كُتب أنساب السّادة الأشراف الأهادلة

 

نشر الثناء الحسن

على بعض أرباب الفضل والكمال

 من أهل اليمن

تأليف السيد إسماعيل بن محمد الوشلي الحسني

الجزء الأول

القسم الأول الخاص

بالسادة آل الأهدل

 

 

 

بنو الأهدل :

الأشراف الأهدليين :

أشرع بالكلام عن الأهدليين أهل المنيرة ومن في جهتهم الموجودين في وقتنا هذا وما قاربه ممن عرفتهم أو حققه لي السيد العلامة الأجل الولي الأكمل محمد بن يحيى الأهدل فإن له كمال الإطلاع والمعرفة بأنسابهم وإليه المرجع في هذا الشأن , وقد أذكر غير من بالجهة استطراداً أو عند عروض ذكره , وأما سائر الأهدليين فلا مطمع في حصرهم لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل بركة عظيمة وكثرة جسيمة في ذرية سيدي الشيخ علي بن عمر الأهدل فانتشروا في البلدان القريبة والشاسعة فملأوا آفاق الأرض وطبقوا أرجائها الواسعة وصاروا تحت كل نجم , وقد تصدى لحصر بعضهم السيد العلامة الإمام أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل وصاحب البيت أدرى بالذي فيه فألف في ذلك كتابين : أحدهما : (( نفحة المندل في ترجمة سيدي الشيخ علي الأهدل وتراجم خواص ذريته وأتباعه على النهج الأعدل )) وثانيهما : ((الاحساب العلية في الأنساب الأهدلية )). على أنه ذكر في نفحة المندل ما يدل على ما ذكرته من أنه لا مطمع في حصرهم ولفظه : فائدة , ذكر الشيخ تاج الدين السرجي في ((طبقات الخواص )) عن بعض فضلاء الأهدليين أنه أخبره أن ذرية الشيخ علي الأهدل تزيد على الألف, قلت : وهذا كان في ذلك الزمان وأما الآن فقد كثروا وانتشروا في الأقطار والبلدان بحيث لا يطمع في حصرهم إنسان , وقد أخبرني بعض السادة الأشراف الحسينيين بالتصغير الصالحين العارفين من أهل قشمير بلد في أقصى الشرق أن تلك الناحية فيها أشراف أهدليون , قال : وما كنت أدري أن جدهم الذي ينتسبون إليه في هذه البلاد حتى وصلت إليها فتحققت خبره وعرفت فضله , هذا حاصل ما أخبرني به السيد المذكور وبه يعلم انتشار هذه الطائفة انتشاراً لا يطمع معه في حصرهم ولا تشوف بعده إلى استقصاء ذكرهم , ومن تطلع على مجموع أنسابهم الذي اختصرته وألحقت فيه فوائد عرف تحقيق ذلك وصدق بما هنالك والحمد لله رب العالمين . اهـ. قلت: عني بمختصره هذا (( الاحتساب العلية )) التي اختصرها من (( نظام عقد الجواهر النقية)) وهذا المؤلف قال أنه لبعض فضلاء الأهل ولفظه في الأحساب بعد الآن ساق خطبة الأصل بحروفها, وإلى الآن لم يتحقق لي واضع هذه الخطبة وما إليها من المقدمة المذكورة المرتب عليها المقصود مع أنه لا ريب في كونه من فضلاء الأهدل , وعلى ألسنة بعض العوام من هذه الطائفة أن هذا المجموع من تأليف شيخ مشايخنا بل وشيخنا بالإجازة العامة السيد المحدث الحافظ جمال الدين محمد بن الطاهر بن حسين الأهدل رحمه الله تعالى , وذلك عندي غير صحيح لأمور منها كون المجموع المذكور ينتهي عند ذكر سلسلته إلى اسمه إذ قال وأولد حسين بن الطاهر وسكت , ولو كان فيه تصرف لذكر أولاده أو بعضهم , ومنها أن في عبارته من التطويل وعدم الإحكام ما لا ينبغي أن يكون له , وقد ذاكرت بعض فضلاء الأهدل وأكابرهم ممن له سبق تطلع  على هذا المجموع ومزيد اختصاص به عن واضع هذه الخطبة له ما ظهر لي من كونها ليست لمن مر ذكره لعلها للخطيب يعني الفقيه محمد بن أبي القاسم الأهدل المعروف بالخطيب وكان من سكن المراوعة وله قصائد كثيرة في مدح سيدي الشيخ تدل على حسن قريحته وإن كان فيها بعض تسامح, هكذا كان جوابه لي وهو ظاهر في عدم تحققه للواضع المذكور أيضا , والله أعلم بحقيقة ذلك. اهخـ. وقد استوعب السيد أبي بكر بن أبي القاسم في هذين المؤلفين لا سيما الأحساب غالب بطون الأهدليين وذكر ألقابهم الكثيرة وحقق أنسابهم الشهيرة إذ قد تفرقت بهم الألقاب وخيف من ذلك ضيعة الأنساب فلا هجرة بعد الفتح , وكذلك السيد العلامة محمد بن الطاهر البحر في كتابه (( تحفة الدهر )) فإنه حقق المقال في هذا بما يغني الطالب لبيان الأنساب الأهدلية وتحقق أحسابهم العلية فمن أراد فليطلبه مما هنالك.

لقب الأهدل :

فصل : وقبل الشروع أذكر معنى لفظ الأهدل الذي تلقب به جدهم الشيخ الكبير علي بن عمر , وثبت ذلك على ذريته إلى الآن وغلب عليهم التسمي به , وأذكر طرفا يسيرا في فضائلهم وتاريخ زمن القادم منهم من العراق إلى اليمن , وأول من قدم والسبب في ذلك, فأقول : إعلم أولا أن لفظ الأهدل قد اختلف في معناه على أقوال , فقال السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل في (( نفحة المندل )) اعلم أن الأهدل لقب تشريف وتفخيم وتنويه وتكريم ومعناه كما قال بعض العارفين الأدنى الأقرب , يقال : هدل الغصن إذ دنا وقرب , ولان بثمرته .

وقال بعض أهل المعارف سمي الشيخ علي الأهدل يعني لقب به لأنه : على الإله دل, وفي (( نظام عقد الجواهر النقية في بيان أنساب العصابة الأهدلية)) حكاية عن بعض أهل المعرفة ما لفظه : أصل هذه الكلمة أعني كلمة الأهدل- على الإله دل , فهي كلمتان فصارتا لكثرة الاستعمال كلمة واحدة , كأنه كان يقال علي على الأهدل كما قيل في النسب إلى عبد شمس : عبشمي وإلى عبد الدار, عبدري , والله أعلم . انتهى بحروفه كلام صاحب (( نفحة المندل )) باختصار, ونحو ذلك في (( الطبقات )) للشرجي.

من فضائل بني الأهدل :

وأما فضائلهم على الإجمال فلهم فضائل وخصائص تحصر دونها الأقلام وتكل عن ذكرها الأفهام , فقد قال السيد العلامة عبد الله بن إبراهيم الأهدل في مؤلفه (( إتحاف أهل الإيمان )) ما لفظه : أخبرني الفقيه العلامة الصالح علي بن ناصر الأسلافي رحمه الله وهو من أصحاب سيدي الشيخ الكبير أحمد بن حسن الموقري نفع الله به أنه سمع شيخه الشيخ العلامة العارف بالله تعالى جمال الإسلام محمد بن حسين الإسلافي نفع الله به يقول مراراً أن أولاد سيدي الشيخ علي بن عمر الأهدل يبلغون القطبية ولو عند الموت. اهـ. ومثل هذا الشيخ الكامل لا يقول هذا إلا عن ذوق وشهود وعن خبر محقق كما هو شأن العلماء العارفين بالله تعالى فافهم . اهـ. وذكر العارف بالله عبد الخالق بن علي المزجاجي في شرح القصيدة التي أولها : ( أخرت سبتي عن وصالك للأحد) للناشري في مدح سيدي محمد بن عبد الباري الأهدل ما لفظه بعد أن ساق كلاماً: ولسيدي علي الأهدل ذرية صالحون انتشروا في الأرض وأكثرهم في تهامة من أرض اليمن , لهم المناصب الفاخرة والخيرات المتكاثرة لا تخلوا بلد من قائم منهم لتلقي الواردين وإطعام الطعام وبذل المعروف وإغاثة الملهوب وإصلاح ذات البين إلى غير ذلك من المناقب الجليلة. ومن كرامات سيدي الشيخ علي الأهدل الباقية قدس الله سره أن فناءه في الله وتواضعه لخلق الله سرى في الأولاد لا تلقى  واحدا منهم إلا وهو فإن عن الأوقات الذميمة من العجب والكبر وغيهما , قد أذهب الله عنهم نحوه قريش وتعظيمها بالآباء وقد اختصوا بذلك من بين سائر بني هاشم فإنك ما ترى هاشميا فاطميا غالبا إلا وهو في شرف نسبه غارقا إلا ما كان من هذه العصابة الأهدلية فإنهم فاقوا الناس تواضعاً وأخلاقا وآدابا فطرة ذلك فيهم ولهذا لم يزل العلم والتصوف فيهم إلى يومنا هذا , ثم ساق إلى أن قال : ومنهم سادات المنيرة والدريهمي والمحط والكداديف وغيرهم ما تلقى رجلاً منهم إلا وهو فقيه أو صاحب نسك كما قال القائل :

