وافعلا
فأحبب بهذا صامتاً متبسلا
فيا حسبه مولاه كهفا وموئلا

 

وهي طويلة سمّاها بصحبة الساكنين , مشهورة متداولة بين أهل العلم وله عليها شرح سماه (( إرشاد الطالبين )) وقد قال الشيخ محمد بن إبراهيم العرضي أن خرقة غالب مناصب سردد ترجع إلى الشيخ نفع الله به , ويقال أنه كان له نحو خمسمائة مريد نجب منهم نحو سبعين , منهم الشيخ أبو الغيث والهدش .

ومن جملة أحوال الشيخ في بدايته ما روي عنه أنه وقف سنة يأكل ولا يشرب, وسنة يشرب ولا يأكل , وسنة لا يشرب ولا يأكل . وقد روي مثل ذلك عن كثير من أهل هذا الشأن , ومن كلام الشيخ نفع الله به على قلته ما روي عنه أنه قال : أوقفني سيدي أي ربي على الحية المحيطة بالعرش وأشهدني ما في بطنها من عجائب, قال بعض المحققين: الحية ههنا عبارة عن قدرة الله المحيطة بكل شيء فأطلعه الله على أسرار القدرة, وهذه منقبة شريفة ويقال أن الشيخ عيسى بن إقبال الهتار المعروف بداعس الحية اجتمع بسيدي الشيخ نفع الله به ولما اجتمعا تذاكرا في بعض الأحوال فقال سيدي الشيخ علي الأهدف للشيخ عيسى الهتار : ما الذي أطلعت عليه من قدرة الله تعالى؟ أو ما هذا معناه, فأخبره الهتار أنه وصل إلى الحية المحيطة بالكون ودعس أي وضع قدمه عليها أو على رأسها , فقال له الأهدل : لكني دخلت بطنها واطلعت على ما فيه .

ومن كلامه أنه قال : قال لي سيدي أي ربي كما مر آنفا من خالف كلامك احترقته بناري . وكان يقول للفقراء . من يعمل كذا ولا يقول لهم اعملوا كذا أخاف عليهم النار إن خالفوني , وهذا يدل على كمال ما كان فيه الشيخ رضي الله عنه من الشفقة والرحمة على أتباعه ومريديه , وقد جرت عادة الله تعالى بأنه لا يعطي هذا المقام إلا من كان كذلك, وحكى الفقيه أبو بكر عن والده أبي القاسم عن والده الفقيه عمر علي :أعرف من والدي خصلتين في اصغر: إحداهما قلت ليلة لوالدتي : إفتحي لي الباب لأقضي حاجتي, فلم تفتح لي في الحال فقال لي : قم فالباب مفتوح , فقمت فوجدت بابا فخرجت فقالت لي والدتي : يا عمر , فأجبتها من خارج البيت فقالت : من أين خرجت؟ فقال لها الشيخ : افتحي له لو سكتب لدخل من حيث خرج . والثانية : رآني آكل التراب فقال لي : تأكل التراب؟ فقلت : لا والله , فضربني وقال : حلفت بسيدي على الكذب , وهذا يدل على عظيم ما قال عند الشيخ من تعظيم مولاه وشهود جلاله سبحانه الدال على عظيم ما أولاه .

وحكى بعض ذرية الشيخ الكبار أن رجلا من وادي رمع أتى إلى الشيخ مستشفعاً في مظلمة فوصل والشيخ غائب فانتظره فلما وصل الشيخ وجده خارج القرية في خلاصة بني حفصه فرجع الشيخ معه إلى الأمير ابن معد الأشعري فكلمه فيه فلم يقبل منه فنزل الشيخ من عنده فلقيه رجل آخر فرجع به إلى الأمير فلم يقبل ثم نزل فرجع به آيضاً رجل ثالث فقال له الأمير : قد رددتك ثلاث مرات , فقال الشيخ : قضاء حوائجي من سيدي لا منك ولكن تعزل وتوهب أي تجعل في السلة وتدفع سبعين ألف دينار , ثم قال للرعوي : اذهب إلى صاحب الديوان أي الدفتر وحاسب فأنت مغلق , فحاسب فإذا هو مغلق, وعزل الأمير وطلع به الشونة وهو حبس معروف , وجعل والسلة , وبذل أربعين ألفا فلم يقبل منه حتى بلغ سبعين ألفا فقيل منه فدفعها وتخلص .

وحكى بعض أولاد الشيخ أن امرأة من جيران الشيخ غرق ولدها في عقم الكرندي بكسر الكاف وفتح الراء ونون ساكنة ودال مهملة وهو بوادي جاحف , فأتت تبكي والشيخ يصلي المغرب فقال الشيخ قولوا لها تسكت والشيخ يستوهبه من سيده , فلما أصبح الشيخ تقدم إلى الوادي فدخل بعض الفقراء فأخرج الولد ووضع بين يدي الشيخ فوضع لحافه عليه وحرك شفتيه فعطس الولد وقام وذهب معهم يمشي .

قال مرة لرجل من العرب المجادلة وكان وازعاً كبيراً أي صاحب زراعة واسعة أنه يموت هذه الليلة فأمسى أهله منكسرين فقال لهم بعض الصالحين: تصدقوا عنه بشيء من حلاله, فتصدقوا عنه بخمسة عشر ديناراً كانت له على أرحامه والمحتاجين , فأصبه يصلي الصبح مع الشيخ والجماعة ينظرونه فلما أكمل الشيخ الصلاة والذكر قال لبعض الفقراء : اذهب إلى بيته وارفع حصيرة وقل للذي تحته أجب الشيخ فذهب فوجد تحت الحصيرة ثعباناً فقال له : أحب الشيخ , فذهب فجاء به يمشي معه فوضع رأسه على سجادة الشيخ فقال له الشيخ وقد وضع يده على رأسه كنت أجل هذا الرجل في هذه الليلة فتصدق عنه بخمسة عشر ديناراً فمد الله في عمره خمسة عشر سنة ولكن إذهب فهو لك وأنت له , فأكله الثعبان وهو يسقي أرضاً بالوادي بعد خمس عشر سنة.

ومن كراماته ما حكاه الإمام اليافعي في كتابه (( نشر المحاسن)) قال : كان للشيخ علي الأهدل هرّة اسمها لؤلؤة وكان يطعمها من عشائه فضربها خادم الشيخ ليلة فماتت فرماها الخادم في مكان بعيد, فلما فقدها الشيخ سكت ليلتين أو ثلاثا ثم قال له : أين لؤلؤة ؟ فقال ما أدري , قال : ما تدري , ثم ناداها الشيخ : يا لؤلؤة , فجائت إليه تجري كعادتها . أهـ .

وكرامات سيدي الشيخ نفع الله به مما لا يطمع في حصره ولا يمكن استقصاء ذكره, وإذ ذكر صاحب الأصل رحمه الله شيئاً مما نظمه في مدح هذا الجد الكبير والولي الشهير فيحسن أن أتقدي به في ذلك باثبات شيء مما نظمته في مدحه لأنتظم في سلك مادحيه, واغتنم التوسل بتأدية ما في وسعي من الترجمة عن شيء من فضله المعجز لشارحيه, وإن كان المبرزون من الشعراء سلفاً وخلفاً قد مدحوه بما لا مزيد عليه مما هو أهله, متوسلين بذلك أن تعمهم بركته ويشملهم فضله, فمن ذلك قولي في بعض القصائد المصدرة بكذر التألم والاحتراق من ألم الفراق وخوم الاشتياق المضمنة الاستغاثة بأهل البيت النبوي المطهر الزكي العلوي أولي التشريف وأهل طيبة الشريفة والبيت المنيف حيث قال :

غير واو فرو في المراعة التي
فهو الولي القطب والغوث العلي
كنز المعارف والعوارف والتقي
وكذاك جملة من لدوحته انتمي
فهمالملاذ لدي النوائب كلها

 

 

فيها علي الأهدل الفرد العلم
ومعدن الأسرار والبحر الخضم
شيخ الشيوخ الكامل البدر الأتم
من كان حيا منهم أو قد أرم
وهم المعاذ من البلاء إذا هجم

 

 وهي طويلة عدتها خمسة وتسعون بيتاً ونظمتها في سنة أربع عشرة بعد الألف. وقد امتدحه الشيخ الفاضل الأديب الكامل صاحب القصائد الكثيرة إلى غاية الشاهدة مائة من أولي الإجادة البالغة النهاية عبد الرحيم بن أحمد المهاجري البرعي رحمه الله تعالى وجزاه خيراً بهذه القصيدة الفريدة :

هب النسيم فماست منه أشجار
وضاحك البرق أزهار الرياض فمن
فهزني الشوق لا دمعي يكف ولا
وطال عهدي بدار كنت ساكنها
فليت شعري هل الأيام تسعدني
أحن وجدا وتذكارا لهم ويهم
يا خيرة الحي كيف المنجدون وهل
وهل ألمت صبا نجد مودعة
وأين حلوا من الوادي وهل ضربت
يا هائم القلب ثق بالصبر معتصماً
وإن بليت بأحكام الزمان فلا
والعلم بأنك جار الأهدلي وفي
فأنزل بتربته أيما نزلت وسل
أم مشهد الكعبة البيت الحرام وفي
تجاه من شرفت هذي البلاد به
سقى الكثيب كثيب السدر صوب حيا
فقيه سر من الأسرار منتهج
مهذب شرف الله الوجود به
ظل ظليل وغيث يستغيث به
له الحماية في الدنيا ويوم غد
ولو أشار إلى نار السعير خبت
ولو دعا بجماد الأرض معجزة
وكم له من كرامات إذا قرنت
جعلت محاسنة الأيام وامتلأت
وفي المراوعة الغراء شهب هدى
آل النبي وأبناء الوصي فهم
قوم سموا برسول الله مرتبة
سبع المثاني ثناء يمدحون به
وفيهم الفرد يحيى الأريحي له
بدر منير إمام عالم علم
مبارك الوه يرجى فضل نائله
أما وآل على الأهدلي فهم
لا بعت شعرا نفيسا بالخسيس ولو
ولا تعاظمي في مدح منصبهم
بل أطلب الخلد في أدنى محبتهم
فهم ثمالي ومنهم نصرتي وغنا
أولاك إن عاهدوا أوفوا وإن وهبوا
كأنما الكون شخص ميت وهم
ولم يزل جارهم يحمى وسائلهم

 

 

وغردت في بشام السفح أطيار
فض مذهبها نور وأنوار
قلبي إذا رمت منه الصبر صبار
فحال من دونها نجد وأغوار
بوصل قوم نأت بي عنهم الدار
والحب أوله وجد  وتذكار
بالشعب في السمرات الخضر سمار
للضاعنين وسارت أينما ساروا
لهم على العلم الغربي أخدار
فكل شيء له حد ومقدار
تجزع فللدهر إقبال وإدبار
ذمام محترم يحمى به الجبار
اهذه طيبة والخلق زوار
أكنافها الوفد حجاج وعمار
كما بأحمد قدما شرف الغار
غمامة بصنوف الخير مطار
في سمت كل ولي منه أسرار
وإنما ولد المختار مختار
عجم وعرب وبدو ثم حضار
تمحى به عن كثير الخلق أوزار
إذ ذاك وانطفأت من نوره النار
لبّاه ترب وأشجار وأحجار
بالبحر تخجله والبحر تيار
منها جهات كثيرات وأقطار
هم في حظائر قدس الله أزهار
في الأرض والعرض سادات وأخيار
فكل أفعالهم في المجد آثار
ومدح غيرهم سجع وأشعار
فوق الخليقة أخطار وأقدار
سيف من السر ماضي الحد بتار
ومنه تقضي لبانات وأوطار
لحلة الكون تطيز وأنوار
هلكت جوعا فللأشعار أسعار
مال ودار ودينار وقنطار
وما على إذا أحببتهم عار
فقري وقبلة قصدي أينما صاروا
أغنوا وإن يستشاروا نصرة ثاروا
للكون روح وأسماع وأبصار
يعطى وعارضهم بالخير مطار

 

انتهت القصيدة الفريدة الفائقة الرائقة المجيدة وكل من كان ذا تمييز وذوق سليم حكم بأنها جديرة بالتقدم والتقديم, ويحيى المصرح باسمه فيها هو يحيى بن أحمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن علي الأهدل, وقد امتدحه أيضا بهذه القصيدة الفائقة الفقيه العلامة الأديب الفاضل الشاعر المجيد وجيه الدين عبد الرحمن بن إبراهيم العلوي الزبيدي صاحب الديوان المشهور , رحمه الله ,. قال :

بلبل البال هديل البلبل
بعث الأشجار منه غرد
لم يزل ينثر منظوم الهوى
كلما أكمل نوعاً رده
والقمارى فوق بانات النقا
من مغيب القرص حتى أشرقت
ولقلبي أذن أصغت إلي
فوعت من قوله مستغرباً
جمع الضدينم من وجه به
فيه معنى للمعنى معجم
ليس للتعبير فيه مدخل
لا تقل كيف وفي مرموره
صيرت نجداً وهود المنحني
وقضت بالحكم في محلمها
يا لقومي هل عسى من جهبذ
ناد في النادي وأفصح معلناً
الإمام المنتقي من صوفة
شرفت أنسابهم واتصلت
شرف العنصر قد زينته
من تجد منهم تقل سيدهم
ذاك فضل الله قد خص به
وانتهت أسرارهم قاطبة
ذاك تاج العارفين المجتبي
الذي خص بأبهى طلعة
فغدا في الكون مصباح الهدى
أشهر التوحيد في أهل الولا
ليس في مسلكه من عوج
شمس عرفان آضات فهدت
عبقه أكرم به من عبقه
ظهرت آياته وانتشرت
فهو مغناطيس أسرار الملا
نسله المنتخبون الأصفيا
منهم الفاروق بحر زاخر
وأبو بكر هو المخصوص من
صاحب الكركاش والقوى الذي
وأبو القاسم يتلوه لما
خلف يتبع أوفىسلف
لم تزل سلسلة البشر بهم
يا أبا الأشبال يا كنز الرجا
يا أبا الأشبال إني  رجل
يا أبا الأشبال القيت على
يا علي الجود قد جئت إلى
يا علي الجود كم من نازل
يا علي الجود انقذ غارقا
يا ولي الله كمل ناقصا
يا ولي الله أيقظ غافلاً
يا ولي الهل قد صرت لقا
قل قبلناك على ما كان من
وانتعشناك فمن لاذ بنا
واقلناك عتاراً من أتى
وإلى فضلك أشكو سيداً
كلفت روحي به واشتغلت
لم يقابلني بما املته
ومرامي نيل ما قد رمته
وملاك الأمر إني طالب
فأعينوني فقد برح بي
وصلاة الله تغشى من له
أحمد المختار ثم الآل مع

 

 

حين والاه بليل أليل
في فنون من بديع الغزل
بسجوع رائق متصل
لم تمله فترة من ملل
طفقت من شجوه في زجل
جنبات الجو بالفجر الجلي
شجوه إصغاء صب ثمل
عجباً تفضيله كالحمل
ابطل الجمع وعاة النجل
منح الألباب كشف الكلل
وهو للذواق عذب المنهل
نفحة من سانحات الأزل
وغريب الدار خدن المأهل
إن ماضي الحال كالمستقبل
يتولى حل هذا المشكل
ما لهذا الخطب غير الأهدل
فضلهم بين الملا لم يجهل
في علاها بالحسين بن علي
شرف العلم وحسن العمل
نعم سادات الطراز الأول
نسل أسباط النبي المرسل
للهمام الغوث ذي القدر العلي
معدن التحقيق عال المنزل
البستها روحه في الأزل
للشيوخ المرشدين الكمل
أظهر التفريد عند المختلي
ليس في منهجه من ميل
مستكيناً في ركام الظلل
نشرها يبري جميع العلل
في النواحي سهلها والجبل
علها من بعد ري النهل
خير نسل وهو أزكى منسل
يقذف الدر وأنواع الحلى
بينهم في إرثه المنتقل
من تعدى حده لم يهمل
قد حوى من نوره المشتعل
وولي تابع إثر ولي
في انتظام وصلها لم يفضل
قابل القصد بفتح المقفل
كاسف البال فآمن وجل
سرك الحمال كلي فاحمل
سوحك الفياح فانهض يا علي
بكم فاز بحسن النزل
في بحار الذنب جم الزلل
حايراً بين الخطا والخطل
عن زوايا الكون لم يرتحل
في رحال الجود بين الحلل
شين دعواك فاقبل وقل
فاز في الحال بكشف المعضل
غيره من هوله لم يقل
لكم فيه الولا لم يحل
وأتته بقريض رسل
فأجرني من مخيب الأمل
منك عنه يتناهى جدلي
ليس لي عن فضلكم من حول
حادث مالي به من قفل
فله فاقت جميع الملل
جملة الأصحاب ما الذكر تلي

 

هذا آخر ما يسره الله مما قصدت تلخيصه على حسب التبرك من ترجمة سيدنا الشريف الولي الكبير والعلم الشهير الشيخ علي بن عمر الأهدل التي ساقها السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل في مؤلفه (( نفحة المندل )) وقد حذفت منها كثيراً من أحوال الشيخ ومناقبه وكراماته السنية, والمبشرات الصادقة المنامية , والأشعار الرائقة إيثاراً للاختصار , واحتفاء بما قد حققه من ترجمته المؤرخون من العلماء الكبار, ثم قال صاحب نفحة المندل : وتوفي سيدي الشيخ الأهدل نفع الله به تقريبا سنة سبع وستمائة هذا كلام الجندي , وفي بعض التواريخ أنه توفي سنة اثنين أو ثلاثة وستمائة, وقد جزم المؤرخين بأنه مات وهو شاب قال في (( الغربال)) : وتوفي الشيخ علي بأحواف السوداء بأرض سهام قال : ولتربته كرامات وبركات . اهـ.  وما ذكره لم أره لغيره بل المعروف أن وفاة الشيخ قدّس الله روحه كانت بقرية المراوعة ومشهور فيما بين أهلها أن مسكنه منها كان موضع جامعها المعروف , ويقال أن الشق الشرقي من المقدمة هو الموضع الذي غسل فيه الشيخ لما توفي والغربي منه هو محل سكناه وبعضهم يقول كان ذلك رباطه .