من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم

 

 

مثل النجوم التي يسرى بها الساري

 

فأما التواضع فهو سار في خاصتهم وعامتهم من سريان سر سيدي الشيخ علي الأهدل فيهم. اهـ. ومن فضائلهم أيضا ما ذكره السيد العلامة البحر في (( تحفة الدهر)) من أن لكلامهم تأثيرا في الكون بقدرة الله تعالى ما تفوهوا به ثبت من خير أو شر غالبا. اهـ. وقال السيد العلامة البدر الأهدل في (( تحفة الزمن )) ما لفظه: وجدت بخط بعض الفقهاء الأخيار فضيلة حسنة لذرية سيدي الشيخ علي الأهدل وذرية الشيخ أحمد بن الجعد وذرية الفقيه عمر بن رشيد المذكور في أهل زبيد أنهم لا يعرضون على النار , وهي مروية عن الفقيه الإمام قطب الدين إسماعيل بن محمد الحضرمي بأسناد متصل في وجادة بخط الفقيه أحمد بن علي وهاس عن خط الفقيه أحمد بن يعقوب بن الفاضل قاضي مدينة القحمة وقد ذكره الجندي في التاريخ ففي خط ابن الفاضل أنه سمع الفقيه محمد بن عبد الله الحضرمي مفتي زبيد يقول أنه وقف على تعليقه بخط الفقيه قطب الدين إسماعيل بن محمد الحضرمي قال : سمعت مناديا من السماء : يا أهل الأرض ثلاثة ذريتهم لا تعرض على النار , فقلت من هم يا رب ؟ فقال : ذرية الشيخ على الأهدل وذرية الشيخ أحمد بن الجعد وذرية الفقيه عمر بن رشيد المذكور في أهل زبيد أنهم لا يعرضون على النار , وهي مروية عن الفقيه الإمام قطب الدين إسماعيل بن محمد الحضرمي بأسناد متصل في وجادة بخط الفقيه أحمد بن علي وهاس عن خط الفقيه أحمد بن يعقوب بن الفاضل قاضي مدينة القحمة , وقد ذكره الجندي في التاريخ ففي خط ابن الفاضل أنه سمع القيه محمد بن عبد الله الحضرمي مفتي زبيد يقول أنه وقف على تعليقه بخط الفقيه قطب الدين إسماعيل بن محمد الحضرمي قال : سمعت منادياً من السماء : يا أهل الأرض ثلاثة ذريتهم لا تعرض على النار , فقلت من هم يا رب؟ فقال : ذرية الشيخ علي الأهدل وذرية الشيخ أحمد بن الجعد وذرية الفقيه عمر بن رشيد من فقهاء زبيد .. انتهى ..

تنبيه : ما ذكر من أن ذرية الأهدل ينالون القطبية ولو عند الموت وأن لكلامهم تأثيرا في الكون بقدرة الله تعالى لا يخفى أن ذلك لخواصهم وأهل الفضل منهم وأن لكل عموم خصوصا, وأما المتضمخون منهم بالمعاصي المرتبكون في ظلمات الجهل فلا اللهم إلا أن يكون قد سبقت له العناية فينزع ويتوب إلى علام الغيوب ويتخلص من ورطات الهلكات والذنوب , فقدره الله صالحة وفيوضات كرمه بالإحسان طافحة وفضل الله ليس دونه حجاب .

أول قادم من بني الأهدل إلى اليمن :

وأما أول قادم منهم فقد وقع الاختلاف في ذلك بين المؤرخين , هل هو محمد بن سليمان جد علي الأهدل أو هو أبو عمر, والأصح الأول فقد قال في (( نفحة المندل )) ما لفظه : وفي بعض التواريخ أن القادم من العراق عمر أبو الشيخ والمعروف ما تقدم من أنه جده محمد . اهـ. وكأنه والله أعلم يشير إلى ما قاله القاضي العلامة محمد بن عبد الله الناشري في تاريخه المسمى بالدرر في الأنساب والسير ولفظه : ومن المنتسبين إلى الشرق أيضا أولاد الشيخ علي بن عمر الأهدل وأصل خروجهم من العراق وهم حسينيون , والقادم اليمن منهم عمر أبو الشيخ علي , وعلي ولد باليمن وكان من أصحاب الأحوال والكرامات وتخرج به وانتسب إليه جم غفير تفرقوا في البلاد وسموا بالشيوخ وظهرت لهم أحوال حسنة .اهـ.  وذكر في (( نفحة المندل )) أيضا ما لفظه : رأيت بعض فضلاء أهل العلم نقل عن الفقيه جمال الدين محمد بن علي أبي بكر القرشي الشهير بالمدهجن رحمه الله تعالى أنه قال في كتابه (( جواهر التيجان في أنساب عدنان وقحطان )) ضمن فضل عقد لذكر الأشراف الأهدليين وآل باعلوي مشائخ حضرموت ما نصه : فأما بنو الأهدل فهم ذرية الشيخ الكبير الولي الشهير أبي الحسن علي الأهدل ابن عمر بن محمد , قدم جده محمد من العراق وهو محمد بن سليمان إلى آخر ما تقدم ذكره وتصويبه , ثم قال : وأما أهل باعلوي أهل حضرموت فجدهم أحمد بن عيسى بن جعفر الصادق , فآل باعلوي والأهدليون يجتمعون في جعفر الصادق , ويقال أن الشريف أحمد بن عيسى المذكور قدم من العراق إلى اليمن على قدم التصوف هو وابن عمه من النسب محمد بن سليمان جد سيدي الشيخ علي الأهدل نفع الله به , وكان قدومهما إلى اليمن في حدود سنة أربعين وخمسمائة تقريبا, فأقاما عند بني عمهما من النسب أِراف الحسينية البلدة المعروفة بوادي سردد , وفيهم يومئذ الشريف حسن بن يوسف الحسيني فأكرمهما غاية الإكرام وأنزلهما المنزلة التي لا ترام , وكان سيدا كريما فاق أهل عصره في الكرم والشجاعة وحسن الأخلاق هو وأخواه إبراهيم وأحمد , ثم بعد ذلك انتقل محمد بن سليمان المذكور إلى وادي سهام وتوطن بقرية المراوعة , وذهب ابن عمه أحمد بن عيسى إلى حضرموت واستوطن هناك وحصل لكل منهما شهرة وذرية طيبة نفع الله بهما وبأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين . انتهى ما ذكره الجمال المدهجن في هذا الفصل. انتهت عبارة (( نفحة المندل )) ونحوها في (( طبقات الشرجي )) و (( خلاصة الأثر)) وأما سبب خروجهم من العراق فهو الفرار بالدين من الفتن كما ذكره السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم في (( نفحة المندل )) ناقلا له عن العلامة بحرق في ترجمة ابن العيدروس . إذا علم هذا فاعلم أن من أكبر مناصب الشجرة الأهدلية الآن قدرا وأشهرها ذكرا وأوسعها في الخافقين جاها وفخرا وأعلاها فضلا على السماكين والشعري منصب ساداتنا الأشراف أهل المنيرة وذلك منذ زمن طويل ما زال يتسلسل المنصب فيهم على نسق سلسلة نسبهم كابرا عن كابر من العلماء الأولياء الأكابر إلى أن أفضى إلى القائم بالمنصب حاليا وهو سيدنا وبركتنا السيد العلامة بدر الزمن وعين أعيان مناصب اليمن العارف بالله عز وجل محمد بن يحيى بن أبي القاسم الأهدل , ولهذا قدمته في اذكر مبتدئا به على ترتيب السلسلة من الطرف الأدنا لتحققي ومعرفتي بمن تفرع منها نظير ما مر في الكلام على ساداتنا الأشراف بني القديمي .