وقبر سيدي الشيخ نفع الله به بقرية المراوعة أشهر من نار على علم غير محتاج إلى تعريفه بلسان ولا قلم, يقصد في كل وقت للزيارة والتبرك به والاستشفاء من كل ألم, ويفزع إليه عند كل حادث عرضي وخطب ألم, ولم أر من تعرض من المؤرخين لقبر والده ومرّ في كلام الأصل أنه مات على قدم السياحة ثم رأيت بعض من كتب في التاريخ من أهل تلك الجهة قال : إن قبره بكدف السوداء يعرفه كثير من أهل المراوعة . اهـ. ولعله يشير إلى الموضع المسمى بالمضوني بفتح الميم والواو بينهما ضاد معجمة ساكنة المعروف ببلد العرب الرّماة ميامن وادي سهام , وقد سألت بعض أكابر الأهل عن قبره فأشار إلى ما ذكرته لكن المعروف عند ساكني ذلك المحل أن المقبور به هو جد الشيخ فقد سألت بعضهم: لمن هذا القبر ؟ فقال للشريف محمد بن سليمان , هكذا على سبيل الجزم بذلك, ولعله أثبت, ويحتمل أنهما مقبوران معاً هناك ولكن الجزم السابق بأن والده مات على قدم السياحة يقتضي خلاف ذلك كله والله أعلم , اهـ.

قلت : قد رأيت بخط السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل ناقلاً عن خط السيد العلامة عبد الله بن عبد الباري الأهدل عقبل نقل مشجرة نسب السادة المقاوزة ما لفظه: فيحيى بن إبراهيم وأبوه إلى عمر بن علي دفنوا بالمنيرة الشهيرة من أعمال سردد, وأما الشيخ أبو بكر بن علي الأهدل ووالده فهما مقبوران بالمراوعة الشهيرة من أعمال سهام, وأما والد الشيخ الأهدل عمر بن امحمد فإنه مات في السياحة , وأما محمد بن سليمان وهو الشهير بالعراقي لأنه القادم من العراق إلى اليمن هو وأبناء عمه آل القديمي وأحمد بن عيسى جد آل باعلوي قبره بشعبة السوداء من أعمال بلدة الرماة , وأما عون فإن مقبور بسر من رأى وعلى قبره مشهد عظيم , والكاظم قيل ببغداد وقيل بسر من رأى وقيل بالمدينة والله أعلم . اهـ.

وصل : ولسيدنا الشيخ الكبير على الأهدل ولدات عمر وأبو بكر , فأما أبو بكر فقد سبق مترجما مع من أمكن ذكره, وترجمته من ذريته منتظماً في سلك نسب ساداتنا أهل المنيرة نفع الله بالجميع , وأما عمر فقد ترجمه السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم في (( نفحة المندل )) فقال ما لفظه : أنه الأكبر فمن ثم استحق التقديم هو وأبو حفص عمر بن علي الأهدل , كان كما ذكر الشرجي في ترجمة والده فقيهاً عالماً عارفاً صالحاً وإنما لم يفرده الشرجي بالترجمة إما لأنه نظره بعين الفقهاء وكتابه مخصوص بذوي الأحوال والكرامات من الأولياء أو لأنه لم يتحقق شيئاً من أحواله التي ينتظم بها في سلك من ذكر مع كونه قد وصفه بالمعرفة والصلاح, وفي الوصف بذلك أوفي شهادة له بالكمال وبلغ مبلغ الرجال ولم أر من ذكر تاريخ وفاته رحمه الله تعالى ونفعنا به آمين اهـ. ثم ذكر له من الولد ثلاثة: أحمد وأبو القاسم وعلي وذكر لهم في (( الأحساب )) ذرية كثيرة منتشرة على هذا الترتيب حيث قال : الفرع الأول في أولاد أحمد بن عمر المذكور أولا فله ولدان : عمر وعلي , فلعمر ابن أحمد هذا ولد واحد هو الفقيه الكبير الصالح العالم العامل أحمد بن عمر بن أحمد بن عمر وهو صاحب الأخلاق الحميدة والمكارم العديدة وهو الذي بنى الجامع القديم بالمراوعة المعروف الآن عند أهلها بالمقرئ, وقد سألت عن سبب تسميته بذلك فلم أجد من يخبرني به ولعله كان يقال له مسجد الممقرئ نسبة لمقرئ أقام به أو نحو ذلك ثم حذف المضاف اختصاراً, وفي (( تحفة الزمن )) للبدر حسين الأهدل في ترجمة المذكور أنه بنى مسجدين جامع المحل أي محل الزاوية وآخر بالمراوعة , وبسط في ترجمته بما يحسن مراجعته , والله أعلم . اهـ. قلت : راجعت ترجمته في (( تحفة الزمن )) فرأيته قال : تفقه أحمد بالفقيه أبي بكر بن عشيقة بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وكان فقيها صالحاً يسكن محل الدارية وهو ممن تفقه بعلي ابن الصريدح تلميذ أحمد بن موسى عجيل فكان الفقيه أحمد بن عمر الأهدل فقيهاً فرضياً نحو مشاركاً في علوم أخرى ورعا عابداً ورزق ثروة كبيرة وربما أدرك صنعة الكيمياء وملك أرضا كثيرة في الوادي والضاحي , وكان يفعل لمعروف من دنياه ولا يرد من قصده خائباً, ويرتب جماعة من الدرسة وحصل كتباً كثيرة, وكان مواخياً للفقيه الصالح محمد بن عمر الدبر , وكان قد ارتحل إلى (( بيت حسين )) فقرأ الفرائض على ابن عمران المذكور في أهل بيت حسين , وقد أخذ يد التصوف من عمه الفقيه الصالح المعمر أبي بكر بن أبي القاسم ونصبه شيخاً, وعمل يوم نصبه طعاماً كثيراً واستدعى شيخه المشائخ الصوفية من أهل تلك الناحية وعملوا سماعاً مباركاً وقام الشعراء بمدائحهم ,ثم ذكر قصيدة من ذلك حذفها اختصاراً فقال عقبها : وله كرامات كث3رة منها ما حكاه لنا الفقيه عثمان بن حسين الأهدل : أنه قال يوم دخلت العرب القحرى المراوعة لقيت الفقيه أحمد في الشارع عند منزله فقال : يا فقيه ما قال ابن حمير؟ فألهمني الله قول ابن حمير في أصحاب الفيل :

                     وأنت يا زمرة الأحباش فانقسمي

قال فأشار الفقيه بلحافه وضرب بطرفة قائلاً:

                     وأنت يا زمرة الأخشاب فانقسمي

فانكسر العرب وانهزموا من ساعتهم . توفي في شوال سنة ثلاث وثمانمائة , وله مآثر حسنة كثيرة اهـ. قال في (( الأحساب )) : وللفقيه أحمد هذا أربعة أولاد أكبرهم وأبركهم محمد وهو الذي بنى جامع المراوعة البناء في عصرنا , أي وهو الذي نصلي فيه الجمعة الآن مستمرة من ذلك الزمان وكان قبله عريشا من خوص أسسه الشيخ على الأهدل نفع الله به , قلت : وتوفي في حياة أبيه في آخر عشر المائة الثامنة, ذكره في ((التحفة)), ولمحمد هذا: أحمد , قال في (( تحفة الزمن)) كان خيراً له مكارم وإحسان إلى الأرحام وغيرهم وتوفي سنة سبع وعشرين وثمانمائة اهـ . وللشيخ عبد الرحيم البرعي المشهور في مدحه قصيدتان طويلتان بليغتان على عادته رحمه الله في قصائده الكثيرة المدونة .اهـ. قلت سأتبرك بإيراد إحدى القصيدتين هنا ونصها :

خطرت كغصن البانة المتأود
وغدت تشير إلى السلام بطرفها
فنضرت معسول القنا فوق القنا
فكأن حالته المحاسن صورت
ألأو درة مكنونة معجونة
تلهو العيون بمذهب ومفضض
سلبت ببهجتها العقول وتيمت
لله موقفنا بمنعرج اللوى
جاذبتها طرف العناية فأعرضت
فطفقت أثنى عطفها متغزلا
وطمعت منها بالحديث وقلت هل
ما الماء من طلبي ولكن ربما
فأتت به من حينها وكأنها
فسرقت من حسن الملحية لمحة
إن تقترحني زينت ابنة مالك
فالشعر لي والحسن خالصة لها
قمر الكمال شمال كل مؤمل
قلم تخيره المهيمن للورى
رفعت له الآثار في فلك العلى
شرف أناف إلى مناف خزيمة
وهو بن سر الصالحين وقطبهم
الأهدل الشيخ المبارك جده
والمجد والكرم العريض رداؤه
بدل إذا طارت شرارة بأسه
وفتى يزور الوقد ساحة جوده
لله در أبي الفضائل إنه
لم يهدم الدنيا بحطم خطامها
يا مدع في الفخر نيل مناله
رفعت بنو الحسنين دونك من
كرم يلوح على شمائلهم كما
ومحامد علت المحامد فاغتدت
إن تدع أحمد يبتدرك ملبيا
جمعت بمنصبه الفضائل مثل ما
هو بهجة الدنيا وعصمة أهلها
مولاي جئتك والديار بعيدة
ورجوت منك لبانة أمحو بها
فأمدني بيد تطول بها يدي
واعطف بزاد بعد ذاك مبلغ
لأعود منك بخير ما أملته
وبقيت في كنف الإله وستره
في حين لا الراجي يخيب ولا الأذى

 

 

ورنت بناظره الغزال الأغيد
وبكفها المخضوب خوف الحسد
والليل تحت نقاب شمس الأسعد
من فضة عجنت بماء العسجد
بهدي النفوس وذائبات الأكبد
من حسنها ومنظم ومنضد
مهجا يروح بها الغرام ويغتدي
في الشعب من دون الفريق المنج
عني وقالت ما آراك بمسعدي
بالأبرقين وبالعذيب وثمهد
من شربة يا أهل هذا المورد
مدّت به فتنال من يدها يدي
شمس تمد بكوكب متوقد
قطعت عرى كبدي بغير مهندي
أدبا ومعرفة أعيد وأبتدي
ويد الصنيع لأحمد بن محمد
كنز المرجى كهف كل مشرّد
سيفا على الأداء ليس بمغمد
رتبا بناها في عراض الفرقد
وسما بفاطم الوصي وأحمد
وجمال جملتهم وروضهم الندي
وأبو سامي الفرع سامي المحتد
وشعاره ودثاره في المشهد
طمست محال الزائغ المتمرّد
لورود بحر بالمكارم مزبد
يوري بزند منه ليس بموصل
إلا ليزرع ما سيحصد في غد
أعلمت أنك مدع أم معتد
سبع المثاني والحديث المسند
لاحت مصابيح الدجى للمهتد
سيرا بها أهل المكارم تفتدي
من ليس يعرف لا بغير تشهد
جمعت مفرقة الحروف بأبجد
وغياثها من كل خطب أنكد
وطمعت فيك وأنت غاية مقصدي
فحوى كتاب بالذنوب مسود
وصنيعة يروى بها قلبي الصدى
وبكسوتين لمنشئ ولمنشد
متروياً من جودك المترود
متفيئاً ظل النعيم السرمدي
يخشى ولا باب النوال بموصد

 

والثانية أولها :

أعد الوداع فما أراك تراني
فغدا يفارقك الفريق فتثني

 

 

وأطل بكال لبين أهل البان
متحسراً لتفرق الخلان

 

ومنها :

وإلى الجناب الأهدلي رمت بنا
ونزلن من كتفي سهام بساحة الــ
سيف الهداية أحمد بن محمّد
هو في المراوعة الخصيبة آية

 

 

نجب خلطن السهل بالأحزان
ــقمر المنير سنا سما الأيمان
علم العناية قارئ القرآن
بشرية شهدت به الثقلان

 

وهي طويلة اقتصرت منها على هذا القدر اختصاراً, وهذا الفرع قال في (( نفحة المندل)) قد كثر أهله وانتشروا ويعرفون ببني أحمد وسكنى أكثرهم بالمراوعة , وظهر منهم بعد من ذكر- من اشتهر بالفضل علماً وصلاحاً وغيرهما ولو لم يكن منهم إلا السيد الجليل العارف بالله تعالى أحمد بن حسن الشهير بمكلم الأموات والسيد العالم المحقق حاتم بن أحمد الأهدل لكان كافياً في شرح هذا الفرع ومدح أهله . اهـ.

أحمد بن حسن الأهدل المشهور بمكلم الأموات :

... قلت : قد ذكرهما بعد , فقال في ترجمة الأول منهما : ومنهم السيد الجليل الشيخ الكبير الولي الشهير العارف بالله تعالى أحمد بن حسن بن عمر بن محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن الشيخ علي الأهدل , كان السيد أحمد المذكور أحد مشائخ الطريقة وعلماء الحقيقة صاحب تربة للمريدين وكرامات وإشارات ومكاشفات , ومن المشهور عنه أنه كان يكلم الأموات حتى عرف بذلك وكان لما اشتهر بهذه الخصيصة كثراً ما يسأل عن قبول الصالحين قد خفي أثرها فيكشفها للسائل , وألأطال في ترجمته إلى أن قال : وكانت وفاة السيد أحمد في سنة أربع وأربعين وتسعمائة بتقديم المثناة لعشر بقين من شهر رجب بجبل صعفان بفتح الصاد وسكون العين المهملتين وبالفاء وقبره هناك مشهور مقصود لزيارته والتبرك به . اهـ. وترجمه أيضا السيد العلامة محمد بن الطاهر البحر في (( تحفة الدهر )) فقال : وكان الشيخ الجليل الولي المشهور أحمد بن حسن من مشايخ الطريقة والحقيقة وشهر بمكالمة الأموات كما هو مستفاض على ألسنة العالم وذلك فضل الله يأتيه من يشاء , وتوفي في سنة أربع وأربعين وتسعمائة في أوائل دولة الأروام باليمن ودفن بجبل صعفان من أعمال حراز وقبره به مشهور نفع الله تعالى به , وشهر عنهم أن من زاره من ولده مات وإلى الآن لم يزره أحد من ذريته . اهـ.

حاتم بن أحمد الأهدل :

وأما الثاني وهو السيد العلامة الولي الشهير حاتم بن أحمد الأهدل فقد أطال في ترجمته , ولنقتصر على ما تيسر منها اختصاراً, قال نفع الله به بعد أن ترجم لأخيه أبي القاسم بن أحمد: ومنهم أخوه شقيقه السيد الجليل ذو القدر الحفيل العالم الكبير العلم الشهير الشيخ الكامل الجامع للفضائل العارف بالله تعالى حاتم بن أحمد بن موسى بن أبي القاسم بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن علي الأهدل, كان رحمه الله ونفع به شيخاً كبيراً عالماً محققاً أديباً مفتيا صوفيا عارفاً كاملاً ممكنا شاعراً ناثراً فائقا في شعره ونثره على كافة أهل عصره نساكا كأخيه المقدم ذكره بمدينة زبيد أي ولد بها ثم انتقل بعد تضلعه من فنون العلم آخذاً عن مشائخ وقته إلى بندر المخا بلد الشيخ علي بن عمر القرشي الشاذلي نع الله به , واستوطنها حتى توفي بها على الحال المرضي في التاريخ الآتي . كان آية في علم الحقائق ومعرفة الأسماء كما يدل لذلك رسائل له وأجوبة في كل منهما, مع أنه كان مشاركاً في الفنون العلمية وخصوصاً فن البلاغة بل كان كاملاً فيه علىما شهد به كلامه وينبئ عنه نثره ونظامه. وبالجملة فلقد كان نعمة عظمى من الله على العالم وآية كبرى من آياته بحيث أنه لم يكن له بعصره نظير في مجموع كمالاته, ومن أطلع على شيء من شعره أو نثره تحقق بأنه كان من ذوي التمييز والتحقيق جلالة قدره, وديوان شعره المجموع في حياته مشهور دائر بين أهل الفضل مذكرو وهو مجلد حافل وقفت على نسخة منه صحيحة وعليها خطه فوجدته مشتملاً على قصائد غريبات فائقات وموشحات رائقات, وبعض رسائل منثورات مطرّزات بالنظم الفائق , والنكات الدقائق , مصدرا بخطبة بليغة من إنشائه ووجهها بكثير من مصطلح أهل الحقائق إذ هو من أكابرهم كما عرفت على وجه لطيف ونهج منيف, وأخرى صدر بها الموشحات أجاد فيها أيضا كل الإجادة , وبلغ في ذلك كله مبلغ الحسنى وزيادة, فلله دره ما أبلغه وأعلا ما منحه من ذلك وبلغه . وقد ذكره السيد الفاضل عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروس باعلوي الحسيني في تاريخه المسمى ((النور السافر عن أخبار القرن العاشر)) فقال : سيدنا ومولانا وشيخنا وأستاذنا العارف بغوامش الحقائق, الجامع للطائف أسرار الدقائق , المعرب عن مغيبات الأسرار المغرب بلدينات الأخبار , مظهر الصفات الأزلية , ومهبط الرحمات الأبدية . وكان من آيات الله الكبرى وأعجوبة الزمان الذي بهر الورى بهراً وليس له نظير في أحواله ومقامات ومعارفه وإلقاءاته, وكانت له يد في جميع العلوم لكن غلب عليه التصوف فكان ابن عربي زمانه وقطب أوانه لم ير مثل نفسه باجماع جماعته ولا رأى الراؤون مثله في كماله وبراعته , جمع بين علمي الشريعة والحقيقة, وشرح أحسن الشرح أصول الطريقة, وكانت له أحوال فاخرة وكرامات باهرة ظهرت بركة أنفاسه على خلق كثير من العصاة فتابوا وأنابوا, ووصل به جمع كثير إلى الله عز وجل وصار له أصحاب وأتباع كالنجوم, وبالجملة فقد كان قطب زمانه وسيد أوانه وسر الله بين خلقه, والتطويل بكذر كراماته إطناب في مشهور , وإسهاب في معروف مذكور. وله نظم كثير جمع منه إخوانناً من أصحابه ديواناً كبيراً, وكان يقوله وقت الوارد وبلغني أنه كان إذا ورد عليه يبقى يملي عليهم وهم يكتبون, وهو يجري في ذلك مثل السيل. ثم قال: وما من معنى أشار إليه علماء الطريق وأئمة التحقيق مما يتعلق بالذات المقدسة والصفات المنزهة أو بالحضرة المحمدية والأوصاف النبوية إلا وله فيه القول الأبلغ واللفظ الأفصح الأسوغ, إلى غير ذلك من الأشعار اللطيفة على لسان أهل الطريقة المنيفة, وما ذكرته من أحواله ومقاماته وفضائله وكمالاته  - دون ما تركته بكثير, وأنا معترف في ذلك بالقصور والتقصير , وقد توفي رحمه الله في يوم الأحد عند غروب الشمس سابع عشر المحرم سنة ثلاث عشر بعد الألف ودفن في بيته . انتهى كلامه ثم أطال في ترجمته وساق جملة من شعره وشعر غيره مما رثي به يوم موته , فمن شعره هذان البيتان المشتملان على الجناس البديع :

كنز الحقيقة ي مدارج داره
خذ عن جوازم داره حتى ترى

 

 

كنز الكنوز على مدار جداره
ذات البها على جواز مداره

 

وله أيضا من هذا النمط العزيز الظاهر حسنه لكل ذي تمييز :

وصلتم وصلتم باللحاظ عن الحشا
فحرر يقظ الخال رقي من الحفا

 

 

ونعمتموني والحواسد تحترق
فأصبح ما فوق المنى لي تحت رق

 

وللقاضي العلامة كريم الدين الطماوي مرثياً له ومؤرخاً وفاته:

رزئ الأنام بموت مولا سيد
هو حاتم والفضل حاتم أهله
في جنة الفردوس حل لأجل ذا

 

 

غيث الوجود بعلمه الفيّاض
جافي الجفون بفقده إغماضي
ارخته فوجدته برياض سنة 1013

 

ومن مدائح صاحب الترجمة النبوية المثبتة في ديوانه مما لم يذكره صاحب ((النفحة )) هذه القصيدة الفريدة :

هذا الجمال وهذه آثاره
بدر الكمال قد استهل طلوعه
هذا معشق حظرة القدس الذي
هذا المحيط ونقطة الأدوار من
هذا الرفيع على العوالم قدره
الله أكبر ذا الذي من أجله
الله أكبر ذا الذي من أصله
الله أكبر ذا الذي قد أوجب المـ
الله أكبر ذا الذي نزل الكتاب
الله أكبر ذا الذي بوجوده
لولاه ما ظهر الوجود لشاهد
أصل الوجود مفرع لوجوده
كل لأرواح العوالم روحه
ظل الإله على الأنام وعينه
من نوره خلق الإله العرش
وقف الكربيون دون مقامه
والملك والملكوت والجبروت
هو أول في الكليات وآخر في
سماه عبد الله في الملكوت والجبروت
ومحمداً في الحضرتين وسيداً في
قام النبيئون الكرام نيابة
والأولياء تمسكوا بفروعه
فهو الشفيع وجاهه الجاه الو
نور هدى من قد غدا نحو الردي
ليث حما غيث هما بحر طمى
بالعين جاد وكم شفاها ريقه
من جاء في الشعراء مدح شعاره
والكون شخص في الحقيقة روحه
والخلق ليل أنت نور ظلامه
يا نور هب لي منك نوراً سارياً
وهدى وتوفيقا وعلما نافعاً
حق الوفود كما علمت وأنت
كن لي رفيقا في المواطن كلها
يا خاتما فتح العليم بعينه
يا مبدأ العلم المحيط ومنتهى
يا رحمة الرحمن صل رحما لها
وافيت بابك حاملاً ذنبي فجد
قصرت عن تبعيتي لا عن قلي
فأفض على طبعي اعتدالاً كاملاً
واغسل حظوظ القلب منك بتوبة
وتول نصري واقض كل مآربي
واشكو ذنوبا قد أسرت بحبلها
يا نور بدل سيئات قبائحي
يا خاتم الرسل الكرام أجز لنا
ولوالدي ووالديهم كن لنا
ولأخوتي وأقاربي ومشائخي
ولكل ذي رحم أمرت بوصلها
ولمن أحب ومن أحب
ولكل معتلق بحبل الود منا
والمسلمين والكل عم برحمة
ما شئت شاء الله فاكم لي بما
وملاك ما مولى الحضور لديكم
حيث أتجهت رأيت وجه جمالكم
إن كنت غصنا من غصونك فاسقه
صرح وقل لي أنت منا نسبته
بي قد ربحت وقد ظفرت بكل ما
أزكى الصلاة مع السلام عليك ما
والآل والأصحاب والأتباع ما

 

 

بشرى فقد ظهرت لنا أنواره
فتكمّلت بظهوره أقماره
قد قدست عشاقه أسراره
دارت بأدوار الولا أدواره
وكذا الرفيعة في المعالم داره
ظهر الوجود وقدرت أقداره
ظهر الكمال وأينعت أثماره
ـلك الكبير على الورى إكباره
عليه وهو شعاره ودثاره
ماء الحياة تفجرت أنهاره
كلا ولا طارت به أطواره
معقوده ونظامه ونثاره
والكل في كل عليه مداره
في خلقه حمادة شكاره
والكرسي والأملاك هم أنواره
لما سرى والروح لاح سراره
أسماء الأمر صدره إصداره
الجزئيات وكلها آثاره
أحمد ربه جباره
الدورتين تقدست أدواره
لمقامه فبدت بهم أقماره
فكست غصون وجودهم أزهاره
سيع وربعه رحب الفنا معطاره
بدر الهدى بحر الندى تياره
بر سمى تجلو العمى أنواره
وبه جلت ولها علت اذكاره
ما قد رما شعرت به شعاره
هو أنت أو دار سمى دياره
والأمر فجر من ضياك مناره
في كل اجزائي يذوب نضاره
يحمى به قلبي وتشرق داره
أولى من يجلل بره زواره
من كنت ناصره علت أنصاره
عين الوجود فحدقت أبصاره
الحلم البسيط له أنزوت اشطاره
وعد تقدم عندكم إخباره
بالعفو حتى تمنحي آثاره
لكنه قد رهفت أقداره
حتى تبدل منه نوراً ناره
تجلو صداه وينمحي إصراره
بكم الثنا طواله وقصاره
وبكم يحل عن الأسير إساره
حسنا فعفوك لم تغض ثياره
وأجر فمثلك لا يضيع جاره
ولهم إذا ما الهول طار شراره
ولمن إلى من إليك نظاره
ذو العرش يشمل كلهم استاره
وكل ذي علق صفت أكداره
أو لنا قولوا يقال عثاره
وشمول عفو لا تغيض بحاره
أرجو يا من لا يخيب جواره
في كل حال يثبت استمراره
من كل وجه يسفر استبشاره
ماء الحياة لتستقيم ثماره
وكذا انتساباً لا تحط فخاره
ترجو ومن عاداك بأن خساره
سفرت كل مؤمل اسفاره
وقفت على حسن الختام خياره


 

قال صاحب النفحة : وللسيد حاتم صاحب الترجمة ولد اسمه علي سكن موزع يذكر أنه رجل صالح وبلغني أنه قد صار له ولدان : حاتم وقاسم, بأبيه وعمه زاده الله من فضله , وجعله وأيانا وسائر أحبابنا من خاصته وأهله أمين آمين . اهـ.

الأشراف أهل المراوعة :

ومن هذا الفرع ساداتنا الأشراف أهل المراوعة الذي أشرقت بهم أنوارهم وتقدست أسرارها وأينعت أثمارها وانتفت أشرارها حتى جاوز الجوزاء سناها وفاق النيرين نور أرجائها وفنائها وذلك ببركة من أسس منها البنيان على تقوى من الله ورضوان قطب دائرة العرفان الأكمل ودوحة الفروع الأهدلية الأطول سيدنا الشيخ علي بن عمر الأهدل نفعنا الله به وسلك بنا ببركته طريق المنهج الأعدل, آمين . ولنتبرك بذكر بعض من وجد منهم في هذا الزمان أو تقدم وقته قبل هذا الأوان , فمنهم السيد العلامة العارف بالله عز وجل أمحمد بن عبد الباري بن محمد بن الطاهر بن محمد بن عمر بن عبد القادر بن أحمد بن حسن بن عمر بن محمد بن أحمد بن عمر بن أحمد بن عمر ابن الشيخ علي بن عمر الأهدل, وقد ترجمه السيد العلامة أبو القاسم بن أبي الغيث الأهدل في مؤلفه ((الدرة الخطيرة)) فقال : فممن أدركت زمنه ولم يتفق لي لقاؤه السيد أمحمد بن عبد الباري وقد من الله وله الحمد بأن أطلعت له على ترجمة كاملة في مجموع سيدي الشيخ محسن بن صالح العطاس, قال رضي الله عنه : ومنهم السيد الجليل الفاضل العارف بالله الولي لله الباذل نفسه وماله لله عز الإسلام وقدوة الأنام ورفيع المقام أممد بن عبد الباري بن محمد بن الطاهر الأهدل صاحب المنصب الرفيع العالي الأفضل وخليفة سيدنا ومولانا وملاذنا علي بن عمر الأهدل نفعنا الله بهم. كان رضي الله عنه سيداً جليلاً سخياً وليا حفيا عارفا بالله محبوبا عند الله ومقرّبا عند أولياء الله , منفقاً على العلماء والأولياء والصلحاء نفقة من الجيب أنفق من الغيب, وكان مع الله حسب التجليات الإلهية والأسمائية جلالة وجمالا وخمولا وظهوراً وقبضاً وبسطاً, مأذونا له بالتصرف في خزائن الغيث مع الولاية العامة بلا شك ولا ريب, مظهره مظهر رحماني وتصرفه في الكون بما شاء كيف شاء سليماني , وله العيد الذي ما مثله عيد وهو عيد الستة الأيام المشهور فضلها التي يصومها هو وأمثاله تابعاً لشهر رمضان التي وردت بفضلها الحديث المشهور فإنه يفعل عيداً عظيماً ويجله ويعظمه وينفق فيما المال الكثير وتوقد في الليلة الشموع العظيمة النائلة جميع الجموع, ويأتي إليه من جميع الجهات أكابر السادات والأولياء والعلماء, ومن كل فج عميق , من (( زبيد )) ومن (( بيت الفقيه ابن عجيل )) ومن ((الضحى)) وما إليه , ومن الجبال وسائر البلدان . وما يماثله مشهد شيخنا المذكور إلا بما يذكر في زيارة سيدي أحمد  البدوي بطنطا من أعمال مصر المحروسة فيذكر فيه ما يبهر العقل , وهذا من تجليات الباري على خواص عباده المحبوبين وأوليائه المقربين ليزدادوا شكراً وحمداً وذكرا, وكان شيخ مشائخنا مصطفى البكري في هذا المقام وشيخنا عبد الغني النابلسي كذلك أعطوا التصرف المطلق ولا حجر على أهل العرفان , وهذا في هذه الدنيا وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} , وكان رحمه الله ونفع به متخلقاً بأخلاق الله وأخلاق رسول الله رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين بل بجميع المسلمين بل بالكفار والمنافقين لاسيما المبغضين له والحاسدين, فلم لم يسمع منه ولا عنه كلمة جفاء حتى لذوا الجفاء, بل كان يتلقى جميع ما أتى إليه بالقبول ويدعو للظلمة من الدول خصوصاً الذين يبلغهم منهم وعنهم الأذى, فهذا دأبه ولا ينكر منه لأنه من أهل المعرفة بالله التامة علماً وعملا وذوقاً وتحقيقا وتخلقاً وشيمته وانصافه وسنى أوصافه مأخوذ من قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ},  وكان رحمه الله جبلاً راسياً صبوراً حليماً كريماً سخيا باذلا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر, ولا يعرفه إلا الخواص وذوو الاقتناص لأنه من الملامتيه هدى الله كثيرا وهم لا يعملون وأضل به كثيرا وهم في طغيانهم يعمهون, وأغنى به قوما وأفقر به آخرين لما سلكوا معه من قلة الاحترام والأدب, عرف ذلك من عرف, وأكره من أخذ بالطرف من كل طرف, وسعد من أحبه وأخلص نيته فيه, ومن بحار الجود والكرم والفضل اغترف.

ومن كراماته ما ذكره السيد محسن المذكور قال : ما زرته في شدة وتوسلت به إلى سيدي الشيخ علي الأهدل إلى حصل الفرج القريب وهذا مشاهد نفع الله به وبسلفه أمين. وكان وفاته في شهر القعدة سنة ألف ومائة وخمسة وتسعين رحمه الله آمين. قلت وكان بينه وبين سيدي القطب إبراهيم بن عبد الرحمن الناشري صحبة أكيدة ومودة مفيدة وما كان إلا كروحين في جسد وكانا كثيري المواصل بعضهم لبعض , ولسيدي الفقيه في سيدي أمحمد من المدح بالنظم والنثر ما يدل على علو مقامهما نفع الله بهما آمين .اهـ. قلت : من نظمه الذي امتدحه به القصيدة الفريدة البليغة المشتملة على العلوم والمعارف الآتي نقلها هنا برمتها المسماة ((نظم الدراري في مدح سيدي أمحمد بن عبد الباري)) وقد شرحها الفقيه العارف بالله عز وجل: عبد الخالق بن علي المزجاجي شرحاً سماه ((فتح الباري )) كشف به النقاب عن وجه رموزها وفتح مقفلها وأظهر منها كنوزها وأبان عن مقصود ناظمها في السيد الممدوح بها وذكر السبب وبروزها , فقال ما لفظه : وقد كنت أريد أترجم للسيد والشيخ قبل الشروع في المقصود ولكني رأيت القصيدة وافية في التعريف بحالها فلا تطلب أثر بعد عين ولا تلتفت إلى لجين بعد ثمين, وكان سبب إنشاء هذه القصيدة المهولة بالأسرار والمعارف الغزار أن السيد المذكور استدعى للشيخ المبرور من قرية الغانمية لمهم يوم السبت إلى قرية المراوعة حسب عاداته في مثل ذلك فصادق والشيخ مشغول بعرس لأهل قريته لأنه ليس إلا به يتم السرور , متع الله بحياته , وجد في نفسه لما علم من حاله أنه لا يؤثر أحداً عليه , فأنشد هذه القصيدة الحماسية الدالة على غزارة علمه ووفور فهمه استعذاراً واستعطافاً لخاطره , وذكر فيها من نفائس المعارف ما لا يعرفها إلا من كان في درجته . اهـ. وقد أوضح نفع الله به في هذا المشرح ما للسيد من الفضائل التي منحه الله بها, وسألخص إن شاء الله بعد إثبات القصيدة من الشرح بعض مقاصده وما تفضل به من فوائده مما مدح به السيد , وهذه القصيدة :