 

محمد بن يحيى الأهدل وأولاده :

فأقول أنه في تاريخ شهر ذي القعدة الحرام أحد شهور عام 1324 أربعة وعشرين بعد ثلاثمائة وألف قد كنت كتبت له ترجمة مستقلة أتيت فيها بطرف من سيرته الحميدة وسميتها (( الذروة العليا في ذكر ذرف من سيرة سيدي محمد بن يحيى )) فأحببت إثباتها برمتها , وفيها إن شاء الله تعالى الكفاية فيما تقدم من سلوك سبيل الاختصار وصورتها : بسم الله الرحمن الرحيم حمداً لمن اصطفى من ضئاين عبادة من خصه منهم بما شاء , واختارهم ورفع ذكرهم على خلقفه فانتشر حتى صار أعلا من نار على منار , ووفق5هم لمعاملته بأنواع العبادات في الآثال والإبكار, وأحبهم فأحبوه فوضع لهم القبول والجاه في أهل هذه الدار , وأكرمهم يوم الجزاء بالمقام في دار القرار , فأدوا زكاة ذلك وشكروه ببذل معجهم في أنواع منافع خلقه أناء الليل والنهار , فلم يزالوا مقيمين على ذلك مديمين له في الإعلان والإسرار , فهم بذلك وارثوا نبيه صلى الله عليه وسلم والعلماء ورثة الأنبياء كما جاء في الصحيح من الأخبار , والصلاة والسلام على من أنزل عليه , وربك يخلق ما يشاء ويختار , وعلى آله وأصحابه المصطفين الأخيار , أما بعد : فيقول الفقير المتصف بالقصور والتقصير إسماعيل بن محمد الوشيلي الحسني قد من الله عليّ وله الحميد بالوقوف في سوح سيدنا وبركتنا العلامة القطب الرباني الجامع بين شرفي العلم والنسب والمرتقى فيهما أعلا المنازل والرتب المستمسك منهما بأقوى سبب الولي الأكمل السيد محمد بن يحيى بن أبي القاسم الأهدل , حرس الله مقامه وأحسن في الدارين مثواه ومقامه آمين , فلازمته مدة طويلة من الأعوام وطاب في لب تلك الربوع والمنازل المنيرة التردد والمقام , وطالما خطر في الذهن الكليل , وسنح في البال الفاتر العليبل , أن أتشرف بذكر طرف من سيرته الحميدة وحسن أحواله وأفعاله السديدة , ولم أزل أحاول ذلك لأحظى بما هنالك فلم تساعد المقادير , وحالت دون ذلك المعاذير من الأهوال الحائلة  والأحوال الهائلة وتكدر الزمان والله المستعان , وأين الصفا هيهات من عيش عائش وجنة عدن بالمكاره خفت , ولما رأيت العوائق جمة والآفات القاطعة عن الفضائل مدلهمة نبذت ذلك ظهريا وقلت لمطي العزم هيا هيا وهلم ما تهيا , وشرعت في ذلك سالكا سبيل الاختصار لأني لم يكن لي على سلوك سبيل البسط في ذلك اقتدار , مبتدئا بذكر نسبه الشريف مسلسلا بآبائه الكرام إلى أن انتهى إلى سيد الأنام صلى الله عليه وسلم ما تعاقب النور والظلام , وقد نظمته في شهر محرم من بحر الرجز وهو:

الحمد لله القديم الأحمد
سبحانه جل عن الشبيه
ثم صلاة الله والسلام
من قال كل نسب وسبب
فأنه متصل مسلسل
وآله وصحبه من شيدوا
وهذه سلسلة من ذهب
منصب أهل القطب بل غوث
محمد قطب ذوي العرفان
ابن أبي القاسم قطب وقته
فرع أبي القاسم من قد لقبا
من انتمى إلى ولي الله
إلى أبي الغيث غدا منتسبا
ابن محمد الشهير يا فتى
نجل أبي القاسم بن محمد
ابن أبي القاسم ابن يحيى
رؤياه في هذا تدل فاسمع
هو ابن إبراهيم قطب العصر
من رفعت نسبته إلى عمر
بصاحب القوس مع الكركاش
فرع تدلى من علي الأهدل
المترقى نسبة إلى عمر
ابن سليمان عظيم القدر
هو ابن عيسى وأبوه علوي
سليل حمحام ابن عون من سما
فرع من الصادق سمى جعفرا
محمد لنا قد بشرا
ابن علي التقي السجاد
ابن الحسين الطاهر الزكي
ابن أخي النبي علي وزيره
من بنت خير المرسلين فاطم
صلى عليه الهل ما ودق هما
هذا وقد نظمته مقصدا
لكنني أرجو إلحاق حزبهم
ونظرة للعبد إسماعيلا
حررته مؤرخا لشهره
في عام أربع مع العشرين

 

 

الملك الفرد عظيم المدد
للخلق فاسلك منهج التنزيه
على النبي ما همى الغمام
منقطع سوى الذي إلى النبي
فاق السماكين وليس يجهل
دين الإله وله قد جددوا
للأهدلي الغوث علت للشهب
اليمن بأٍره والأمن من هول الزمن
ونجل يحيى أهل هذا الشان
ابن أبي الغيث إليه ينتهي
بصفة الصبور نعم المجتبا
سليل أهل العلم عبد الله
له أبو القاسم قد صار أبا
بذي القميصين له قد ثبتا
فرع أبي القاسم ابن أحمد
إليه جاء العلم يسعى سعيا
وفضله فيه أجل موقع
ابن محمد رفيع الذكر
ابن علي ابن أبي بكر اشتهر
ما زال في رضى الإله ماشي
من قدره جاوز أعلا زحل
من قد سمى إلى محمد الأبر
ابن عبد الإله فادر
ابن محمد ذو الفضل القوي
هو ابن موسى الفتى الكاظما
ثم إلى من للعلوم بقرا
ومن علوم الغيب حقا أخبرا
وزين أهل العلم والعباد
شهيد كربلا التقي المرضي
من قام بالخلافتين صهره
بضعته خير نساء العالم
وآله وصحبه وسلما
وعن طريقهم غدوت قاصرا
أو أن أفوز منهم بقربهم
منهم فلا يكون اسماعي لا
محرم الحرام فاسمع وادره
من بعد الف وثلثمائين

 

وهذه سلسلة نسبه الشريف الجاامعة لأسلافه الكرام وسمطه الحاوي لهم كاللؤلؤفي عقود النظام :

سلسلة من ذهب
ونسبة تردد

 

 

منوطة بالشهب
بين وصي وأب

 

وكانت ولادته عافاه الله ونفعنا والمسلمين به وأطال بقاه في عافية بلا محنة آمين في شهر ذي الحجة الحرام عام أربع وستين بعد المائتين والألف , فنشأ في حجر والده نشوءاً حسنا فرباه وأدبه وقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب في صغره, والعناية الربانية تحفة في تلك الحال, والإشارات إليه من أرباب القلوب والأحوال والأبصار ترمقة بعين الاتصال والكمال, ولم يزل في خدمة والده على غاية من الأدب والقيام بحقه حتى اتصل بالمقام بعد وفاة والده وذلك في عام 1286 ستة وثمانين بعد المائتين والألف في شهر رجب, وله يومئذ من العمر اثنان وعشرون سنة , فطلع كبدر الوجود مستنيراً في سماء السعادة وناداه منادي العناية الربانية بحي علي القيام بأعباء المقام والسيادة , فشمر عن ساعد الجد بعزم واعتناء وقام بالمقام قياما حسنا, ولازمه الفقيه العلامة الولي الأكمل عمر بن أحمد الحشيبري فقرأ عليه في الفقه والنحو بفهم ثاقب وقلب للعلوم والفضائل مقبل وخاطب , فأقبل على سائر العلوم بالمطالعة بالجد والاجتهاد وطلب الفوائد من كل صادر ووارد من أهل العلم النافع حتى صار مشاركا في جميع الفنون وقد جمع عدة نافعة من كتب التفاسير والحديث والفقه والنحو وغير ذلك من سائر الفنون , وكان شيخه الذي تخرج به هو الفقيه عمر المشار إليه . ومن مشائخه السيد العلامة العارف بربه والفاني به في حضرة قربه عبد الرحمن بن أبي بكر الأهدل أخذ عنه علم التصوف وقرأ عليه رسالة القشيري وغيها وروى عنه سند البخاري وغيره من كتب الحديث, ومنهم السيد العلامة المتفنن في جميع العلوم والمبرز في منطوقها والمفهوم سيدي الخال محمد بن عبد الله الزواك فقد لازمه كثيرا وانتفع به, ومنهم شخينا السيد العلامة خاتمة المحققين قدوة أهل العلم النافع عبد الرحمن بن عبد الله القديمي فكم قد استفاد منه في علوم شتى لاسيما الأحكام الشرعية التي تجري لديه فأنه كثير التعويل في ذلك عليه , ومنهم ممن نظر إليه بعين العناية عمه أخو أبيه السيد الأجل ولي الله بلا نواع العارف بربه محمد بن أبي القاسم الأهدل وكذلك السيد الصالح الأواه البائع نفسه من الله علي بن عبد الله الأهدل نفعنا الله بالجميع . وللمترجم له كأسلافه الكرام الجاه العظيم الواسع والصيت البعيد الشاسع , بل إنه عافاه الله زاد جاهه واتسع بمفاوز عن أوائله, فقد بعد صيته وانتشر ذكره في القطر اليماني وغيره , وشرق حتى لم يجد ذكر مغرب , وغرب حتى لم يجد ذكر مشرق, فقصده الوفاد من كل مكان شاسع سحيق وجاؤوا إليه رحلا وعلى كل ضامر يأتون من كل فج عميق, وذلك على اختلاف مقاصدهم وشعوبهم ومواردهم فما يصدر كل وارد إليه إلا بقضاء وطره مسور الخاطر قرير الناظر من مصالحة وشفاعة إلى الدول فمن دونهم وطلب قضاء اجة وغير ذلك, ومنهم من يلازمه في الشفاعة بحصول المطر , وبعض العوام يطلبون ذلك في وقت معين كما هي عادتهم في المبالغة في الاعتقاد فيقع ذلك غالباً, وقد جرت عادة الله له بل ولغيره من صلحاء بني الأهدل أنهم تكلموا بشيء إلا ويتمه الله كما ذكر ذلك السيد العلامة محمد بن الطاهر البحر في (( تحفة الدهر )) نقلا عن السيد العلامة محمد بن أبي القاسم الأهدل صاحب المنيرة , قال بعد كلام ما لفظه : وكلامهم له تأثير في الكون بقدرة الله تعالى غالباً إلى الآن ما تفوهوا به ثبت غالبا من خير أو شر . اهـ. فمن كرامات صاحب الترجمة ما أخبر به عن نفسه تحدثا بالنعمة أنه وصل مرة إلى قبيلة الزعلية ليصح بينهم بعد أن وقعت بينهم مقتلة عظيمة وكان المطر قد تأخر عن مزارعهم وكادت تهلك فاقترحوا عليه حصول المطر في ذلك اليوم على أن ما وصلا بصدده سيتمونه له , فدعا الله فاستجيب له وسقوا في ذلك اليوم , ثم أنه خرج عقب ذلك إلى الخشم ليصلح بينهم أيضا فاقترحوا مثل الذي اقترحته قبيلة الزعلية وسقوا في ذلك اليوم , وقد وقع له نظير هذا مع قبيلة الجرابح ومنها أنه توجه إلى والي ولاية اليمن أحمد فيضي باشا لطلب رفع المظالم التي حدثت في بلدة المنيرة والوالي يومئذ في محاربه جبل الظفير بعد أن استولى عليه أهل تلك الجهة فوصل إليه والحرب قائم على ساق وهو يباشر الحرب بنفسه , ولما رجع من الحرب تلقاه صاحب الترجمة بغاية الإكرام والاحترام وطلب منه التوجه إلى الله بأن يفتح عليه الظفير وكان في العادة مع الملوك السابقين لا يفتح إلا بعد سبعة أو ثمانية أشهر لأنه جبل صعب المرتقى , فتوجه حينئذ إلى الله تعالى بالدعاء وقال للوالي توجه على بركة الله وفي هذه الليلة كما قال ورجع مظفرا منصورا وقضى لصاحب الترجمة جميع مآربه ورفع عنه المظالم التي وصل إليه من أجلها فرجع إلى بلده مؤيداً مسرورا , وعند رجوعه اسمتدحته بقصيدة مع التهنئة , مطلعها :