أخرت سبتي عن وصالك للأحد
ولبست درعا للتحدي لينا
وكرعت من دن الودود بكاسه
وعمرت للقيا منازل لم تزل
وبها شهدت منازلاتي دائماً
هذا وقد رام العذول تخلفي
فبدا وقد صحبة أذياب الفلا
ووقفت أنظر بأسه بعيونه
وبدت مبادئ البسط في رغبوتها
فأمنت أمن الصيد في حرم الحمى
ورأيت كل الصيدفي حرم الصفا
فشددت أزر محمد بمحمد
وركبت في ظلم الدياجي ضامراً
ورمى النسيم إليّ أنفاس الصبا
عانقت منها الجور حين تنفست
كان الأمين على خزانه عطرها
أعني المسافر في بوادي أنسه
من ألبس المجد المؤثل خلعة
قد إنجلت منها الدياجي بعد أن
فاعرفه فهو كما ترى معروفنا
وأقم صلاتك في محارب قدسه
هذا محمد الأخير وذا الذي
وهو الذي من أهدل وبأهدل
نجعل لعبد الباري البر الذي
من لم يزل فأتى الشهود بربه
هذا ونجل البحر جوهر ذاته
وله وراثة جده ولجده
فانظر براهين المقام وورها
واسمع بأذن للمعالي أنصتت
في صورة ملكية قد ألبست
ودعته من بين الورى في لبسها
يا صبحنا الروي مسلسل ظهره
قف في مواقف عصرها متنزها
أنت الذي أخفى مغارب شمسه
وطوى بساط البسط في ثوب الدجى
سلم على الحضرات إن كنت الذي
وأقام بابا للسلام وكان من
وأرح وجود الكائنات بسجدة
وبها استبانت للمجيد مكانة
وإذا انتهت لك للمعالي نسبة
وصمدت عن صفو الصدا في صاده

 

 

وجعلت حدّى من حد يدك لي أحد
لترى ملاينة الحديد إذ أتحد
وشربت من صافي ودادك ما برد
تهدي النزيل بها إلى طرق الرشد
تسعى بها الآزال في عين الأبد
مع حاسد قام الجدار على حسد
ففررت من ذيب الفلاة إلى الأسد
في مشهد شفيت مقاه من الرمد
برغايب رهبوتها أسد أسد
بل فوق مأمه السليم من الرصد
وعرفت ما للصيد مما قد ورد
حيث الحميد حلا معالم للجدد
وجدت مسرى العين فيمن قد حمد
في نشوة تبرى العليل من الكمد
بلطائف الايجاد من عين المدد
عين المقيم على مصادر من ورد
مسلك الجيوب المستجيب لمن أود
من نوره الكشاف عن وجده الغيد
خفيت بطائنها على أهل الرشد
قبل التعرف عن معارف من قصد
واسجد لديه تجده قبلة من سجد
أسرى القديم إليه أنوار الأبد
هدلت غصون جلاله عن كل حد
جادت به العليا وجاد بما وجد
باق به وإلى جلالته صمد
وهو النفيس ومن نفائسه أمد
جد الجدود وناب عن حزب الصمد
إن كنت سيارا إلى نهج السدد
تتلوا عليك هبوط نور قد صعد
حلل الكمال جلال روح قد نفد
بلباسها رجلاً بمعناه انفرد
عن شمسه الوسطى لتصحيح السند
بمعنعن للعين عال عن سند
عن أن تقر به عيون أولي الرمد
وارى وجود الليل صحة ما وجد
قرن الوعيد لها بصالح ما وعد
عقد السلام لها بتحليل العقد
منها ترائي العبد حضره من عبد
عمر الوجود بها على مر الأبد
حقق حقيقتها وصح المستند
فقل السلام عليك يا عين الصمد

 

هذا آخر القصيدة , وأول ما قصدته من التلخيص وذلك بيان ما كان بينهما من الإلفة والمحبة الشديدة الصادقة فأقول أنه قال : قد كان السيد والناظم في الاتحالد بمكان عظيم كما يحكى فيما بين الحكمي والبجلي قدس الله سرهما , بحيث كان يسري إلى أحدهما ما يحصل على الآخر , فقد حكى لي أن السيد ربما ركب دابته إلى الفقيه ولا يعلم له موجب, وكذا الفقيه ربما وصل إلى السيد على غير ميعاد ولابد أن يكون هناك شيء موجب لا يطلع عليه أحد . وبيان اتحادهما في المعارف وذوقهما يخرجان عما نحن بصدده, وفي الإشارة كفاية والله ولي التوفيق.. وقال في شرح قوله: وشربت من صافي ودادك ما برد, ما لفظه بعد سوق كلام: والمعنى أن وده إياي لا يغيره مغير وغيرته على من عدم الوصول مؤكد ومقرر لما ذكرته لأن هذه تنشأ من كمال المحبة , والبرودة كناية عن كمال الراحة واللذة بحبه إياه , والمعنى أني حطيت من محبتك أكملها وهي المحبة الراسخة التي تكون بعد الشوق والالتهاب وحسنها وذوقها كحسن الصباح وذوقه بعد ظلمة الليل واعتكاره فإنها مأمولة الزوال , فلا أتم ذوقا لماء إلا عند العطش الشديد في أيام الصيف , ولا ألذ من وقت الصباح خصوصاً مع نسيم الصبا, فلا أكمل راحة من لقاء الحب لحبه خصوصا بعد الطلب الشديد. اهـ. وقال عند شرح قوله : فشددت أزر محمد الذي هو أخي وصديقي بمحمد خاتم النبيين , ما لفظه بعد أن ساق كلاماً: أي الحقت مقام محمد وهمته وقوة جده في تحصيل المطالب العلية بمحمد عن كشف وشهود وإطلاع على مقامه العلي وذلك لأنه في أخلاقه الشريفة من التواضع للفقير والغني والوضيع والشريف والبعيد والقريب والبعيد والغريب والحاضر وإكرام الوفود وبذل المعروف لمن عرفه ومنلم يعرفه وإصلاح ذات البين وإغاثة الملهوف والكرم والجود والسخاء والشجاعة والصدق والأمانة وحفظ الحدود والأموال والأنفس إلى غير ذلك من الأخلاق والآداب المحبوبة شرعاً وعقلاً, ثم ساق كلاماً نفيساً حذفته اختصاراً إلى أن قال : ومعنى شد إزاره بالنبي صلى الله عليه وسلم شدة بمتابعته وإيثار سنته على هواه ولا يتوهمن من شد إزاره به إلحاقه بمقامه من كل وجه فإن هذا لا يكون لأحد من الأنبياء والرسل فضلا عن غيرهم من الأولياء , ولهذا أختص بالوسيلة والمقام المحمود والشفاعة وجعل لواء الحمد بيده إلى غير ذلك من الأوصاف التي ساد بها على جميع الخلق , ولكن من رزقه الله سبحانه وتعالى أنموذجاً من أخلاقه وأوصافه الحميدة كان بالمكان العظيم والمكانة العليا من الناس كما عرفت من حال الممدوح , وقد كان نفع الله به من الملامتيه ولم يعرفه إلا بتعريف الناظم وإظهار مقامه وولايته, وكفى شهادته عن كل شاهد فإنه من أهل الولاية الكبرى والصديقة العظمى فلا ينطق إلا عن صدق وكشف وشهود ومعرفة, ونحن إنما نقلده في ذلك وليس عندنا مما ذكره إلا إشارات خفيفة ولمحات لطيفة ولهذا لم يتميز السيد عن العامة في عبادة ولا عادة غير أن ما فيه من التواضع والحلم والتؤدة والأخلاق الطبية والأنفاس الرائقة تدل على أن جوهره باطنه كالشمس ضياء والقمر نوراً هو مجهول عند العامة معروف عند الخاصة, ولقد سمعت بعض السادة العارفين من آل باعلوي في مكة المشرفة يثني على السيد ثناء عظيماً ويذكر من مناقبه كثيراً ويهديك إلى خزائن الأرض النفحة من رائحتها . ومن جميل أخلاق السيد وتخلقه بأخلاقه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان كأن العالم على عنقه يدعو للمؤمنين والمؤمنات ويقرأ الفواتح للسلاطين والأمراء والقضاة والعلماء والأولياء وجميع الصالحين بهمة علية علوية أهدلية , صديقية , نبوية , قال تعالى لنبيه : {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} وقوله في القصيدة : فأعرفه فهو كما ترى معروفنا .. الخ أي فهو أي السيد كما ترى أي مثل ما تبصره من عدم التميز عن الناس في العبادة والعادة معروفنا في الحضرات الرحمانية والتجليات الصمدانية والمقامات الإيمانية والإحسانية والمكاشفات الحقانية والمكالمات القهرانية والمسامرات القرآنية والإشارات الفرقانية . وقوله : قبل التعرف عن معارف من قصد أي : حضرة القرب من الأولياء والصالحين فمعرفتنا بهذا المقام السامي والمكان العالي قبل معرفة كل أحد منالأولياء , فإذا كانت معرفتنا له سابقة قبل معرفة كل أحد فامتثل ما أمرتك به من معرفته بهذا الشأن ولا يحجبك ظاهره عن باطنه فيفوتك خير كثير, ولا ينبئك به من معرفته بهذا الشأن ولا يحجبك ظاهره عن باطنه فيفوتك خير كثير, ولا ينبئك مثل خبير, وقد كان بين الشيخ والسيد من الامتزاج والمودة والمحبة ما يقضي بصحة ما ذكره, ومن كرم السيد ووفائه حفظه الله ومتع بحياته معاملته أولاده بعد وفاته كما كان مع والدهم قدّس الله روحه , قم قال في شرح قوله : وهو الذي من أهدل الخ بعد أن ساق طرفاً من ترجمة الشيخ الكبير الولي الشهير علي بن عمر الأهدل وترجمة بعض ذريته ما لفظه : وأما السيد الممدوح بهذه القصيدة العظيمة فهو أبو السادة جميعهم علماً وعملاً وصلاحاً وتقوى وزهداً وروعاً وتواضعاً وبذلا للمعروف فهو مرجعهم جميعاً لا يدانيه أحد في المناصب العلية والمقامات الشريفة والأحوال المعارف والمواهب حسبما حققه الشيخ المحقق العارف بالله إبراهيم بن عبد الرحمن الناشري قدس سره في هذه القصيدة وغيرها من أحواله وكرامات هو مناقبه, ولولا صاحب هذه القصيدة الشريفة الذي أطبق العامة والخاصة على ولايته ومعرفته ورسوخه في مقامات اليقين وكثرة معارفه الوهبية ومكاشفاته الغيبية لما عرف من السيد المذكور إلا رسوم وإشارات وذلك لما ألبسه الله سبحانه من الأخلاق والتواضع التام حتى أنه مع علو قدره ومنزلته عن الناس يعد نفسه من أقل الناس لا يتميز عن أحد ولا يتظاهر بما انطوى عليه من الأسرار لأحد وهذا كله من تحقق مقام العبودية , فالحاصل أنه أبو السادة الأهدلية الذين جمعوا إلى شرف النسب شرف التواضع جميعهم وإليه مرجعهم وهو المقدم عليهم في الواردات والمشار إليه في جميع المهمات فمنازله معمورة بالزوار وبيوته موفورة بالأنوار لا يرد سائلاً ولا يصدر أحد عنه عائلاً, قلت : ثم إن الناظم ذكر طرفاً من ترجمة والد الممدوح في شرح قوله : نجل لعبد الباري , كان عبد الباري قدس الله سره سيدا جليلا كريما شجاعاً ذا مهابة وجلالة , جسيماً وسيماً قد وسعت أخلاقه البر والفاجر واستعت عطاياه للوارد والصادر , توفي سنة 1155 , البر : أي الصادق في عطائه ومقاله وأفعاله وأحواله الذي جادت به العليا وجاد بما وجد من خلق ومال وجاه من لم يزل متصفا بالفناء في الله باق به أي بربه, وإلى  جلالته صمد , أي وإلى جلال الله وكبريائه وعظمته وعزته صمد وافتقر فإن من افتقر إليه عز وعظم في القلوب وظهر عليه الجلال فيخضع له كل شيء.

وكان السيد عبد الباري قدس سره متحققاً بالصمدية أي الافتقار إلى الله تعالى في كل حال, ومن عجيب ما حكى له به الثقة أنه كان كل ليلة لا ينام إلا وقد خرج عن جميع ما يملكه, فإذا أتى الصباح جائته الفتوح فيبذلها في وجوهها فإذا جاء الليل وبقي شيء أخرجه لمن يراه حقيقا به, هذا أي أخذ أوصاف والد الممدوح ونجل ولد الحبر سماه بحر السعة كرمه, وولد البحر بحر بل هو جوهر ذاته أي حقيقة ذاته لأن الثمرة من الشجرة عين بذرها وفيها ما فيه وهو النفيس أي غالي القدر والقيمة عند الله , ومن نفائسه أمد, أي أن والده نفيس القدر عاليه ومن نفائس والده أمد الخلق إذ هو الخليفة بعدعه بأشارته .

والمقام بعد السيد عبد الباري ولده ولي الله أحمد , ومكث في المقام نحو ثلاثة سنين ثم توفي وخلفه السيد الممدوح وأقيم مقام والده يوم ثالث أخيه بحضرة جمع من الأولياء والصالحين وأهل المناص العالية , وقد سبق له قبل وفاة والده إشارات عظيمة بأنه هو حائز المقام والوارث لذلك الأمام من جماعة من العلماء والأولياء كالسيد الإمام المحدث عماد الإسلام يحيى بن عمر وبذلك لأن المشار إليه قد كان خدمه مدة ولازمه للقراءة عليه وفي تلك المدة بشره بشارات عظيمة , وكذلك سيدي الشيخ العارف بالله تعالى الزين بن عبد الباقي المزجاخي بشر والده به مع وجود من هو أكبر منه بأنه الوارث والخليفة من بعده وغيهما , ولهذا كان ممده عاماً لسائر الموحدين فضلا عن هذه الأمة المحمدية فضلا عن أوليائها فضلاً عن أولياء اليمن وخصوصاً علماء زمانه وأوليائه .

وقوله : وله أي لنجل البحر وهو السيد أمحمد المذكور وراثة جده أبي أبيه إذا كان من أكابر السادة القادة الأولياء الأبرار الذين تنبع منهم الأسرار وتتلألأ فيهم الأنوار , ولجده أي جد الممدوح وراثة جد الجدود أي جد جدوده وهو الشيخ الكبير الولي الشهير علي الأهدل قدس سره فإذا كان الممدوح وارثاً جد جدوده كان الممدوح وارثا جدوده وهذه الوراثة ظاهرة في المذكور لا يمتري فيها صحيح المعرفة , وناب الممدوح عن حزب الصمد أي حزب الله أي قام عن أهل الله بمال الله,  والسيد المذكور متع الله بحياته لا يزال في أدعية وتوجهات تامة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عموماً ولملوكهم وسلاطينهم وخلفائهم وقضاتهم وأعوانهم خصوصا ولعلماء الإسلام وصلحائهم ورعيتهم وفقرائهم ومساكينهم وصغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم , وفيه من الشفقة والرحمة على خلق الله قلما يكون كغيره من أهل عصره قائم بوصية الله قد وسع الناس أياديه وأخلاقه وصبره على ولاة الأمر والرعية وأهل البادية وبذل نفسه لإصلاح ذات بينهم ومحاكمته بينهم وتحمّل ما يأتي منهم مما لا يخفى صدوره عن أهل البادية من سوء الكلام وجفاء الأخلاق, وقال نفع الله به في شرح قوله :

أنت الذي أخفى مغارب شمسه

 

 

عن أن تقرب به عيون أولي الرمد

 

ما لفظه بعد كلام ساقه : والمعنى أن مغارب شمسه أخفته أن ييسر بولايته ومعرفته أهل الرمد أي أهل العمى والجهل لأن العروس لا تجلى على فاجر ولا تبرز إلا إلى كفؤ يخاطر , وفيه تعريض بالحاسد الجاحد ظلماً والعدو المعاند عماء فإنهما مع معرفتهما به لا سرور لهما بذلك , وقد جره عادة الله سبحانه بأن من رزقه هذه الخيرات يسلط عليه أهل البغي والحسد والجهل بالأذية والعداوة إبتلاء من سبحانه حتى يصير كالتبر الأحمر فإن استخلصه فإن شاء أظهره وإن شاء أبقاه مخفياً من جملة الضمائن من خلقه خصوصا عند علمه تعالى بفساد الزمان , وكثير من الأولياء الملامتية لا تعرف لهم بداية ولا تعلم نهايتهم مع الناس بالعادة لا يتميزون بعبادة ولا عادة ولا يعرفهم إلا مثلهم , وإذا أراد الله إظهار من هذا شأنه أجرى على يده كرامات وهوارق عادات ليعلموا قدره عند الله ويهتدوا به . وقال عند شرح قوله :

سلم على الحضرات إن كنت الذي

 

 

قرن الوعيد لها بصالح ما وعد

 

بعد كلام ما لفظه : فإذا عرفت أنه تعالى ممزوج رحمته بغضبه وقهره بلطفه وأن رحمته سبقت غضبه ووسعت كل شيء فسلم على تلك الحضارات الإلهية الجمالية والجلالية والكمالية وتخلق بما فيها إذا أنت العارف الكامل والمحب المجامل فلا تأخذ عليّ في تأخري عن يوم السبت وكن بحكم تلك الحضرات لا بحكمي لاستحقاقي لما أنت عليه من موجبات الغيرة , وهذا توسل عجيب وبرهان غريب.

وقال في شرح البيت الذي بعده ما لفظه : وفي هذا في الفقيه قدس سره من كمال التواضع والاعتراف بعلو مقام السيد متع الله به ما لا يخفى إذ مقتضاه أنه ليس له الإشراف على مقامه من بعد لنزوله عن تلك المرتبة العلية وأنه يكفيه شرفا رؤيتها وإلا فإني لمثله أن يراها ومعلوم أن الناظم قدس الله روحه كان من العارفين الكبار أهل المعارف والأسرار وبحر الحقائق ومعدن الدقائق . وقال نفع الله به في أثناء شرح البيت الذي بعده ما لفظه: والسيد متع الله بحياته منازله معمورة بأنواع من الطاعات كقراءة قرآن وذكر وغير ذلك من الأعمال الصالحة مع بذل المعروف وإغاثة الملهوف والقيام بالوافدين والزائرين والمنقطعين والفقراء والمساكين وإصلاح ذات البين إلى غير ذلك من أعمال البر وترى المدد الإلهي يدخل ذلك المحل من كل جانب , زاده الله رفعة ومكانة وإحياء , فقد شاهدنا فيه من الأوصاف المجيدة ما لا يحصى . وأخوانه وأولاده قائمون بخدمة الصغير والكبير مع العبادة التامة وجبر الخواطر والرفق بالضعيف والمسكين, وكذلك خدم تلك المنازل يتلقون كل وارد مع الأدب والرحمة والشفقة والمبادرة إلى ما يريده الإنسان قبل طلبه وتفرسهم في ذلك من كثرة خدمتهم للواردين إليهم وتوسم مقاصدهم . وبالجملة فهذا طراز آبائه وأجداده وهو مستمر في أولاده إن شاء الله تعالى .اهـ.

وهذا آخر ما قصدت تلخيصه من شرح هذه القصيدة في مدح هذا السيد الإمام الكبير القطب الشهير وما نقلت منه إلا ما وصل فهمي القاصر إلى المشار به عليه من بعيد, ولم أفهمه كل الفهم وإلا فما تركته مما لم أفهمه من العبادات الغامضة عن فهم القاصرين مثلي في حق السيد فذلك شيء تحصر دونه الأقلام وتخرس الألسن وتكل الأفهام , ومن أراد الإطلاع على ما منحه الله به فعليه بمراجعة الشرح المذكور نفعناً الله بالمادح والممدوح والشارح أعاد علينا من بركاتهم آمين . وتوفي يوم السبت سادس عشر ذي القعدة سنة 1195.

وصل: وله أولاد فمنهم : حسن وعبد الباري وقد ترجمها السيد العلامة أبو القاسم بن أبي الغيث في (( الدرة الخطيرة )) فقال بعد أن ترجم والدهما :  وخلفّ سيدي أمحمد في مكانه ومقامه ولده السيد الجليل الفاضل النبيل حسن بن أمحمد الأهدل , كنت سمعت بفضله ولم يتفق لي لقاه وكان معاصر لسيدي الوالد وكان دأبه الصلح بين المسلمين على عادة أسلافه , وله ذرية أخيار حكماء أبرار موجودون , وكانت وفاته سنة ألف ومائتين وواحد.

الولي الشهير عبد الباري بن أمحمد الأهدل :

وخلفه أخوه السيد الجليل ذو القدر الحفيل المجمع على جلالته ولا شك في ولايته وارث سر الشيوخ الأجلة القادة , عين أهل السيادة , عبد الباري بن أمحمد الأهدل فسح الله لنا وللمسلمين في مدته آمين , وهو اليوم المرجع إليه في قرية المراوعة الغراء يستضاء بنوره وتشرق القلوب برؤيته وحضوره , له الكرامات الخارقة والمكاشفات الصادقة كما شهدت ذلك منه , وله المآثر العظيمة والصدقات الكثيرة حسبنا كان عليه والده شيخ الشيوخ, وقد حضرت معه في العيد المذكور فرأيت ما يبهر العقول ما تحققت به أنه من أعيان الفحول , وقد درج على ما كان عليه سيدي أمحمد بن عبد الباري من معتقد ومنتقد وذلك عادة الله مع أوليائه لابد لهم من ذلك, قال الشيخ ابن عطاء الله : لو كان الخلق كلهم مصدقين للولي فاته الصبر على تكذيب المكذبين , ولو كان الخلق كلهم مكذبين فاته الشكر على تصديق المصدقين فأراد الحق سبحانه بحسن اختياره لأوليائه أن يجعل العباد فيهم قسمين: مكذبا ومصدقا ليعبدوا الله فيمن صدقهم بالشكر وفيمن كذبهم بالصبر إذ الإيمان نصفه شكر ونصفه صبر, ولو جمع لهم الناس لفاتهم مقام الصبر ولكنهم رضي الله عنهم هم الجبال لا يزلزلهم المحال. ولقد رحلت إلى المراوعة في أواخر سنة ثمانية عشر بعد المائتين والألف فلما وصلت إليه رحب بي وأنزلني ما هو أهله , ثم إني توسلت به إلى سيدي الشيخ علي الأهدل فقضى الله الحاجة وما وصلت بلدتنا المنيرة إلا وقد أخذ الله بذلك الظالم الذي من أجله رحلت وناله ألم شديد حتى كاد يموت فوصل إلى رسول من قومه فسرت معهم فأتيت وهو مشرف على الموت فتوصلت إلى سدي عبد الباري في إزالة ما به من ضرر, فحصل الشفاء فلما عوفي رجع في أشد ما كان عليه من الهوى والاعتساف ولم نجد له من دوافع ولا كاف سوى من هو لعبيده مواتر الألطاف , اللهم يا من أمره بين الكاف والنون ومن إذا أراد أمرا قال له كن فيكون , رد عنا شر الأشرار وكيد الفجار يا عزيز يا غفار . قلت هذا في حياته وقد انتقل إلى رحمة الله في سنة ألف ومائتين ....

ومن كراماته ما أخبرني به الحاج الصالح الولي المجذوب عبد الله بن أبي القاسم موز, قال : كنت أسمع سيدي القطب أبا بكر بن عبد الهادي القديمي يقول : اليوم السيد عبد الباري وارث محمدي , ثم مكث بعد ذلك مدة طويلة ورأيته صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له : يا سيدي يا رسول الله علمني صلوات أصلي بها عليك , فعلمني صلوات جامعة حتى حفظتها فلما انتبهت لم أحفظها فحصل معي التعب العظيم والهمّ من نسياني تلك الصلوات وهي تجري على خاطري من غير لفظ, ومكثت على ذلك زماناً حتى سرنا نحن وأياه لزيارة سيدي علي الأهدل والنزول على سيدي الوالد عبد الباري فتلقانا ببشاشة وإيناس زائد على العادة ثم بعد الغداء جلسنا عنده في الرباط وهو مقبل علينا وعلى الحاج المذكور بالخصوص قال : وكنت أقرأ صلوات كتبها لي سيدي عبد الله بن إبراهيم فالتفت إليّ السيد وقال ما هذه الصلوات ؟ فأخبرته بها فقال : وأنا أعلمك صلوات داوم عليها, فكانت هي الصلوات التي علمنيها النبي صلى الله عليه وسلم في النوم, لحينئذ حصل التصديق بقول سيدي القطب أبي بكر بن عبد الهادي نفع الله به آمين .

السيد العلامة الولي الكامل محمد بن عبد الهادي الأهدل :

وبعد وفاته خلفه في مقامه ولده السيد الجليل محمد بن عبد الباري الأهدل ثبته الله على النهج الأعدل وجعله من خواص عبادة الكمل , وهو على عادة أبيه من إطعام الطعام والإصلاح بين الأنام , وانتفع به الناس في هذه الأزمنة مع قياس هؤلاء الأجلاف من العرب وعدم احترامهم لأهل الفضل , نسأل الله أن يمده بنصره ويقيه شرور الحاسدين والماردين وأخوانه أجمعين آمين . اهـ. قلت وهو أحد أولاده الثمانية الذين بشره بهم الخضر عليه السلام , فقد أخبرني الثقة أن والدهم عبد الباري بن أمحمد لقي الخضر وكان في ذلك الوقت قد وقعت فترة وقل العلم من المراوعة فشكى إليه ذلك , فقال له: سيولد لك ثمانية أولاد كلهم علماء , فوقع ذلك كما قال , وهم محمد المذكور- وأحمد وحسن والجمالي وإسماعيل وسليمان وحسين وعبد القادر , وأما عبد الله فإنه ولد بعد الثمانية وبشر به والده قبل ولادته فكان يقول في ظهري مفتي سهام , فكان هو , ثم إن والدهم طلب السيد العلامة علي بن عبد الله مقبول الأهدل صاحب الدريهمي إلى المراوعة لأجل تعليمهم , فوصل ومكث لديهم وعلمهم فصاروا جبالا من جبال العلم غاية في الولاية وحسن الاستقامة حتى اشتهرت بلدهم المراوعة بكثرة العلم والعلماء والأخيار , وجرت على المجرة ذبل الزهور على غيرها والافتخار , وقصدت لطلب العلم من المدن الشاسعة والأمصار , وسعى إليها الطلبة من الإيجاد والأغوار, فصارت مدارسها بالتدريس عامرة, وبحسن الثناء على أهلها عاطرة , نفعنا الله بهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ولكل من هؤلاء ذرية علماء أحبار صلحاء أخيار إلا أني قليل المعرفة بهم لمعاقرتي للوطن وقلة ترددي إليهم لعدم مساعدة المقادير وتكدر الزمن , ولكن شهرتهم وانتشار ذكرهم وبعد صيتهم أشهر من النيرين , وهل تخفى الشمس علىذي العينين , وسأذكر الآن ما بلغ إليّ من خبرهم مع التقصير والقصور والميسور لا يسقط بالمعسور .

العلامة الإمام شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل :

فمن ذرية السيد أحمد بن عبد الباري : ولده السيد العلامة الكبير والإمام الحجة النحرير ذو التآليف الكثيرة والفوائد الخطيرة شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبد الباري , كان رحمه الله ونفع به إماماً راسخاً في جميع العلوم , وطودا شامخاً لا يبلغ مداه إلا أرباب الحجي والفهوم , متضلعاً من علمي المعقول والمنقول , متبحراً في علمي الفروع والأصول , رأس العلماء المبرزين وقدوة المحققين منهم والمدققين , ذا الباع الأطول في جميع الفنون لا سيما علمي الفقه والحديث من الشروح والمتون فإنه كان فيهما هتيمي زمانه وعسقلاني وقته وأوانه , قد جمع الله له بين الفهم والحفظ وقلما يجتمعان إلا لذي عناية ربانية وذلك لما بينهما من التضاد الذي لا يخفى , فإن الفهم يقتضي رطوبة الدماغ والحفظ يقتضي يبوسة الدماغ كما أفاده صاحب الترجمة في حاشيته على شرح الرحبية المسماة (( اللآلئ المضيئة )) , وقد انتهت إليه رئاسة الفتوى والتندريس في حياة شيوخه , وأمروه بذلك لما شاهدوه منه من تحقيقه ورسوخه , وألفت التآليف الكثيرة النافعة , وجمع الفوائد الغزيرة الجامعة من المبسوطات والمختصرات ما ينيف على مائة مؤلف بعبارة جلية سهلة المتناول قريبة المأخذ ففاق في ذلك الأوائل والأواخر, وجلى في ميدان الفضائل فصلى خلفه العلماء الأكابر , وكان حسن الخط سريعه بحيث أنه كان يكتب كل يوم كراريس مع ما هو فيه من الاشتغال بمعاملة الخالق والخلائق وهذه كرامة ظاهرة , وألقى الله القبول على مؤلفاته فتلقّاها الناس به في حياته وبعد مماته, ولعمري لقد شغفوا بشرحه المسمى (( بالكواكب الدرية على متممة الأجرومية)) ونشروه بينهم , مديمين لقراءته بكرة وعشية فما تلقى علماً أو متعلماً إلا وعنده منه نسخة يستفيد منه أو يفيد وكذلك غيره من مؤلفاته وما ذاك إلا دليل الإخلاص لله ونتيجة العمل الصالح الذي أولاه إياه , وقد قصد للفتوى والتدريس من البلاد القريبة والشاسعة ونشرت فتاواه حتى ملأت الآفاق الواسعة , وجمع البعض منها فبلغ نحو أربعة مجلدات , وقصده الطلبة من البلا التهامية والجبالية وانتفعوا به نفعاً عظيماً حتى صار أكثرهم مدرسين بل بلغ بعضهم درجة الفتيا كما سيأتي في تراجم بعض عشيرته إن شاء الله , فكانت المراوعة في وقته بالعلم عاملة , ومدارسها بنشرة نيرة زاهرة , ومنازلة بتلاوة القرآن والأذكار لله عاطرة. وكانت أوقاته كلها مشغولة بطاعات مولاه مصروفة فيما أولاه من تدريس وإفتاء وتأليف وتلاوة قرآن وأذكار وتهجد مع ما في خلال ذلك من إصلاح ذات البين والمواظبة على الأوراد في الصباح والمساء في كل حين , فبعد صيته في الآفاق وانتشر وسار ذكره مسير الشمس والقمر , وسبق من تقدمه من أكابر العلماء ممن غير :

حلف الزمان ليأتي بمثله

 

 

حنثت يمينك يا زمان فكفر

 