الصبر أفضل ما يقضي به الوطر

 

 

والنصر في طيه والعز والظفر

 

وقد أثبتها برمتها في فصل الحوادث في عام (1323) ثلاثة وعشرين بعد ثلاثمائة وألف . ومنها أن أهل المنيرة كانوا في شدة من الفقر وقلة المال فاجتمع أهل البيع والشراء منهم إليه والتزموا به في الشفاعة في صلاح حالهم الدنيوي فتوجه إلى الله وتضرع فيما طلبوا منه وقال لهم : ستبنون إن شاء الله تعالى دكاكين السوق جميعها بالحجر والطين وكانت وقتئذ مبنية بالخشب والقشاش, ففتح الله عليهم من ذلك الوقت بالدنيا واتسعت تجارتهم وبني السوق بالحجر كما قال , فأكثر البلاد الآن عالة على المنيرة في جلب البضائع منها , بضد ما كانوا عليه قبل ذلك , وأن المبشرات المافية فذلك كثير, منها ما رآه السيد الصالح محمد ابن قاسم دوم وهو أنه رأى حصنا مبنيا قبلي قرية المغيدفية وفي الحصن ثلاثة أشخاص فسألأ: لمن الحصن ؟ فأجاب عليه أحد الثلاثة بأنه لسيد المرسلين وها هو حاضر فيه وأشار إلى أوسطهم فإذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : قل للسيد محمد بن يحيى لا تهم وستملكها شرقا وغربا وشمالا ويمينا والذي شقوا عليك سيشق الله عليهم , ثم إنه رأى مركبا عظيما هناك وفيه رجل ذو هيبة عظيمة فسأل عن الرجل فقيل له هو النبي صلى الله عليه وسلم يريد المنيرة إلى السيد محمد بن يحيى .

وله كرامات كثيرة تركتها اختصاراً, وله الجاه الواسع عند الخاص والعام مقبول الشفاعة لدى الرفيع والوضيع فإذا شفع إلى أحد ولم يقبل شفاعته فقلما يسلم من نكبه كما هو مشاهد مستفيض عناية من الله بخواطره المصونة , وأوقاته كلها معمورة ما بين ذكر وصلاة ودرس قرآن ومصالحة بين الناس ومطالعة علم ومذاكرته وإيناس ضيف وغير ذلك من أنواع الطاعات , وقد قسم أوقاته على ذلك , فغالب النهار وبعض الليل صرفه في المصالحة بين الناس مع الصبر العظيم عليهم, فقد منحه الله سبحانه كثرة الصبر ورحب الصدر ما لا يقدر عليه غيره لا سيما جفاه أهل البوادي فإنه يصبر عليهم ويلاطفهم ويقضي حوائجهم على اختلاف أنواعها كائنه ما كانت , ومع ذلك لا يفتر من الذكر ولا يشغله ما هو فيه عن ذكر الله تعالى , فما زال لسانه رطبا من ذكر الله تعالى وإذا سمع المؤذن وهو في ذلك الحال قام مبادراً إلى الصلاة جماعة , ولا ينام من الليل إلا قليلا بل إنه إذا دخل إلى مسكنه بعد أن يقضي حوائج الناس الخارجة أقبل على قضاء الحوائج الداخلة من تعلقات أهله وغيرهم, فإذا فرغ أخذ في أنواع العبادات من صلاة وتهجد ورواتب وأوراد ودرس قرآن وهو يحفظ القرآن عن ظهر قلب بحيث لا يحتاج إلى النظر في المصحف إلا قليلا , فبعض الليالي يدرس ختمة كاملة يبدأ قرائتها بعدما مضي من الليل ما شاء الله ويختمها وقت صلاة الصبح كما أخبرني بذلك هو عن نفسه وتارة يقارب ختمها وليس هزا لهز الشعر بل ذلك من التأني والتدبر والتفكر ومراجعة ما يحتاج للمراجعة له في التفاسير , ولا شك أن ذلك من اتساع الوقت لما قد وقع لكثير من السلف لأن درس القرآن كله مع ما ذكر من التهج= والأذكار والأوراد والاشتغال بحوائج نفسه الذاتية المتعلقة بالغير في بعض ليل لا يكون إلا كذلك فسبحان الفاتح المانح , فإذا صلى الصبح نام إلى ارتفاع النهار , وهذا نومه دائماً ثم ينتبه ويصلي الضحى ويخرج لقضاء حوائج الناس , فهذا شأنه وديدنه دائماً في محله وتارة يخرج للمصالحة إلى المحلات القريبة والبعيدة بين القبائل في الأمور الفظيعة التي تقع بينهم من النهب والقتل العظيم حتى أن بعض الوقعات تبلغ القتلى فيها إلى خمسين قتيلا وأكثر وأقل , فيصل إليهم وهم في غاية من الحنق والغيظ , كل قبيلة تريد تفني الأخرى قتلا فبمجرد وصوله إليهم يدنون له ويخضعون ويقفون عند كلامهم فيؤلف بينهم ويتركون القتال والعداوة ويختلطون آمنين بعد التنافر والتباعد الكلي فيكون في طي ذلك الصلاح العام , وفي ذلك تظهر له الكرامات التي تردعهم عن نقض ما أبرمه بينهم فيقوم بقيمه ذلك مقام كثيرين فجزاه الله خيراً:

والناس ألف منهم كواحد

 

 

وواحدا كالألف إن أمر عنى

 

وأما تلاوة القرآن في سائر المحلات فمساجده ومنازله ومحلاته كلها معمورة بتلاوة القرآن العظيم فكل موضع مناه مرتب بدرس ليلا ونهارا, وقد يسر الله حفظ القرآن عن ظهر قلب لأقاربه وبني عمه وبعض أهل قريته فهم قائمون بذلك لا يفترون ولا يقصرون والمساجد معمورة بإقامة الجمعة والجماعة في كل وقت ومادرسة القرآن وتلاوة الحديث كالبخاري في كل عام وتعليم سائر العلوم الدينية , وما زال هذا عادته وعادة أسلافه الكرام من قبله من لدن جدهم الكبير والقطب الشهير علي بن عمر الأهدل يتوارثونها كابرا عن كابر كلما تقدس منهم صاحب مقام خلفه في المقام من يقوم به أتم قيام حتى أفضى ذلك إليه :

نجوم سماء كل ما انقض كوكب

 

 

بدا غيره تأوى إليه كواكبه

 