وأما مولده ونشأته وابتداء سيرته وقرائته فقد سأله عن ذلك القاضي العلامة المحقق حسن بن أحمد عاكش الضمدي وطلب منه بيان ذلك فأجاب فكتب ما صورته : بسم الله الرحمن الرحيم . وبه الإعانة سبحانه , الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين , وبعد : فإن ذكر النعمة شكر , وجحدها كفر, وقد صح الأثر عن سيد البشر بذكر حال مولده وسيرته في الصغر, وقد التمس مني بعض علماء العصر بل الفائق في التحرير أبناء الدهر أن أذكر له شيئاً من حال منشئي وكيف طلبي , وقد كنت دونت في أوراق حال أخذي عن المشائخ وابتداء أخذي وزمن مولدي ولم أحررها فلما التمس مني من ذكر لذلك استأنفت العمل على جهة الاختصار فأقول : ك ان مولدي في شهر ذي القعدة الحرام لعله لخمسة عشر مضت منه وذلك سنة 1214 إحدى وأربعين بعد الألف والمائتين , ونشأت في حجر أبوي إلى ن ميّزت فقرأت القرآن العظيم برواية قالون عن نافع على شيخ والدي وعمومتي وهو الفقيه الحافظ لكتاب الله عز وجل الضابط أحمد بن ح0سين الفلاحي , من بني فلاح قوم يسكنون في شامي جبال ريمة, فحفظت عليه القرآن العظيم عن ظهر قلب حفظاً جيدا وعلمني رسوم الكتابة أتقنت الخط وصور الحروف على يده إذ كان هذا حاله مع غالب من قرأ عليه ,  وكان رحمه الله معتنيا بي غاية الاعتناء يدارسني القرآن ويأمرني بتكرار الدروس ويرشدني لمعالم الخير جزاه الله عني خيراً . وفي خلال المدة التي كنت أقرأ فيها على شيخنا المذكور أخذت عن جماعة كثيرين سورا من القرآن العظيم تبركا بهم والتماسما لصالح دعواتهم كسيدي إبراهيم بن أحمد صاحب الحدادية , والفقيه العلامة محمد بن عبد الرحمن الناشري صاحب الغانمية والسيد الصالح إبراهيم بن حسن صاحب الزيدية وغيرهم إذا كان والدي رحمه الله يعرضني على أهل الفضل رجاء أن ينفعني الله بدعوة منهم , وقرأت على والدي أحمد بن عبد الباري القرآن كله أو معظمه لأني كنت أدرس عليه كل ليلة ما قدر لي , ثم في عام خمسة وخمسين قبل وفاة والدي بسنة ابتدأت في طلب العلم الشريف فأخذت أولا على السيد العلامة عمي صنو أبي فخر الإسلام عبد الله بن عبد الباري فقرأت عليه في الفقه مختصر أبي شجاع ومختصر العلامة بأفضل المختصر الكبير قراءة متقنة مع إملاء ما تيسر من الشروح , وفي النحو الأجرومية والملحة حفظا مع إملاء بعض شرحها لبحرق , وفي خلال تلك المدة كنت أملي ضحوة على والدي رحمه الله في الأذكار للإمام النووي وفي كتاب (( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )) في التصوف ولم أكن أفهم ذلك في ذلك الوقت لصغر سني وعدم إدراكي لعويص العلوم ولكني عرفت بعد ذلك أن تلك إشارة من سيدي الوالد , وقد كان رحمه الله يلمح بذلك لغيري ويحكي أنه رأى مناماً صالحاً يشتمل على بشرى له بحال الحقير , أسأل الله أن يمن علي بالتوفيق وحسن الختام , وإنما حكيت هذا إعلاماً بأن سيدي الوالد رحمه الله كان من جملة مشائخي وقد كان من عباد الله الصالحين الذين لهم البشرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة . ثم إنه عرضت لسيدي فخر الإسلام عبد الله بن عبد الباري أشغال قطع بسببها الدرس فملت إلى شيخنا العلامة شرف الإسلام عمى صنوا أبي الحسن بن عبد الباري وكان ذلك بإشارة من سيدي الوالد رحمه الله في عام ستة وخمسين , فأخذت عليه في متن بافضل وأبي شجاع ولم أكملها لعروض مانع لشيخنا المذكور من الإقرار مدة , ثم سرعت عليه في ((المنهاج)) للإمام النووي واشتغلت به اشتغالا تاماً وطالعت عليه ((التحفة )) و ((المحلى )) و ((فتح الوهاب))وكنت كثيراً ما أراجع ((العباب)) و (( شرح البهجة )) لشيخ الإسلام زكريا وغير ذلك (( كالإرشاد)) و (( فتح الجواد)) و (( البكري )) و (( نشر الحاوي)) للجبلوي و (( بحر الفتاوى )) للعراقي. وتوفي سيدي الوالد رحمه الله أثناء هذا العام وذلك يوم سابع عشر شهر رجب سنة 1256 وقد بلغت في (( المنهاج)) إلى باب بيع الأصول والثمار من ربع المعاملات, وقد كان رحمه الله لا يأمرني بمباشرة شيء من الأمور الدنيوية ولا يأذن لي في الخروج إلى بلد من البلدان بل من الدار إلى المسجد, هذا في أغلب الأوقات , وبعد وفاته أحسن العشرة معي الصنو الحافظ العلامة الأجل المحقق الفهامة عبد الباري بن أحمد فقام رحمه الله بجميع ما احتاجه فانقطعت لطلب العلم الشريف فأكملت ((المنهاج )) على شيخنا شرف الإسلام وقرأت عليه بعده (( فتح الجواد)) إلى كتاب البيع , وقرأت عليه في النحو (( شرح القطر )) لمؤلفه ابن هشام وقريب النصف من (( شرح الألفية لابن عقيل, وكنت أراجع شروح الكافية كالرضي والخبيصي وحاشية السيد وإيضاح المعاني السنية والجامي وشرح مقدمة ابن بابشاذ وغير ذلك كالتوضيح والتصريح وشرح الفاكهي وشرح العمريطية للسيد الخالص ابن عنقا وحاشية على النهجة للحافظ السيوطي , وقرأت عليهم في الحساب الهندي المفيد للعلامة البجلي وهومشتمل على المساحة , وكنت أراجع الرسالة الزجاجة للسيد العلامة شيخ مشائخنا عبد الله بن عبد الهادي الأهدل , وقرأت عليه في أصول الفقه (( شرح الذريعة))  للأشخر مع مراجعة (( البروق اللوامع شرح جميع الجوامع )) للمحلي وحواشي العلامة ابن أبي شريف, وفي أصول الدين الشيبانية وشرحها لابن قاضي عجلون مع مراجعة شرح النمازين على منظومته في شرح الهدهدي على السنوسية وشرح السنوسية نفسه على أم البراهين وغير ذلك كشروح الجوهرة , وقرأت عليه في فن مصطلح الحديث (( المنهل الروي شرح منظومة المجد اللوي )) مع مراجعة (( علوم الحديث )) لابن الصلاح, وسمعت منه بقراءة غيري غير ذلك (( كالتبيان بآداب حملة القرآن )) و (( الأذكار )) فلأمام النووي وغير ذلك بل غالب ما كان يقرأ عليه كنت أحضره وأحضر عليه ما تيسر من الشروح أو الحواشي كالفشني على (( الزبد )) وابن قاسم على ((الاختصار)) و (( المنهج القويم )) و (( فتح الوهاب )) وغير ذلك , وفي أثناء طلبي على شيخنا المذكور كنت كثيراً ما أجتمع بشيخنا الولي الكامل السيد العلامة العلم الكافل محمد بن معوضة قاسم الأهدل وهو ابن عم أبي وتلميذ جدي لأمي عبد الله بن المساوى الأهدل تلميذ الشيخ عبد الله بن سليمان جرهزي والسيد سليمان بن يحيى وأضرابهما , فأمليت عليه (( شرح مولد الأهدل )) للعلامة إبراهيم بن أحمد الخليل وهو مجلدين , وأمليت عليه أكثر (( الجامع الصغير )) و (( رياض الصالحين )) مع مراجعة شرحه لابن علان وبعضا من تفسير البغوي و (( بهجة المحافل )) وغير ذلك من كتب الحديث والسير , وغالب قرآتي عليه بالليل وعلى شيخنا شرف الإسلام بالنهار .

وفي عام ستين بعد الألف والمائتين رحلت لحج بيت الله الحرام مع عمي صنو أبي السيد العلامة شيخنا عبد الله بن عبد الباري , وكنت أملي عليه (( الروضة )) للإمام النووي في الفقه وقرأت عليه (( متن جمع الجوامع )) في أصول الفقه ولم أكله , وقرأت عليه شيئاً من شرح الورقات لابن إمام الكاملية وشيئا من (( شرح ابن دقيق العيد على العمدة )) واجتمعت معه بمكة المشرفة بكثير من فضلائها وسادات علمائها كالشيخ العلامة عبد الله سراج وحضرت درسه في الاقناع في الفقه وشرح (( جمع الجوامع )) للمحلي في الأصول , والشيخ أحمد الدمياطي وحضرت درسه في التفسير وفي مناسك الشيخ علي ونائي , واستجزت من هؤلاء , واجتمعنا أيضا بمفتي طرابلس وهو إبراهيم الخليل رجل من أكابر العلماء الصالحين والأئمة المحققين وكتب بخطه لسيدي وشيخي عبد الله بن عبد الباري إجازة مطولة تشعر بكماله وطول باعه وتضلعه في المعقول والمنقول , وسمعت منه ما يشعر بذلك حتى أني رأيت له كلاماً على شفا عياض وحواشي نفيسة على (( الإنسان الكامل )) للكيلاني وغير ذلك , هذا مع غاية التواضع والخضوع وملازمة الأذكار وإقبال على ما يتعين عليه بالليل والنهار , ولم يقدر الله لنا زيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا العام فرجعنا بعد أن مكثنا بمكة قريب أربعين يوما, ونزلنا من بندر اللحية واجتمعنا فيها ببعض الفضلاء , وسرنا منها فاجتمعنا بالسيد الولي الأكمل بل السيد المحقق الفهامة عبد الله بن إبراهيم الأهدل صاحب المنيرة والسيد العلامة المحقق الفهامة عب الرحمن بن عبد الله الأهدل فدارت في ذلك المجلس أنواع الإفادة وطاب هناك البسط وجاد عارض أولئك السادات أكمل إجازة واستجزت من السيد عبد الله بن إبراهيم , ولم أطلب ذلك من السيد عبد الرحمن بن عبد الله إلى أن وصل إلينا بعد ذلك بمدة يسيرة زائراً سيدي الشيخ علي بن عمر الأهدل واسمعت عليه أوائل ((شرح الألفية )) للأشموني ودعا لي بخبر جزاه الله خيراً, وبعد رجوعي من الحج لازمت شيخنا شرف الإسلام وشيخنا فخر الإسلام للاستفادة منهما وواضبت على إقراء العلم ليلا ونهاراً بعد أن أجازني شيخي شرف الإسلام لفظاً وخطاً وألبسني الخرقة بيده وهي قلنوسته التي تلبي رأسه ولقنني الذكر , وتخرج لي بحمد الله جملة من طلبة العلم الشريف وأجزت من شيخنا المذكور بالفتيا بعد أن رأى جواباتي , ومن طلبة العلم الشريف وأجزت من شيخنا المذكور بالفتيا بعد أن رأى جواباتي , ومن الله علي وله الحمد بجمع حواشي على (( شرح القطر )) أيام قرآتي وذلك في قريب ثلاثة عشر كراسا وسميتها (( كشف اللثام )) وحواشي على (( الجامع الصحيح )) في مجلدين وسمّيتها (( سلم القاري )) وكتبت بعد ذلك عدة شروح ورسائل ومؤلفات وفتاوى من ذلك شرح علي ذريعة الوصول سميته (( منتهى السول وغاية الأرب )) وشرح على ((الخصائص الصغرى )) للسيوطي وشرح على رسالة الشيخ حسين ابريق في الفقه وشرح على البيان والأعلام سميته (( نشر الأعلام )) في الفقه تبلغ مجلدين لطيفين , وكتبت شرحاً على (( المنهاج تدريب المحتاج )) إلى أثناء باب صفة الصلاة وإلى الآن لم يكمل أرجو الله أن يمن عليّ بإكماله , وكتبت على (( منحة الوهاب )) نظم (( تحرير تنقيح اللباب )) شرحا من أوله إلى أثناء باب الزكاة , وكتبت على خاتمتها إلى آخر الكتاب إلى الآن لم أبيضه وكتبت حاشية على (( مفيد الحاسب )) ورسالة سميتها (( كشف الهم عن قراء مدعجوه ودرهم )) ورسالة سميتها (( منح الفتاح بأركان عقد النكاح )) وشرحا  على نظمي حيض المنهاج سميته (( تبصرة المحتاج )) وشرحت الأجرومية شرحين الأول منما سميته ((خلاصة الموسم على مقدمة ابن آج الروم )) والثاني سميته (( النفحة العطرية على مقدمة الأجرومية )) وكتبت شرحا على (( شاهد القطر )) سميته ((تنقيح الفوائد على بيان الشواهد )) ورسالة سميتها (( فتح الفتاح العليم بشرح بسم الله الرحمن الرحيم ))  ذكرت فيها ما حقه أن يذكره أهل كل فن, وشرحت نظم احتمالات الدليل العشرة وأوضحت وصول ثواب القراءة إلى الميت في رسالة مطولة تبلغ ثلاثة كرارس , وألفت رسالة سميتها (( توقيف النظار على حكم ما نبت في الأرض الموقوفة من الأشجار)) ورسالة سميتها (( دفع الوصمة عمن ثبتت لهم العصمة )) ورسالة سميتها (( تهذيب المقالة في أحكام الإقالة )) و (( رسالة فيما يتعلق بمداد العلماء ودم الشهداء)) ورسالة سميتها (( إرشاد من يهيم في تناسب اسمي محمد وإبراهيم )) ورسالة سميتها (( تحذير الأخوان المسلمين من تصديق الكهان والعرّافين والمنجمين )) ورسالة في صلاته صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم ورسالة في الرد على بعض المشتغلين بحكمة اليونان ورسالة فيما ورد من عق الرقاب في شهر رمضان ورسالة في الحكم بالصحة والحكم بالموجب ورسالة في حكم إعادة وتر رمضان ورسالة سميتها ((المسلك الدقيق فيما يتعلق بحكم بيع الدقيق )) ورسالة فيمن أراد فهم النبي صلى الله عليه وسلم ورسالة في (( الفرق بين المجنون والمجذوب )) ورسالة في (( حقوق الأزواج)) وغير ذلك من الرسائل التي لا تحضرني الآن وبعضها في مقتنياتي وبعضها لم تكن لديّ والله المسؤول أن يمن عليّ بالقبول فيما عملته وأن يرزقني الإخلاص وهو حسبي ونعم الوكيل , ثم من الله وله الحمد والمنة  - بشرح علي متممة الأجرومية مكثت في تسويده سنة يبلغ مجلدين لطيفين سماه القاضي العلامة حسن بن أحمد عاكش ((الكواكب الدرية على متممة الأجرومية )).

وممن أخذت عنه ولازمته عند قدومه علينا السيد العلامة محمد بن المساوي الأهدل فإنه رحمه الله تعالى لم يزل يتردد علينا في كل عام زئراً لضريح سيدي علي بن عمر الأهدل وقرأت عليه في علم العروض والقوافي وانتفعت به جزاه الله خيراً , ولي منه إفادات وكان يحبني ويسميني (( فقيه المذهب ابن الرفعة )) عملا بحديث : (( بشروا ولا تنفوا )) وممن أخذت عنه السيد العلامة المحقق الفهامة حسن بن حسن الرضوي الهندي رحمه الله تعالى , كما من أكابر العلماء العاملين قرأت عليه أيام جلوسه لدينا شرح الشمسية في المنطق واستفدت منه كشيخنا فخر الإسلام في المعاني والبيان والبديع , وكانت له اليد الطولى في علم الصرف فاستفدت منه بعد أن قرأت على شيخنا شرف الإسلام لطيفة فيه , وكنت أراجع شرح الزنجانية للسعد وحواشي الشرح المذكور للسيد محد بن عنقا , وممن أجازني بعد أنم قرأت عليه قليلا للتبرك- السيد العلامة المحقق محمد بن عثمان اليرغني المكي رحمه الله , قرأت عليه شيئاً من أوائل (( شرح الألفية )) لابن عقيل وشيئا من (( تحفة المحتاج شرح المنهاج )) لابن حجر وأجازني إجازة عامة , وكذلك السيد الأجل العلامة المحقق الصالح الأكمل عمر بن أحمد هجام فلقد اجتمعت به ودعى لي بخير , وكذلك العلامة خاتمة المحدثين محمد بن علي العمراني لقيته ببلدنا في حياة والدي ودعا لي بخير ولم التمس منه الإجازة لصغر سني, ولي عدة مشائخ غير هؤلاء كالشيخ يحيى الهتاري أخذت منه في أوائل طلبي وكان من أكابر عباد الله الصالحين صوّاما قواما وله اليد الطولى في الفقه والنحو والأصول والحساب وغيرها, أسمعت عليه أبا شجاع وملحة الأعراب وكثيراً من الأدعية والأوراد ثم رحل بعد ذلك للقدس وعاد فالتمست منه الجلوس لدينا للانتفاع به فدعى لي بخير ومضى لوجهه , والفقيه العلامة حسن بن إبراهيم الخطيب صاحب الحديدة قرأت عليه أوائل سنن أبي داود وأجازني بباقيها , رحمهم الله تعالى وجزاهم عني خيراً آمين . وممن أخذت عنه سيدي الوالد الصالح الناسك محمد بن عبد الباري فإنه عافاه الله تعالى أجازني في كثير من الأحزاب والأوراد كالسيد العلامة محمد السنوسي المغربي المكي ولازمت مجلسه وأمليت عليه الجامع الصغير مع إملاء ما تيسر من شرح المناوي ومنتقى ابن تيمية مع إملاء ما تيسير من شرح القاضي محمد بن علي الشوكاني و (( إحياء علوم الدين)) للغزالي و (( رسالة الشهروردي )) و (( قواعد زروق )) في التصوف وجميع ((صحيح مسلم )) مع إملاء شرحه للنووي وغير ذلك , وكثيراً ما تلقنت منه الذكر وأرشدني فيه لدقائق تخفى عى كمثيرين ولا يفطن لها إلا الخواص وهو أعلا من أخذت عنه سندا لأنه أدرك من لم يدركه غيره ممن أخذت عنهم .

ولي بحمد الله إجازات من جماعة لكن تخريجي وانتسابي هو عمي صنو أبي الحسن بن عبد الباري فلقد أجازني إجازة عامة في كل منقول ومعقول وفروع وأصول كما أجازه شيخه السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان مقبول الأهدل عن شيخه ووالده السيد سليمان بن يحيى عن شيخه السيد أحمد بن محمد شريف عن شيخه خاله السيد العلامة يحيى بن عمر عن مشائخه الأجلاء الألام الحاوي لهم مجموع أسانيده , ولقد سمعت منه (( صحيح البخاري )) مراراً وأما غيره من الأمهات والمسانيد والأجزاء والمستخرجات فما تلقيتها عنه وعن غيره إلا بالإجازة , نفعنا الله بالعلم الشريف ورزقنا كمال الاتباع لسيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم آمين , كتبت هذا بتاريخ شهر ذي القعدة الحرام الحرام سنة 1238 بالتماس القاضي العلامة حسن بن أحمد عاكش عافاه الله وفسح في مدته آمين . اهـ.

هذا ما كتبه لنفسه نقلته بالحروف وهو أنموذج يسير من سيرته تدل على الباقي ولو استوعبت لاحتملت كراريس , وكانت وفاته رحمه الله ونفعنا به في شهر محرم الحرام عام ثمان وتسعين بعد المائتين والألف .