وهو الآن قائم بذلك أتم قيام , موف بما هنالك على أحسن نظام , بل أنه بالنسبة لمن تقدمه من أسلافه اتسعت دائرته وزاد جاهه وعظم منصبه حتى جاوز الجوزاء وبلغ عنان السماء , نفعنا الله به آمين , وللناس فيه اعتقاد عظيم يقصدونه للزيارة والتبرك به من نواح شتى مع التعظيم والاحترام والهيبة والتوقير وإذا لقيه الناس ازدحموا عليه كأنهم لا يعرفونه قبل ذلك, وقد بذل نفسه ووطنها كأسلافه الكرام على المصالحة بين الناس , ومبنى أمرهم هذا مضى عليه السلف وتبعهم عليه الخلف حتى أن بعضهم تسمى باسم الصبور لكثرة صبره , وسيأتي مترجما إن شاء الله تعالى إلى أنم أفضى ذلك إلى صاحب الترجمة فقام بأضعاف ما قام به أوائله وأسلافه , وما ذلك إلا لصلاح نيته والقيام في ذلك لله سبحانه ولهذا تتم أكثر المصالحة بل جميعها على يديه فلصلاح النية تأثير في تمام الأمور , وله محاسب كثيرة منها أنه بنى محلا عظيما للزائرين والمسافرين يسع ثلاثمائة نفس أو أكثر بالحجر والطين بعد أن كان مبنيا بالخشب والثمام , ومنها أنه بنى دائرة عظيمة تجمع نحو عشرين بيتا بالحجر والطين أيضا لسكنى دائرته , وبنى إلى جانب هذه البيوت محلا واسعا طويلا عريضا لإطعام الطعام , وإلى جانب هذا المحل محلا خاصا يقعد فيه في أوقات مخصوصة لمن له إليه حاجة , ومنها الصفة اليت زادها في جامعهم ببناء محكم , ومنها أنه لما سقطت منارة الجامع المذكور التي بناها والده فأعادها كما كانت بعمارة قوية, وسيأتي تاريخ بنائها إن شاء الله في فصل الحوادث الذي ذيلنا به هذا المجموع, ثم إن منازلة لا تخلو من الضيفان دائما قلة وكثرة وتارة يجتمع عنده منهم أكثر من مائة نفس فيقوم بكفايتهم الكفاية التامة متبرعا لوجه الله تعالى ومتخلقا بقوله تعالى : {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا } ومبايعا على الشرط الذي اشترطه بعضهم فيمن سلك هذا الطريق وهو توسيع الوسائع وإشباع كل جائع وإيواء كل ضائع , هذه الطريق من شاء أن يبايع فليبايع فإنه عافاه الله أخذ من هذا بالحظ الوافر ودائرته الخاصة به يجمع نحو مائتي نفس على الحقيقة لا مجازفة , ولو قيل إنهم أزيد من ذلك لم يبعد من خاصة ومماليك وخدم وتجمع كثيرا ممن لم يكن له كافل من الفقراء والأيتام والمساكين والأرامل مع الشفقة والرحمة والرأفة بهم :

ثمال اليتامى والمساكين لم يزل

 

 

أبا لهم يحنو عليهم ويرأف

 

فجميع هؤلاء قائم بكفايتهم ومؤنتهم بغير تضجر ولا إكتراث , وما أحقه وأولاه بقول حسان بن ثابت رضي الله عنه يمدح بعض ملوك بني غسان وقد قالوا أنه أمدح بيت في كلام العرب :

يغشون حتى ما تهر كلابهم

 

 

لا يسألون عن السواد المقبل

 

فهذا هو الكرم الفياض والسماح المطلق فانظر بعين الانصاف إلى من يمون كل يوم مائتي نفس ما عدا الضيفان مع السماحة وطيب القلب وطلاقة الوجه هل يترك من الكرم شيئا, ومع هذا لا يخلو كل يوم من القاصدين للصلات والمواسات فيصلهم ويواسيهم ولا يرجع من قصده خائبا ولسان الحال ينشده مخاطباً:

من أم بابك لم تبرح جوارحه
فالقلب عن جابر والكف عن صلة

 

 

تمشي تحدث ما أوليت من منن
والعين عن قرة والأذن عن حسن

 

ومع هذا كله فلم يعرف له من أسباب المعيشة غير الزراعة أو ما فتح به السميع العليم من صلة الزائرين في بعض الأوقات, وما ذلك إلا كرامة ظاهرة وبركة من الله إليه سارية سائرة, وما هي بأول بركتهم وفضائلهم وإذا أردت الإطلاع على ذلك وما منحهم الله به من الكرامات والبركات والفضائل فانظر المؤلفات التي ألفت فيهم خاصة من التواريخ كمنفحة المندل وفيهم وفي غيرهم كتحفة الزمن وتحفة الدهر, تقف على العجاب وتنظر ما يحاور فيه أولوا الألباب , ولا بدع في ذلك فهم أهل هذا الشأن ولا سيما وهم أهل البيت النبوي , وقد تولى منهم القطبية جمع كثير من لدن جدهم الولي الشهير علي بن عمر الأهدل إلى أن يتوارثونها كابرا عن كابر , وقد جرت عادة الله بأنه لار ينزع السر من أهله فمنهم والد المترجم له كما سيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى في ترجمته , وبالجملة فصاحب الترجمة قد تخلق بالأخلاق النبوية فهو على غاية من حسن النية وصلاح الطوية وسلامة القلب ولين الجانب والرحمة للصغير والتوقير للكبير وحسن الأخلاق وطلاقة الوجه والبشر لكل من لقيه من صغير وكبير ورفيع ووضيع وذكر وأنثى :

أخلاقه نكت في المجد أسيرها
لو زرته لرأيت الناس في رجل

 

 

لطف يؤلف بين الماء والنار
والدهر في ساعة والأرض في دار

 

وقد أخذ بنصيب وافر من العمل بقوله تعالى : {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ} بحيث يلقي من يتحقق عداوته له بالإجلال والإكرام فتزيد منزلته عنده أضعاف ما كان قبل ذلك فينقلب العدو له صديقا لما يرى من صنعه معه تحقفه من نفسه العداوة الشديدة , ولله در القائل مضمنا للآية المذكورة مع الاكتفاء :

بمكارم الأخلاق كن متخلقا
وانفع صديقك إن أردت وداده

 

 

ليفرح عرف ثنائك العطر الشذى
وادفع عدوك بالتي هي فإذا الذي

 

ومحله حرم آمن من لاذ به نجا , ومن لجأ إليه فهو إلى حصن حصين لجأ . وقد ذكر السيد العلامة محمد بن الطاهر البحر في (( تحفة الدهر )) أن من فضائل أهل المنيرة أن من قتل قتيلا وركب على تربتهم أو على تربة أبي بكر الأصم عفى عنه بدون قود ولا دية,. وله حب عظيم لزيارة قبور الأولياء , مولع بذلك بحيث يتكلف المشقة في الوصول إليها من بعد لا سيما العشرة الذين باليمن فهو يكثر من زيارتهم , وقد زار جميعهم إلا ابن جعدار وصاحب حلي لبعدهما عن الديار , وله مطالعة ومراجعة كثيرة في كتب التصوف والرقاق مع العمل بما فيها والمواظبة على الأذكار المأثورة والنوافل المؤكدة وغيرها لا سيما الرواتب والضحى والتهجد , وقد قرأت عليه بحمد الله كتبا نافعة إن شاء الله عديدة من كتب التصوف كرسالة الإمام القشيري مع مراجعة شرحها للقاضي زكريا و ((الحاشية على الشرح )) للعروسي و (( سيرة العامري )) المسماة ببهجة المحافل و (( التنوير في إسقاط التدبير )) لابن عطاء الله و (( شرح الحكم العطائية )) أيضا و (( طبقات الخواص )) للشرجي و (( إتحاف أهل الإيمان المصدقين بأهل الله في كل زمان )) للسيد العلامة القطب الغوث عبد الله بن إبراهيم الأهدل وغير ذلك من الكتب النافعة , وقرآتي لهذه الكتب بأمر منه تحصل له قبل القراءة إشارة بذلك إما يقظة أو مناما كما هي عادته من أنه إذا أراد فعل شيء أو تركه أو توقع حدوث أمر في المستقبل فلابد أن يقع له بذلك إشارة فحينئذ يعرف أن هذه خيرة الله تعالى فيمضي للفعل أو الترك بحسب ما ظهر له .

وله منامات صادقة لا تخطئ غالبا وتارة تأتيه الإشارة من صاحب المقام الأكبر والمشهد العظيم الأنوار المشهور بعالي المقام من هو قائم عنه بالنيابة في المقام والمكان والملاحظ بعين الرعاية لمن ناب عنه في كل لحظة وزمان سيدي القطب افرد عبد الله ابن عمر الأهدل , وهذا بحسب ما يظهر ويخبر به نفسه وإلا فيحتمل أن يكون ذلك من باب الكشف وأن ما يخبر به على تلك الصورة من قبيل التعمية لأنه يحب كثيرا إخفاء الكرامات ويجتهد في كتمانها ما أمكنه إلا عند الاحتياج إلى إظهارها , وعند الله حقائق الأمور.