الولي الأكمل علي بحر بن أحمد الأهدل :

ومنهم أخوه السيد الأجل الولي الأكمل علي الملقب بحر بن أحمد بن عبد الباري , كان نفع الله به له مشاركة في بعض الفنون ذا ولاية تامة وإشارات نافعة وكرامات ظاهرة باذلا نفسه في إصلاح ذات البين للقريب والبعيد من المسلمين لا يفتر , رأيته مرة في مدينة الزيدية وهو يصلح بين أناس وأنا في حال الصبا فرأيته على غاية من التواضع والقرب والاستقامة والاقبال على مولاه والحضور والمراقبة , إذا طلب منه الدعاء وقرأ الفاتحة توجه بقلب حاضر ورفع يديه وشخص بصره إلى السماء ودعا , وكان له القبول التام والهيبة عند الخاص والعام , مسموع الكلمة عند الناس مقبول الشفاعة عند أرباب المر فمن دونهم , وتبعه على هذا أولاده بعد مماته , وأعظمهم نفعاً للناس ابنه محمد بن علي بحر الملقب بغدادي , وقد عرفته وانتفعت به مرات عديدة فرأيته على غاية من الصلاح متواضعاً قريب النفس حسن الأخلاق مجتهداً في الإصلاح بين المسلمين مقبول الكلمة عندهم لا ترد له شفاعة , وهو الآن موجود في عنفوان الشباب مجتهد في ذلك مشتغل بما هنالك لا يصل بيته إلا كالغريب عافاه الله آمين . ثم رأيت بعد رقم هذا كراسه بخط السيد العلامة محمد طاهر بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الباري ذكر فيها ما لفظه : الحمد لله توفي السيد علي بحر بن أحمد بن عبد الباري صنو شيخنا سنة 1302 في يوم الاثنين من أيام التشريق , كان يحفظ القرآن حفظاً جيداً من الذاكرين الله كثيراً, وله شغل عظيم بقيام الليل وكان قد وقف للإصلاح بين قبائل العرب وسد الفتن وإخماد نار الإحن حتى توفي على نهج سمية السيد علي بحر بن أحمد صاحب المنصورية فإن والده سماه به وكانت طريقته الإصلاح بين المسلمين , ذكره الشيخ عبد الخالق المزجاجي في شرح :

                     أخرت سبتي عن وصالك للأحـــــد

وله : عبده بحر له ذرية , وعبد الله بحر له ولد, وأحمد باري له ولد, وحسن باري من طلبة العلم الشريف, والبغدادي شاب لم يتزوج حال التاريخ . اهـ.

الولي المجذوب أحمد بن محمد الأهدل :

ومن ذرية السيد محمد بن عبد الباري الذي مرت الإشارة إلى طرف من ترجمته ولده السيد الأجل القطب الغوث أحمد بن محمد بن عبد الباري , كان رحمه الله وفنع به من كبار الأولياء أرباب القلوب مخطوباً إلى حضرة علام الغيوب قد جذبته العناية الربانية وأدركته الوراثة الأهدلية بجذبة رحمانية فغاب عن الكون إلى المكنون وذلك في عنفوان الشباب في حياة والده , ولم يزل على ذلك غائب الحسن عما هنالك حتى صحا قليلاً فكتب الله له الوصول إلى المدينة المنورة لزيارة جده عليه أفضل الصلاة والتسليم فما رجع إلى بلده إلا وقد صحا من تلك الغيبة بعد أن مكث نحو إثني عشر سنة على ذلك الحال, ثم إن والده توفي فخلفه في المقام به أتم قيام من إطعام الطعام والمصالحة بين الأنام والقيام بالوظائف الدينية على أتم الوجوه من نشر العلم وتلاوة كتاب الله الكريم وإملاء حديث نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم والمواظبة على الأذكار والمراقبة للعزيز الغفار, ما زال قائما بذلك على الوجه الأكمل حتى توفاه الله عز وجل في شهر رمضان سنة 1295 فخلفه في المقام ولده السيد الأجل الولي الأكمل عبد الباري بن أحمد بن محمد بن عبد الباري .

عبد الباري بن أحمد الأهدل :

.. فقام بجمع ما قام به والدبه على وجه التمام ولا سيما إصلاح ذات البين فإنه كان في أول الأمر دائم الغيبة كثير الأسفار في المصالحة بني الناس في اليمن والشام ثم لزم الإقامة ببلده المراوعة مطعما للطعام مصلحا بين الأنام تزدحم عليه الوفاد من البلاد البعيدة والقريبة على اختلاف مقاصدهم فبعض للإصلاح وبعضهم لطلب الدعاء وبعضهم للإحسان , فيصدر كل منهم بمقصده مجبور الخاطر قرير الناظر, مع عمارة منازله ومساجده ونشر العلم وتلاوة القرآن والأذكار والصلوات في الجماعات , وهو الآن موجود قائم بذلك موف بما هنالك عافاه الله ونفعنا به آمين , ثم إني رأيت السيد العلامة محمد طاهر بن عبد الرحمن في الكراسة السابق ذكرها ترجم له ولأخيه حسن بن أحمد فقال: ومنهم القائم بعد أبيه في زاوية الشيخ الأهدل السيد الجليل والأصل الأصيل ذو الأنوار الساطعة والأيادي الشاسعة والمكارم والأخلاق الوسيمة السيد عبد الباري بن أحمد الأهدل , ولد سنة 1272 وقرأ القرآن على يد سيدي العلامة السيد محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل , فمما قرأه عليه (( مختصر بافضل )) و (( الأجرومية )) و ((المتممة )) وكان الجد محمد بن عبد الباري رحمه الله تعالى يحبه محبة عظيمة في الباطن لا يدرك محبته له إلا العالمون بأحواله ويشير إليه بأنه من أرباب المقامات العلية , وكان من أهل الامتحان في صغره كثير الصمت والأدب صاحب عقل كامل وافر وذا سكون وتؤدة ووقار , وكان ثقيل السمع فكان شيخنا محمد بن أحمد رحمه الله تعالى يدنيه منه عند قراءته في (( شرح التحرير )) ويكل إليه قدر معشره الذي يريد قرائته لأنه من أهل الورع والقناعة والعقول فلا يقرأ إلا يسيراً ثم يقف لئلا يمل شيخ ولا يكدر على الطلاب , ورزقه الله محبة في قلوب خلقه فكان كل من رآه أحبه من صغير وكبير وجليل وحقير حتى أن أقرانه لا تسمعهم إلا مثنين عليه أو سائلين عنه , ولم يزل مجدا في الطلب وحصل بيده تحصيلات كثيرة لأنه حسن الكتابة , فمما حصله بيده (( متممة الأجرومية )) و (( سفينة النجاة )) وكان ينقل فيها من فتاوى شيخنا رحمه الله تعالى وفوائد أخر, وكان كثير المطالعة للشرقاوي على (( شرح التحرير )) وكان يحضر قراءة البخاري في شهر رجب كل عام , ولما توفي والده اجتمع عليه أهل الحل والعقد وأقيم في مقام والده بحضرة سيدي الجد سليمان بن عبد الباري وأولاده والسيد علي بحر بن احمد الأهدل والسيد معوضة بن محمد , وكان المنادي باختياره شيخنا العلامة السيد محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل وما ذاك إلا لحسن معانيه الباطنة من شجاعة وكرم وغيرها , فلقد استقام بإكرام الوافدين والزائرين وهو صغير السن صفر اليدين , وكم أعطى معروفا وأغاث ملهوفاً , من رضي عنه استراح ومن سخط عليه تلف, يكرم أهل الفضل ويؤلف أهل الشرف ولا يحقر فقيرا ولا يهاب ملكا لملكه , يعطي عطاء من لا يخشى الفاقه , وهو الآن في هيئة عظيمة وإقبال وإجلال , حصل كتباً كثيرة في التفسير والحديث والطب والتاريخ وغيرها . وله ولدان : محمد وأحمد يتعلمان القرآن فتح الله عليهما والحقهما بأبيهما آمين .. هذا وهو كثير التسري والنكاح بعد وفاة والده فالذي أنكحهن وتسري بهن كثيراً لا يعلمهن إلا الله تعالى , وقد كان جده وسميه السيد عبد الباري بهذه الطريقة لكن رزقه الله تعالى أولاداً كثيرين والله المسؤول أن يرزق هذا ما فيه الخير ويؤهله لكل ما هو له أهل وأن يوفقه لمراضيه آمين . وحج سيدي عبد الباري لعله سنة 1293 في حياة والده وزار قبر النبي صلى الله عليه وسلم تقبل الله منه ذلك بمنه وكرمه آمين , وسافر في سنة 1312 إلى السلطان عبد الحميد بن محمود خان مع بعض خدام الدولة وكان سفره في سهر جمادى الأولى ورجع في شهر رجب مع هذا الرجل وهو أحمد بن يحيى الشراعي وكان يظن أن هذا السفر مخوف فجعل الله فيه الخير وقضى له جميع المطالب بركته ..

ومن أولاد سيدي العم : أحمد بن محمد حسن بن أحمد وهو كثير الأدب والسكون مع حسن الكتابة والصلح بين الناس مع أخيه السيد عبد الباري , متأدب معه التأدب البليغ , له عقل كامل وزجودة فهم, كان قد قرأ على سيدي شيخ الإسلام في كثير من العلوم ثم قرأ على الحقير شيئاً من الفقه والنحو والحديث , يحب الملابس الطيبة والنعم المباحة وهو على خير كثير من ربه لما رزقه الله من الرحمة في قلبه والوقار , حج سنة ألف وثلاثمائة وسبعة فتوفيت زوجته خديجة بنت شيخنا شيخ الإسلام محمد بن أحمد بمكة بعد قضاء المناسك , وتوفيت له بنت هناك وكذلك سائر بنيه منه ولم يتزوج إلى الآن غيرها أسأل الله أن يخلف عليه بخير وأن يرزقه ذرية صالحة , وزال في هذا العام قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم تقبل الله منا ومنه آمين . اهـ. وكانت وفاته يوم الجمعة من شهر ذي الحجة الحرام عام 1326 ودفن بالمراوعة رحمه الله تعالى .

عبد القادر بن أحمد الأهدل :

ومنهم السيد عبد القادر بن أحمد , كانت ولادته في شهر رمضان من عام 1289 تسعة وثمانين بعد المائتين فنشأ على أحسن الأحوال ثم قرأ القرآن على الفقيه الصالح يحيى بن أحمد الأعرج وما تيسر من الفقه على السيد العلامة محمد بن عبد الرحمن في القاسمي شرح مختصر أبي شجاع ومقدمه بافضل ثم اشتغل بالإصلاح بين الناس فصار له القبول والجاه عند القبائل بحيث لا يردون له شفاعة , وقد اجتمعت به في المنيرة قرأيت له من التواضع والقرب والصلاح والوقار وحسن الأخلاق والإقبال على الملك الخلاق ما يجل عن الوصف , وهو الآن موجود في عنفوان الشباب مشتغل بالأسباب الموصلة إلى رب الأرباب زاده الله من فضله .

وممن ترجم له أيضا عمه محمد الأمين فقال : ومن أولاد سيدي الجد محمد بن عبد الباري : سيدي العلم الصالح :

محمد الأمين بن محمد بن عبد الباري الأهدل :

قال سيدي الجد عمه العلامة عبد الله بن عبد الباري لقبه الصبيان بالأمين وقد جرت القدرة على ألسنتهم . اهـ. أقول وكان كما ذكر أمينا حتى أن الدرسة كانوا يودعون أموالهم عنده لشهرة أمانته وكذا غيرهم من الناس كان يودع عنده فلا يقصر في مثقال ذرة , ولد سنة 1247هـ وقرأ القرآن قراءة محمودة وله معرفة في القراءات السبع وعلم التجويد , يلازم المذاكرة فيها ويعتني بحزب القرآن في الجامع بعد المغرب وفي منزلة الشيخ الأهدل بعد العشاء , حافظ للقرآن عن ظهر قلب جدا لا يكاد يسقط منه شيئاً, حريصا في دينه مواظباً على الجمعة والجماعة لا يتركها أصلا ولو أمكنه مع المرض المشيء , لم تفته جمعة ولا جماعة , يحب الفقراء ويجلس معهم ويحضر جنائزهم , يداوي الجرحى الفقراء لا يتكبر , ومن استعان به في شيء لم يرده من إعانته راد , ذو تواضع كثير , حج وزار مرات عديدة وهاجر بأهله بمكة مدة ثم رجع إلى البلد أعطاه الله بركة عظيمة في معيشته وكان من القائمين الليل كثير العبادة جداً, ولم يزل ساعياً فيما يرضى الله تعالى إلى أن توفي رحمه الله تعالى في طريق المدينة بعد أن حج متوجهاً لزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرض بعسفان مرضا شديداً من الدار المسمى بلسان أهل مكة الكريرة ودفن في الخليص , واجتمع كثير من الرفقة من أهل زبيد وحراز والمراوعة وصلوا عليه وشهد الذين حضروا قبره أنه فاح منه ريح طيب مثل المسك فرحمه الله رحمة الأبرار .

ثم ساق كلاماً مشتملاً على كرامات وقعت عند موته , وكانت وفاته حين دفن بين عسفان والكظمة يوم الأربعاء في شهر ذي الحجة الحرام سنة 1307 إلى أن قال : وخلف أولاداً مباركين أخياراً وهم ثلاثة أكبرهم عبد الله أمين , أقراني وهو من حملة القرآن العظيم والعلم وفيه سكينة ودعابة ووقار وله حظ حسن , حج مراراً وزار رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخوه محمد أمين وهو من حملة القرآن العظيم والعلم الكريم , شجاعاً قائم على أخوانه بعد وفاة والده أحسن قيام , حج مع والده وزار النبي صلى الله عليه وسلم ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى سحر ليلة الجمعة ثاني عيد الفطر سنة 1309 ألف وثلاثمائة وتسعة , وأخوهما حسين أمين كثير الامتحان في عينيه يقرأ القرآن وحج مع والده وهو صغير ثم حج بعد وفاة والده سنة ثمان , تقبل الله منهم وأصلحهم أمين أمين . أه.

العلامة عبد الرحمن بن محمد الأهدل :

ومن ذرية السيد محمد بن عبد الباري ولده السيد العلامة الأجل الولي الأكمل عبد الرحمن بن محمد بن عبد الباري , كان نفع الله به من كبار أولياء الله المكاشفين بأسرار الغيوب , على غاية من حسن الاستقامة والورع والأخلاق , كثير التواضع دائم الذكر صاحب إشارات ومكاشفات, وكان كثير التردد والإقامة في حيل حفاش وملحان وانتفع به هناك خلق كثير ولعل اختياره للإقامة هناك لهذا , وكان كثير التشديد في أمر الطهارة بحيث يجتمع من ماء وضوئه أو أغتساله ماء كثير , وكان من العلماء العاملين يقرأ القرآن عن ظهر قلب بصوت واحد حسن مع التدبر والخشوع , وما زال على الحال المرضي حتى توفي رحمه الله ونفع به آمين , وخلف أولاداً أجلهم وأعلمهم وأبركهم وأكبرهم سناً وقدرا السيد العلامة : محمد طاهر بن عبد الرحمن بن محمد .

محمد طاهر بن عبد الرحمن الأهدل :

له اليد الطولى في جميع العلوم والتحقيق في المنطوق منها والمفهوم , وله مشائخ كثيرون أجلهم السيد العلامة شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل مقدم الذكر- وبه تخرج وفاق الأقران وصار مقدما على أرباب هذا الشأن وإليه الإشارة اليوم بعد شيخه المذكور في الفتوى والتدريس , وقد قصد لذلك من كل مكان وتخرج على يديه كثير من الطلبة مع ما هو فيه من إصلاح ذات البيت , وهو مقبول الكلمة والشفاعة عند القبائل , على غاية من حسن الاستقامة وطيب الأخلاق والتواضع وإكرام الوافدين والزائرين وإنزال الناس منازلهم, وهو الآن موجود ملازم لذلك وفوق ما هنالك نفع الله به , وقد ترجم والده في الكراسة الواصلة إلينا منه السابق ذكرها , متبعا بذلك ترجمة نفسه كما هي عادة بعض المؤرخين , وكذلك ترجم بعض أخوانه فقال : ومن أولاد سيدي الجد محمد بن عبد الباري سيدي الوالد العلامة الناسك الغوث عبد الرحمن بن ممد بن عبد الباري الأهدل رحمه الله تعالى , ولد عند وفاة السيد الشهير مفتي الأنام السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدل صاحب زبيد وذلك في شهر رمضان الكريم سنة 1250 فسماه والده به , قرأ القرآن في صغره وحفظه عن ظهر قلب ولازم الطلب في العلم على سيدي الجد عبد الله باري , ولازم شيخنا شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبد الباري فقرأ عليه شيئاً كثيرا في الفقه والنحو (( كالمنهاج )) و (( ابن عقل )) و (( المنهج القويم)) و (( فتح الوهاب )) لشيخ الإسلام إلى غير ذلك , وله خط حسن جداً حصل كتبا كثيرة بقلمه ومشتريات له , فمن جملة ما كتبه بقلمه (( بافضل الكبير )) وبعض من شرحه لابن حجر و (( متممة الأجرومية )) و (( موصل الطلاب )) ومن مشترياته (( فتح الوهاب)) و (( ابن عقيل )) و (( شرح جمع الجوامع )) للمحلي و (( إعراب الألفية )) للمكودي و (( المغني )) في النحو و (( شرح شواهده )) و (( كتاب في الخلاف بين البصريين والكوفيين )) أضرت به الأرضة هو ومحصولات كثيرة كان حصلها مع كثيرة تعهده لها فسالت بطنه دما لمحبته لكتب العلم لا أسفا على ماليتها فإنه سخي القلب لا يبالي بالدنيا أصلا , ومن مقتنياته شرح القاضي زكريا على (( البهجة )) لابن الوردي في الفقه إلى غير ذلك من الكتب الغزيرة في الفنون , وكان يقرأ في منزلة سيدي الشيخ الأهدل بعد الظهر بحضور والده وسيدي الجد سليمان بن عبد الباري وسيدي شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبد الباري بعدما مات سيدي العم عبد الله بن محمد لأنها كانت وظيفته , فمما قرأ في المنزلة (( الدر المنثور )) و (( إحياء علوم الدين)) و ((صحيح مسلم )) وبعضا من تفسير الفخر الرازي إلى غير ذلك من الكتب التي أملاها , وكان كثير الحرص في أمر الطهارة والصلاة طيب الريح نظيف الثوب يحب البسط والملابس الطيبة , وما اعترضه أحد إلا خذله الله , ذو هيبة عظيمة بحيث أن من رآه هابه فإذا جالسه وجده ألين الناس , وما عابه أحد في أمره الطهارة إلا ابتلى كما جرب ذلك , وله إقامة عظيمة في تأديب أولاده بحيث أنهم كلهم قرأوا القرآن عن ظهر قلب إلا من هو الآن دون التكليف , هذا في الرجال وأما الإناث فكلهن يقرأن في المصحف مع أنه كثير السفر إلى جبل ملحان وجبل حفاش بعد موت والده بحيث أنه يمكث هناك أكثر من مكثه لدينا , وأما في حياة والده فكان يطلع جبل ملحان في أول شعبان ولا يجيء رمضان إلا وقد رجع لأنه كان مكفي المؤنة , وإذا طلع الجبل المذكور وهم في قحط أغاثهم الله أو في شدة كشفها الله عنهم , يعتقدون فيه اعتقاداً كلياً لما رأوا من صلاحه وإشاراته وكراماته .