وله وقت يخلو فيه من الناس غالباً إلا من بعض خاصته وهو من صلاة الظهر إلى أول وقت العصر يستعمل فيه أكل القات لأنه شديد الحب للقات الطيب بحيث إنه إذا لم يحصل له منه ما يريد يشق عليه ذلك كثيراً, وذلك أنه يحصل له منه نشاط عظيم يستعين به على القيام بحقوق الناس والمصالحة بينهم وعلى الخروج لصلاة الجماعة وقيام الليل وتلاوة القرآن والمواظبة على الأوراد , ولي بحمد الله معه ملازمة تامة في هذا الوقت وفيه كانت قرآتي للكتب السالف ذكرها , وهذه ملازمة لي خاصة وأما الملازمة العامة فهي في كل وقت كان فيه بارزاً للناس حظراً وسفراً, فالحمد لله على ذلك وله الشكر على ما هنالك والمسؤول من الولي جل وعلا أن يديم لي ذلك وأن يشملني ببركاتهم ويدخلني في عدادهم وإن لم أكن أهلا لذلك , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((المرء مع من أحب)) جوابا لمن سأله الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم, وأن يرزقني كمال الأدب معهم والتسليم لهم وعدم الاعتراض عليهم فيما يرى ظاهرة مخالفا لعلماء الظاهر , فصاحب الترجمة وإن كان متقيداً بالشريعة المطهرة في جميع أحواله بحيث لا يصدر ولا يورد ولا يقدم على فعل أمر إلا على جادة الشرع بعد السؤال من العلماء فيما يحتاج للسؤال عنه , ولكن بعض الأمور قد لا تتأتى  إلا بالسلوك بما يخالف ذلك ظاهراً ثم يظهر في طي ذلك الصلاح العام , وإنكار أهل الظاهر لمثل ذلك معذورون فيه وأسوتهم قصة موسى والخضر, وهذه علوم ذوقية لا تدرك إلا لأربابها كما قال بعضهم علوم ذاقها من ذاق لا من اشتغل بالأوراق فإن لم تكن منهم فسلم لهم ومن كان قاصرا عن درجتهم فقلما يسلم من الاعتراض والإنكار عليهم إلا من عصم الله , وقليل ما هم , وقد وقع ذلك لكثير فضللوا وكفروا وما سلموا فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , قال ابن عطاء الله في (( الطائف المنن )) ما لفظه : وقد قال الجنيد رضي الله عنه التصديق بعلمنا هذا ولاية وإذا فاتتك المنة في نفسك فلا يفتك أن تصدق بها في غيرك فإن لم يصبها وابل فطل, وقد قال بعض العارفين التصديق بالفتح لا يكون إلا بالفتح ومصداق ما قال هذا العارف قول الله سبحانه وتعالى : {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ} وقال سبحانه : {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ} وقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} وقال : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} وإذا أراد الله بعبد خيرا جعله من المصدقين لأولياء الله فيما جاؤوا به وإن قصر عقله عن إدراك ذلك فمن أين يجب أن لا يهب الله تعالى لأوليائه إلا ما تسعه عقول العباد , وقد قالوا يخشى على المكذب لهم سوء الخاتمة , وقد قال أبو تراب النخشبي : من لم يصدق بهذه الكرامات فقد كفر , أي غطى عليه الأمر . وسنرى شهود قدرة الله تعالى . اهـ.

ولصاحب الترجمة أولاد أخيار صالحون سيأتي ذكرهم إن شاء الله تعالى قائمون بخدمة والدهم مع غاية الأدب , لا يرفعون أصواتهم عنده , ولا يحدون النظر إليه ولا يقعدون عنده في محل مرتفع , ولا يكلمونه إلا إذا كلمهم . ولهم فيما بينهم من حسن الأدب مالا يوصف فلا يصدر أحد منهم ولا يورد إلا عن رأي باقيهم فترى الكبير منهم يخاطب الصغير مع كمال الأدب والرحمة والشفقة لا يعبس في وجهه ولا يخش له الكلام حتى كأنهخ هو الصغير والمخاطب الكبير , وصغيرهم يخاطب الكبير مع التوقير والحياء منه كأنه والده جبلة وتأديبا على ذلك من الله سبحانه وتعالى وبينهم وبين مملوكهم الحقير راقم هذا كوالدهم سيدنا المترجم له من المودة الأكيدة والمحبة الشديدة مالا يتطرق إليه إن شاء الله تعالى نقض ولا إبطال ولا يدخله نقض ولا زوال , كيف لا وقد تسنمو ذروة سنام المجد وارتقوا محلا شامخاً من حسن الجوارح والوفاء بالمودة والعهد واتصفوا بقول القائل:

أحب المرء ظاهره جميل
مودته تدوم لكل هول

 

 

لصاحبه وباطنه سليم
وهل كل مودته تدوم

 

فهم ذوو همة صادقة في طلب السادة والمعالي , وأصحاب عزم صحيح في اقتناء ذلك يفوق الكوكب العالي :

صغيرهم ككبيرهم في اقتناء على

 

 

من تلقى منهم تقل لا قيت سيدهم

 

وقد أمتدح سيدنا المترجم بقصائد كثيرة فمنها هذه القصيدة التي امتدحه بها السيد العلامة محمد بن عبد الله الزواك المشتملة على أنواع الجناس :

إن المنيرة أحييت بمحمد
أحيا مآثر سادة كانوا بها
أحيى ابن يحيى مع تأخر عصره
أرسى مقاريه لفيض موائد
ولديه أٍفار العلوم بأٍرها
مستصحبا منها لما هو نافع
فرد عليه مهابه وجلالة
فإذا الحوادث أشكلت بين الورى
لا زال في العز المنيع وجاهه
ومباركا في عمره وممكنا
وبعيده العيد السعيد مقابلا
وعللا علاه تحية مشمولة
ممن له في وده وولائه
هذا وصل على النبي محمد

 

 

بعلومه وبجوده المدرار
ما بين مقر للعلوم وقاري
ما مات من كرم ومن آثار
شملت لباد في الأنام وقار
مبذولة للمستفيد القاري
للوقت في حضر وفي أسفار
تحمي حماه وليس بالجبار
حلت شكيمته عرى الأضرار
الجاه الوسيع مسهل الأوطار
بمقامه المخصوص بالأنوار
برضاه في صوم وفي إفطار
بالود في علن وفي أسرار
قدم على قدم التمكن جار
والآل والأصحاب والأنصار

 

وكتب إليه أيضا هذه الثلاثة الأبيات :

أبا السلوك فأنت عمدة أهله
وإذا الهموم تفرقت أسبابها
حتى يصير الهم هما واحدا

 

 

فاشرح به صدرا يقوم لحمله
فاجعل همومك كلها من أجله
بشهود ذلك صادراً عن أصله

 

وقد امتدحه العبد الفقير بقصائد منها هذه القصيدة , قلتها مباركا ومهنيا له بعيد الفطر :

قف في حمى أهل ذاك الناد مفتقراً
والزم لأعتاب أهل منكسرا
واعكف على حبهم في كل آونة
لاسيما قطب أهل الله قاطبة
أعني بذلك نجل المصطفى نسبا
يا سيدا قد صغى بالقرب جوهره
فقد رقى لمقامات شرفن به
أكرم به من إمام عمر سؤدده
لقد غدا وأزاخير الورى كرما
وراثه يا لها في الناس مكرمة
وحسن أخلاقه تنبيك عن منن
يا سيد الناس فقت الخلق وارتفعت
وأنت عيد الورى فليهنهم شرفا
إذا أنت ملجاؤهم في النائبات فيما
وليهن أنجالكم واللائذين بكم
وصل رب على المختار من مضر
والال والصحب ما شن الغمام وما

 

 

وبع حياتك فالبراق منه شرا
لعل بالقرب منهم تبلغ الوطرا
فإن في حبهم ما ينتج الظفرا
ومن به طاف غوث الوقت واعتمرا
محمدا ابن يحيى نوره بهرا
فمثله ما رأى طرفي ولا نظرا
وحاز شأوا رفيعا قدره ظهرا
كل الملا ولذا جاهه انتشرا
ونال جاها عظيما ما ورا ورى
علما وحلما وتوفيقا به ذكرا
ورأفة بالورى فاسمع لها خبرا
بك المعالي تفوق الشمس والقمرا
بك التهاني لمن قد صام أو فطرا
لله درك من غوث لهم نصرا
من كل منتزح قد غاب أو حضرا
ما لاح برق حماهم أو سرى سحرا
غنى الحمام على الأغصان أو هدرا

 

وبالجملة لصاحب الترجمة له علو همة في طلب أنواع المعالي شامخة , وقدم في ذروة المعارف ساعية وزراسخة, قد أخذ من السر على القدم المحمدي بنصيب وافر , وسلك في المنهج الأحمدي سلوك ذوي العرفان والبصائر , ففاق بذلك جميع أهل القطر والعشائر , وسبق به الأوئل والأواخر فصار غرة في جبين هذا الدهر العاطل الفاتر , وهو الآن وقت تحرير هذا وهو عام أربعة وعشرين بعد ثلاثمائة وألف موجود ملازم لما ذكر من الحال التي هي عليها قائم بالمنصب أتم قيام زاده الله من فضله ونفعنا به آمين.