وله أوراد من الأذكار والصلوات لا يتركها حضرا ولا سفرا, وما جائه مريض وداواه إلا شفي بإذن الله تعالى لأن له معرفة عظيمة بالطب وكثيرا ما يلزم الأطباء ويكرمهم ويعتقدهم حتى أنه يعرف كثيرا من معاني الأشجار التي لا نعرف ألفاظها ويذكرها الأطباء في كتبهم , ويصطحب من كتب الطب (( المنهاج)) وكتاب المشروع وكتاب الأشخر , اصطحب كثيراً من أولياء الله تعالى وأحبوه محبة عظيمة كسيدي العلامة شيخ الإسلام الحسن بن عبد الباري وسيدي العلامة ولي الله تعالى السيد محمد معوضة قاسم الأهدل وقرأ عليه (( تاج العروس )) لابن عطاء الله , وكان يذكر لي كرامات كثيرة له وكذلك الولي الشهير سيدي علي بن أمحمد بن الحسين البجلي الساكن بالدار وكذلك ولده علي بن علي وكذلك السيد إبراهيم عابد صاحب الحدادية وكان إذا وصل المراوعة في حياة سيدي الجد محمد بن عبد الباري رحمه الله تعالى يحصل له حال البهاليل بحيث أنه يأكل شيئاً كثيراً ويشرب شرباً كثيراً لا يمكن التكلم به, وإذ قعد يأكل مع الوالد لا يفعل شيئا من ذلك فيقول له والدي : كل , فيقول له : لم أقدر لك . وكان سيدي الوالد عافاه الله تعالى كثير البركة بحيث أنه إذا قعد معنا على المائدة يطرح الله البركة في الطعام , ومن عاداته أنه يسمي الله عند كل لقمة .

وبعد موت والده لازم أخام السيد الجليل أحمد بن محمد بن عبد الباري القائم بعد أبيه في زاوية الشيخ الأهدل ثم استأذن أخاه في بناء محل لنفسه قرب بيته يماني المراوعة لأجل الضيف فامتنع من الإذن له لأنه كان نافعاً له في أمور كثيرة كان قائماً بها في وقت أبيهم كالدخول على الدولة في الأمور المتعلقة بهم من شفاعة وغيرها وكالإصلاح بين الناس , فلم يزل يراجعه بلطف ويستخير الله تعالى على ضريح سيدي الشيخ الأهدل وسيدي الجد محمد بن عبد الباري حتى أذن له في ذلك , فابتني محلا وأمره سيدي الجد العلامة شيخ الإسلام الحسن بن عبد الباري بأنه يرتب فيه كل ليلة بعد صلاة العشاء ثلاثة أجزاء من كتاب الله تعالى , فاستمر على ذلك ونحن معه نسأل الله تعالى أن يجعل ذلك جارياً متصلاً بالقبول والبركة وأن يجعل الخير في هذا المنزلة وأهله إلى يوم القيامة .

ولسيدي الوالد أولاد كثيرون مات منهم من مات في صغرهم وبعضهم قد تعلم القرآن وبقي الحقيق وأحمد صاحب الحال وعلى شقيقي وعبد القادر كذلك ومحمد عبد الباري سمي جده وشقيقه عمر وعبد الله ومحمد هجام وشقيقه حسين وكذلك أخواتهم من النساء , قد قرأوا القرآن , وحج الحقير ببعضهن بإذن الوالد سنة 1307جعل الله الجميع من عباده الصالحين آمين .

والحاصل أن سيدي الوالد عافاه الله تعالى وبارك لنا فيه له قدم عظيم في جميع الخصال المحمودة من إطعام الطعام ومعرفة العلوم ودوام ذكر الله تعالى والتأديب الحسن والنظافة وعدم جمع الحطام الدنيوي بحيث أنه لا يمسك درهما لغد ولا يهم المعيشة أصلا لما فيه من التوكل على الله تعالى, وفيه ورع وشجاعة وتؤده وكرم , يحب الطيب ويكره الريح الكريهة , مجاب الدعوة زاده الله مما ألأولاه ورزقني بره أمين .

واشتهرت له كرامات ظاهرة تجري على السنة الناس ومما وقع لي منها أني تركت مرة صلاة المغرب في صغري ولست عنده ثم جئت إليه فقال لي : هل صليت المغرب ؟ فقلت : نعم , فأمرني أن أصلي وتفرس في أني لم أصلي , وكان يقول لي : أراك مثل ما أرى الماء في القارورة ويطلعني الله على أمورك , وأرخ ولادتي بقلمه سنة 1275 وذلك بتاريخ شهر جمادي الأولى , ولما ميزت تعلمت القرآن والكتابة على الفقيه العلامة إبراهيم بن عيسى الزيلعي الملحاني , كان مهاجراً المراوعة لطلب العلم على شيخنا العلامة الأنام محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل , كان يحفظ كتاب الله تعالى عن ظهر قلب قراءة حسنة بصوت حسن ويلازم الجامع, ذو عقل باهر , وقرأ في العلم شيئا كثيراً حتى أنه لما سافر إلى بلده بعد أن أكملت عليه القرآن في المصحف ولي الافتقاء والقضاء بين الناس ببلده , وله مصنفة جمع فيها أحكام ما يعفى عنه من النجاسات وما لا يعفى وهي موجودة لدى الحقير, وكان يكتب كتابه حسنة حتى أنه كان يستأجره الناس على كتابة المصاحف , ولما سافر لازمت الوالد فلم أزل أصغي عليه حتى عرضت له بعض أشغال فانتقلت بأمره إلى رجل يقال له محمد بن أحمد المساوي كان مهاجراً بالمراوعة لطلب العلم الشريف على يد شيخنا شيخ الإسلام السيد محمد زيد من بني الهجام أهل القطيع وكان شديد الحفظ للقرآن غيباً , كثير التلاوة والبكاء عند قراءته وربما غاب حسه عند القراءة , كثير الصيام للاثنين والخميس , مجتهداً في طلب العلم وفعل الخير, وهو من تلاميذه شيخنا رحمه الله قرأ عليه كثيرا من العلوم وهاجر بالمدينة المنورة على مشرفها أفضل الصلاة والسلام توفي بها رحمة الله وأعاد علينا من بركاته , فاعتنى السيد المذكور بتعليمي أشد الاعتناء وأحبني محبة عظيمة فلما أكملت عليه الغيب لازمت سيدي الوالد ملازمة عظيمة أدرس عليه القرآن , وكتب لي إلى شيخنا شيخ الإسلام أن يجعل لي معشرا فيما يراه من العلوم فأمرني بقراءة أبي شجاع فابتدأت فيه عنده , وكنت أقرأ (( الزبد )) عن ظهر قلب على السيد محمد زيد حتى أكملتها وغيبت ((الملحة )) في النحو , ولم أزل ملازما لشيخنا من ابتداء طلبي إلى أن توفي رحمه الله تعالى فقرأت عليه شيئاً كثيرا وسمعت منه وحضرت قراءة غيري عليه , فمما قرأته عليه ((مختصر بافضل)) و (( شرح أبي شجاع )) لابن قاسم الغزي و (( المنهاج)) للنووي و (( فتح الوهاب )) إلى نصفه و (( الزبد )) مع املائه لحواشيها وحواشي ((شرح بافضل )) وحواشي (( شرح ابن قاسم )) وحواشي (( المنهاج )) وحواشي (( فتح الوهاب )) و (( جوهرة التوحيد)) مع إملائه عليها و (( الأجرومية )) و (( المتممة )) وشرحه على (( شواهد شرح المصنف )) وقرأت عليه (( شرح الورقات )) في أصول الفقه لإمام الحرين و (( شرح منظومة الأشخر )) للناظم و (( شرح منظومة المجد اللغوي)) في أصول الحديث للسيد سليمان بين يحيى بن عمر مع تحصيل حواشي شيخنا عليه المسمى (( المسلك الرضي )) و (( شرح ابن حجر على مصطلح الأثر لابن الصلاح في أصول الحديث و (( الجلالين )) مع إملائه لحواشي الجمل والصاوي و (( تفسير الشوكاني )) وكان يثنى عليه ويسميه الحاكم بين التفاسير , و (( تفسير البقاعي )) وكان يعتمد عليه في المناسبات , وتفسير العلامة حقي أفندي بالعربي والعجمي المسمى (( روح البيان )) وفيه مواعظ عجيبة , وتفسير (( المدارك )) والخازن , وكان تدريسه في التفسير في شهر رمضان فقط .

وتوفي شيخنا رحمه الله تعالى وقد بلغنا في القراءة في الجلالية إلى سورة الحديد فرحمه الله تعالى وأعاد علينا من أسراره وبركاته , ومما قرأته في الحديث على شيخنا ((عمدة الأحكام)) وسمعت معه قراءة البخاري سنين كثيرة من وقت سيدي الجد محمد بن عبد الباري رحمه الله تعالى لأني كنت أقرأ معه في رجب كل عام .

ولما توفي سيخنا رحمه الله تعالى عزم عليّ كبار السادة أن أدرس الطلبة وأخلفه في مجلسه وفي الفقه والبخاري وغيرهما , ومن الله علي وله الحمد- بحجتين وزيارتين , الأولى في سنة 1305 والثانية بعدها بسنتين سنة 1307 وحصلت لي إجازات من شيخ الفتوى بزبيد السيد سليمان ابن محمد بن عبد الرحمن بن سليمان عند وصوله إلينا بالمراوعة ومن سيدي الشيخ داود بن عبد الرحمن حجر الزبيدي لما وصلت زبيد سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة عشر , ومن غيرهما كالشيخ داود بن عباس السالمي , ومما قرأته على شيخنا رحمه الله مفيد الحاسب والسبتي والشنشوري , وممن صحبته من العلماء الفقيه يوسف بن مبارك العريشي والفقيه عبد الرحمن الناشري الباجلي , والفقيه أمحمد بن حسن فرج الفقيهي والسيد محمد بن عبد الباقي مفتي زبيد اليوم , له معرفة في حفظ ((ألفية ابن مالك)) لم تكن لغيره , والسيد محمد بن حسن مهدلي من علماء زبيد , فهامه عالم بفنون الشعر حافظ لكثير منه , ومنهم السيد محمد بن عبد الله الزواك من الزيدية , ومنهم محمد بن سليمان حسب الله بمكة , وحضرت درس السيد بكر بن محشي فتح المعين , ومن كبار الأهل السيد الجليل معوضه بن محمد معوضه فإنه صار إمام الصلاة بعد شيخنا, والسيد الجليل أخوه عبد الله بن محمد معوضه فإنه كان من المدرسين الملازمين للجامع والجمعة والجماعة , والسيد أحمد بن سليمان بن عبد الباري فإنه كان من أهل الخمول له معرفة تامة بعلم المساحة والطب والحساب ذا صمت وسكينة وتؤدة أحبني محبة بالغة, وكذلك أخوه إمامنا اليوم السيد محمد بن سليمان بن عبد الباري ذو اجتهاد عظيم وتجرد شغله تلاوة القرآن العظيم والصلاة , وهو قائم بالجماعة وراتب منزل الشيخ الأهدل بعد والده سيدي سليمان بن عبد الباري فهو شيخي قرأت عليه (( الجامع الصغير )) وشيئا من (( سنن أبي داود )) في منزلة الأهدل وكان يأمرني أن أصلي إماما بهم عند غيبة الإمام وكانت طريقته طريقة أخيه شقيقه سيدي الجد محمد بن عبد الباري .

ومن السادة الأفاضل الذين صحبتهم ونفعني الله بم : السيد علي بحر بن أحمد فإنه كان أمرني بعد وفاة شيخنا بالتدريس ودعا لي ولمن قرأ عليّ , وكان هذا السيد دائم الصلح بين المسلمين له صبر عظيم بحيث يصلح بين القبائل البعيدة كبني سعد وحفاش وملحان وجبال ريمه وغيرها , ومن السادة الذين صحبتهم وقرأت عليهم سيدي الجد الحسن بن عبد الباري ولي منه أخذ وعلمني دعاء أدعو به لزيارة القبور وكان بحثنا على زيارة جدنا محمد بن عبد الباري كل جمعة فكنا نزوره ثم نرجع نزور سيدي الجد الحسن فيقرأ لنا الفاتحة ويدعو لنا وهو شيخ مشايخنا .

وممن أخذت عنه سيدي عبد الرحمن بن السيد المذكور فإنه كان صاحب (( سند البخاري )) يقرأه بعد والده وكان رحمه الله تعالى ذا معرفة بالنحو والحديث وغيرهما لأنه يحب الخمول , وممن صحبته وعلمني ولد شيخنا الحسن بن عبده بن أحمد رحمه الله تعالى فإني قرأت عليه كثيراً من المختصرات في النحو والفقه وغيرها .

وأما سيدي الوالد رحمه الله تعالى فهو شيخي والمربي لي وكانت له معرفة تامة بحيث أنه أقراني في التفسير والحديث والفقه والنحو والسير , وبالجملة فهو شيخ تخريجي بعد شيخنا العلامة مفتي الأنام محمد بن أحمد بن عبد الباري . توفي سسيدي الوالد رحمه الله تعالى في شهر شعبان سنة 1310 وله من العمر ستون سنة بجبل نعمان من حفاش , وكان قد قرأ (( البهجة )) ليلة النصف من شعبان ثم مرض ليلة السبت وتوفي ليلة الأحد ولم يطل مرضه بل كان يوماً واحداً ودفن هناك وقبره مشهور بزار ويتبرك به , وكان لسيدي الوالد عبد القادر شقيق اسمه أحمد مات وهو يقرأ : {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}  وكان والدي يحبه محبة عظيمة لما رأى منه في صغره من الطهارة بحيث أنه كان في مرضه يطلب حجراً يستجمر به , مات في صغره وله أحمد صاحب الحال لم يزل مجتهداً في القرآن غيبة على الحقير وابتدأ في طلب العلم بهمة عليه على شيخنا محمد بن أحمد فغيب ((الزبد)) و (( الجزرية)) و ((الملحة )) و ((الألفية)) وقرأ ((بافضل )) و (((باشجاع)) و ((القاسمي )) و ((المنهاج)) إلى أثنائه بل كان يحفظه غيباً وكذلك ((الرحبية)) وكان ملازما للجامع ليلا ونهاراً ثم اشتغل بأوراد حفيفة قرب وفاة شيخنا , وكان مبتلي بالسواد فتغير حالة واستهتر في الذكر وغاب عن الوجود كطريقة السيد علي باري والسد حسن باري , ولم يزل في هذا الحال حتى حج وزار على قدمه وهاجر بالحرمين مدة ثم رجع وقد أرادوا حبسه بالمدينة لما رأوا من أحواله ووصل في رجوعه إلى أبي عريش فكتب إلينا الفقيه يوسف بن مبارك والتاجر محمد صعدي أن يجيء له وقد زوجوه فلما حصل عليه الحال طلقها , فسافرت بعده أنا والسيد عبد الباري بن أحمد الأهدل وجئنا به , ولم يزل حتى توفي بعده والده شهر القعدة الحرام سنة 1312 بال&#