وقد وقف القلم هاهنا محجما عن التطلع إلى ما منحه الله من المعارف الربانية والمواهب اللدنية مقتنعا بالطل عن الوابل ومكتفيا عن الدخول في اللجة بالوقوف على الساحل , لأن ما ذكرته على طريق الإشارة قليل من كثير وقطرة من بحر زاخر غزير, شهرة منصبه وأحواله وسيرته في جميع الأقطار تغني عن التصريح بها ولا مطمع في استقصاء ذلك إلا بمشقة :

فيم اقتحامك لج البحر تركبه

 

 

وأنت يكفيك منه مصة الوشل

 

فاكتفيت بهذه النبذة اليسيرة على سبيل التبرك لتشملني خيراتهم وتعود عليّ نفحاتهم وأحسب في عداد محبيهم فالمرء مع من أحب يسر الله ذلك بمنه وكرمه والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا  الله سبحان ربك ربك العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . وكان الفراغ من ذلك ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر من شهر ذي القعدة الحرام أحد شهور سنة 1324 ألف وثلاثمائة وأربعة وعشرين بقرية المنيرة حرسها الله وأهلها من كل مكروه آمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . هذا آخر الترجمة التي وضعتها لسيدنا العلامة السيد محمد بن يحيى الأهدل في التاريخ المذكور نفعها الله بسره وأعاد علينا من بركاته آمين .

ترجمة أولاد السيد محمد بن يحيى الأهدل:

وصل : وأما أولاده فهم : يحيى وقاسم وعبد الله وأحمد وعبد الباري وأبو الغيث وإبراهيم وحسن وعلي وسليمان وأمحمد. فأما يحيى فهو أكبرهم وأبركهم , كان مولده ضحوة يوم الأحد السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر أحد شهور سنة 1209 تسعين بعد المائتين والألف فنشأ في حجر والده نشوءاً حسنا وقرأ القرآن على الفقيه الصالح محمد الزهراني ثم تمممه على السيد العلامة عبد الله بن محمد دوم الآتي ذكره إن شاء الله تعالى , ثم تفقه على السيد العلامة إبراهيم بن عبد الله دوم الآتي ذكره أيضا , وكان في  أول أمره ذا استقامة حسنة وهيبة نشأة عظيمة وهمة عالية في طلب معالي الأمور الدينية والدنيوية , قائماً بخدمة والده مع الأدب التامومباشرة الضيفان بحسن أخلاق وطلاقة وجه , وإكرام وإنزال الناس منازلهم ولين جانب وسلامة صدر, ولما بلغ من العمر إحدى وعشرين سنة طرقة حال وجذب رباني فاصطلم وأخذ عن الإحساس بحسب الظاهر والله أعلم بحقيقة الحال , واستمر من ذلك الوقت على ذلك إلى وقتنا هذا وهو عام 1328 ثمان وعشرين بعد ثلاثمائة , ولا شك أن ذلك وراثة من جهدهم الولي الكبير والعلم الشهير ( علي بن عمر الأهدل ) وللمترجم له إقامة خفية في بعض الأوقات ويجري على لسانه في هذا الحال مكاشفة وخوارق عادات وقلما يوجد اناس من بني الأهدل في بلد إلا وفيهم من هو بهذه الصفة ففي المنيرة منهم أربعة أشخاص هذا وغيره ثلاثة , وفي المراوعة أحد عشر, وفي زبيد كذلك , وقد ذكر السيد العلامة أبو بكر بن أبي القاسم في (( نفحة المندل )) جملة صالحة حقق فيها حال السالك والمجذوب وقسم الجذب والسلوك إلى أنواع فاطلبه إلى شئت .

فرع : وأما قاسم : فهو أكبرهم سنا بعد يحيى وأعلمهم , ومولده ظهر الخيمس التاسع والعشرين شهر رجب الحرام أحمد شهور سنة تسعة وتسعين بعد المائتين والألف فنشأ في حجرة والده نشوءا حسنا مجانبا للهوى الذي يتعاطاه الصبيان عادة إلى أن شب وترعرع وهو على ذلك , عجب ربك من شاب ليس له صبوة , وقرأ القرآن على السيد العلامة عبد الله بن محمد دوم والسيد الأجل الصالح قاسم بن محمد الأهدل وأكمله على السيد الأجل محمد بن أبكر دوم والفقيه الصالح إبراهيم بن إبراهيم المقرني , ثم قرأ في مختصر أبي شجاع والأجرومية والملحة على الفقيه العلامة الحجة أحمد الجبرتي , قم قرأ على العبد الفقير في الفقه متن الزبد حفظها عن ظهر قلب وكذلك متن الألفية لابن مالك والنحو والمنهاج للنووي مع مراجعة الشروح كالمحلى والتحفة وقبلة شرح ابن قاسم علي أبي شجاع وشرح الرحبية في الفرائض المسمى بالسبتي وفي النحو شرح الأزهري على متن الأجرومية والمتممة , ثم أعادها ثانيا مع شرح السيد العلامة محمد بن أحمد عليها المسمى بالكواكب , وحصة من البخاري وبلوغ المرام حتى صار مشاركا في الفنون , وله من كل فن مسكة صالحة يتوصل بها إلى  غيرها , وهو الآن ملازم للقراءة بجودة فهم ثاقب وذكاء مفرط أسأل الله الكريم أن ينفعنا وإياه بذلك, وله همة عالية وقدم إلى المثابرة على سلوك سبيل الخيرات ساعية مع القيام بوظائف الدين والمعاونة لوالده بكاية الواردين إليه والوافدين على غاية من التقوى وحسن الاستقامة وحسن الأخلاق ومباشرة الضيفان بالإكرام التام وطلاقة الوجه وإنزالهم منازلهم, وله صبر عظيم على معاناة الزراعة ومقاساة مشاقها في الوادي والضاحي مع حسن السياسة لذلك , ولهذا يحصل له منها ثمرة عظيمة تقوم غالبا بكفاية دائرة والده لأن له حفظا عظيما في صلاح الزراعة , وله كمال الأدب مع والده والوقوف عند إرادته مع ملاحظة خواطره في حركاته وسكناته ., وما شغله ذلك عن طلب العلم والاشتغال بتحصيله , وهو الآن موجود على خير من ربه قائم بذلك موف بما هنالك جزاه الله خيرا, وقد بسط الله له المحبة الكثيرة في قلوب الناس مع الهيبة والإقبال التام والجاه الواسع ونفوذ الكلمة لديهم وقبول لمصالحة بينهم لا سيما بجهة الوادي سردد وذلك في حياة والده بذلك معاون له عافاه الله آمين , وله ثلاثة أولاد. محمد مولده يوم الخميس خامس شهر شوال أحد شهور سنة 1321 إحدى وعشرين بعد ثلاثمائة وألف , وعبد الباري ومولده . سلخ ذي القعدة عام ستة وعشرين بعد ثلاثمائة وألف , ويحيى وولادته يوم السبت ثاني وعشرين ربيع الأول سنة 1328 أنبتهم الله نباتا حسنا وبارك فيه آمين , وبيني وبين والدهم المترجم له كمال المودة والأخوة كسائر أخوانه , وقد كتبت إليه هذه الأبيات وهو بالكدراء يزرع أرضهم الكائنة بوادي سرد من تلك الجهة بعد أن وصلني منه كتاب ((وقد طال النوى) وهي هذه وفيها نوع من أنواع البديع يسمى مراعاة النظير :

سلام على من حل في وسط مهجتي
وقد أخذت قلبي ربوع نواضر
حميد المساعي من كرام عشيرة
تجلت على كل الأنام وألبت
ألأبا سيد السادات هل أنت راحم
فجيش النوى قد كر في ضعف قوتي
وقد جاءني منكم كتاب مكرم
وما عذر صب ما لى قط حبه

 

 

وإن غاب عن عيني وخيم بالكدرا
فمذ حل في أرجائها أصبحت خضرا
به غوثنا يا صاح في السنة الغبرا
وما تركت للناس بيضا ولا صفرا
قتيل فراق ما استطاع له صبرا
ونصرتي العظمى بجيش اللقا قهرا
بما عندكم قد باح والتمس العذرا
سوى الوصل لولا الشغل بالغرب والحمرا

 

وصل : وأما عبد الله فمولده ليلة الجمعة العاشر من شهر رمضان الكريم أحد شهور سنة 1301 إحدى بعد ثلاثمائة وألف ونشأ في تربية والده وكفالته , ثم قرأ القرآن على يد السيد الأجل الصالح قاسم بن محمد الأهدل , ثم تفقه على يد العبد الفقير فقرأ متن أبي شجاع ثم أعاده مع شرحه لابن قاسم والزبد والملحة حفظهما عن ظهر قلب وبعض (( متن المنهاج )) للنووي و (( متن الأجرومية )) ثم مع شرحها للأزهري وحصة من المتممة بذهن وقاد وطبع سليم لسلوك سبيل الخيرات منقاد, ومع هذا كان لا يترك الأسباب في ابيت والشراع وله حفظ في ذلك, ثم إنه ترك ذلك وزهد فيما هنالك وأناب إلى الله وأقبل عليه بكليته مداوما للأذكار أناء الليل والنهار والصيام والقيام بالليل  والنهار وإدمان مطالعة كتب التصوف والرقاق والعمل بها فيها, وقد رويت له مرائي منامية تدل على أنه له شأنا عظيما, منها أن السيد الأجل الصالح أبكر بن عبد الله دوم الأهدل رأي النبي صلى الله عليه وسلم واضعا يديه اليسرى على كتف المترجم له وظهره وسبابة يديه اليمنى في فيه يديرها فيه ,  ومنها أن والده رأى النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ضمدين ثيرة إعانة له على ذلك فقال المترجم له لواده: أين كانت هذه من وقت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن ؟ فقال له والده : كانت في علم الله تعالى , فقال له: أعطني منها ضمدا , فأعطاه . وغير ذلك:

وبالجملة فهو غاية من حسن الاستقامة وحسن الأخلاق معاون لأخيه على أكمل الوجوه جزاهم الله خيرا, وقد رحل إلى المراوعة في شهر رجب سنة 1326 لزيارة جدة الولي الكبير علي بن عمر الأهدل والتبرك بالموجودين من العلماء والأولياء فكتب له السيد العلامة محمد طاهر بن عبد الرحمن أجازة في سند عال صورتها : الحمد لله أقول وأنا الحقير الأقل محمد طاهر بن عبد الرحمن الأهدل أني أجزت السيد الجليل عبد الله بن محمد بن يحيى في سند البخاري عن السيد المساوي الأهدل عن والده السيد محمد بن المساوي بن عبد القادر بن محمد بن عبد المولى الأهدل صاحب الكداديف عن السيد جمل الليل باعلوي عن ابن سند الغلابي عن القشاشي موالكوراني والعجمي والعجل عن القطب النهرواني عن الطاوسي عن (( سيصد سالة )) عن (( شاد بخت )) الفارسي عن البذل الختاني الفربري عن الإمام البخاري رضي الله عنه قال :

تعديت طوري والحجي غير عاذري

 

 

رضى بارتقاء ما راتقاه الأكابر

 

انتهى ما كتبه السيد المذكور نفع الله به آمين , وللمترجم له من الولد: يحيى وعلي ومحمد وأبو الغيث أنبتهم الله نباتاً حسنا , وولادة محمد بن عبد الله في شهر ذي الحجة سنة 1325.

فرع : وأما أحمد فمولده في يوم الجمعة سلخ ذي القعدة أحد شهور سنة إحدى بعد ثلاثمائة وألف , نشأ في حجر والده وقرأ القرآن على السيد الأجل الفاضل قاسم بن محمد الأهدل , ثم قرأ في مختصرات الفقه والنحو على العبد الفقير وحفظ بعض المتون كالزبد والملحة , وبينما هو على ذلك إذ أدركته العناية الربانية ولاحظته الرعاية الرحمانية فرأى السيد الأجل الصالح أبكر بن عبد الله دوم الأهدل رؤيا منامية كأن عم المترجم له السيد العلامة الأجل الولي الأكمل قاسم بن يحيى الأهدل سأله عنه يقول له : كيف أحمد ؟ أما أخوانه الكبار فقد سقاهم ابن عمر وأما هو فصاحب المقام الكبير, فبعد هذه الرؤية زهد في الدنيا وأقبل على عمل الآخرة بصدق نية وصلاح طوية ولازم الأذكار أناء الليل والنهار , وطلق النوم وأحيا الليل بالتهجد في الأسحار , فهو لا ينام من الليل إلا قليلا مع الخوف من الله , والبكاء من خشية الله , إذا سمع موعظة أو آية عذاب أو زجر لا يملك عينيه , وإذا وقع في يده شيء من عرض الدنيا أنفقه في وجوه الخير مع خفاء الصدقة ما أمكنه . وهو الآن موجود ملازم لذلك مثابر على ما هنالك لا يفتر ولا يقصر عافاه الله وجزاه خيراً آمين .

فرع : وأما عبد الباري فمولده يوم الجمعة ثامن شهر شعبان أحد شهور سنة اثنين بعد ثلاثمائة وألف فنشأ نشأة عظيمة في تربية والده وكفالته , وقرأ القرآن على السيد قاسم مقدم الذكر ثم تفقه على الفقير فقرأ متن أبي شجاع ثم أعاده مع شرحه لابن قاسم عليه , وحصة من المنهاج , وحفظ متن الزبد والملحة وبعض الألفية عن ظهر قلب ومتن الأجرومية ثم أعاده مع شرح الأزهري عليه , وحصة من المتممة بفهم ثاقب وذكاء , وكان ذا استقامة حسنة وأخلاق مستحسنة وسلامة صدر ولين جانب , حسن التلاوة للقرآن , وكان مولعا بحفظ المدائح النبوية لا سيما مدائح عبد الرحيم البرعي فكان كثير الحفظ لها , وقد قلت مهنيا له ولأخيه أحمد سابق الذكر بعرس :

بدر السعادة أشرقت أنواره
والبشر قد طلعت طوالع شمسه
وخيامه ضربت بأرجاء الربي
والغصن مال تحثه ريح الصبا
وكواكب السعد المنيرة أسفرت
يروى أحاديث الوصال معنعنا
والبين يطوى لانقطاع حديثه
والأنس وافا مسرعا لما بدا
وافا يجر ذيول عز في الربى
ما ذاك إلا أن سادات الورى
أعني صفي الدين ثم وجيهه
فازوا بعرس في لييلات الرضا
يا ليلة غرا فيها سرى
فليهنكم طيب الوصال فأنه
وكذاك أخوتكم ومن والاكم
وليهن والدكم إمام أولى التقى
يا سيد السادات يا علم الهدى ؟
يرجوكم ناظر عقدها في نظرة
إن كنت غصنا في رباك فاسقه
وصل الصلاة على النبي مسلما

 

 

فغدا بسيطا في الأنام شباره
من أفقه فبدا لنا استبشاره
بين الربوع فأنبعت أثماره
بالنشر يبدو زهوه وفخاره
بل طالع الأفراح أن مزاره
عن كل عدل صححت أخباره
يوم النوى فتفرقت آثاره
وجه السرور وأشرقت أقماره
بسعوده والحنس بان فراره
أنجال بحر زاخر رياه
من أحرزوا جاها تسامى داره
قد فاق حسنا نظمه ونثاره
فلك السعادة لاح منه سراره
قد جاء على قدر لكم اظهاره
من قد بدا منكم كذا حضاره
تاج السيادة لا تغيط بحاره
يا من له الشأو الرفيع مناره
فادركه يا من لا يخيب جواره
ماء الحياة لتستقيم ثماره
والآل والأصحاب هم أنصاره

 

وبالجملة فالمترجم له كان حسن السيرة طيب السريرة, ذا تقوى ودين رصين, وقدم في سلوك سبل الخيرات مكين, ما زال على هذا إلى أن دعى إلى رحمة الملك الغفار فلبي مسرعا إلى دار القرار في عنفوان الشباب , وعظم بفراقه المصاب :

يا كوكبا ما كان اقصر عمره

 

 

وكذا حال كواكب الأسحار

 

وقد قلت مرثيا له عند ذلك :

خطب أتى مسرعا من حادث عظما
وغادر القلب لا ينفك ذا وله
وأظلم الكون لما انقض كوكبه
وذاك أن وجيه الدين سيدنا
وما تحققت أن البدر يأفل في
حتى تغيب بدر الدين في حدث
أو آه وأواه كآبتنا
وجيه دين الهدى بحر تموج ذكا
بر تقي نقي الردن منذ نشآ
قد كان سر سراه في الحقيقة إذ
نودي فلبي سريعا نحو مسكنه الحق
ما هذه الدار للسكنى بصالحة
وقد علمت بمن فيها قضى فمضى
فاغفر له سيدي واجعل له بدلا
واحفظ بفضلك يا ذا الفضل والده
كذاك أولاده أسد الشرى كرما
عليك يا سيدي بالصبر تحظ بما
هذي طريقتكم ما تجهلون بها
يا سيدي البدر يا قطب الوجود أما
إني معزيك لأني على ثقة
كذاك أولاده أسد الشرى كرما
والأهل والصحب والأحباب قاطبة
الصبر يا سادتي فالصبر محمدة
وصل رب مع التسليم يتبعها
والآل والصحب التابعين لهم

 

 

فعم كل الورى من عظمة وطما
وصبر الجسم مضني قد سقى السقما
ليلا كذا كوكب الأسحار إن هجما
وابن سيدنا نودي فجاد بما فيه اكتفا
أصل الثرى إن هوى من فوق كل سما
وابتز منا قلوبا معه واندما
لفقد من قد علا فوق العلا وسما
لهفي عليه لقد أودي فيا أسفا
للأهدلي القطب حقا قد سما ونما
سرى إلى خازن الفردوس مغتنما
الجدير بأن يأوي له كرما
بل هي ممر فدعها وترك الوخما
وصار اعفى ديارا للبلا رسما
مبوءا جنة الفردوس والنعما
شمس الوجود وقطب الوقت والعلما
واملأ بهم غابة وامنعهم النقما
حظى به الأولون السادة القدما
وأنتم أولى بها ممن مضى كرما
في الصبر نص كتاب الله فاغتنما
من الخلود فمن ذا قد رجى  سلما
كبيرهم وصغير ما أتى الحلما
وكل من في العزا حق له عظما
فمن تصبر نال الفوز واغتنما
على الذي للعلى فوق السما سما
السادة القادة الأخيار والحكما

 

وكانت وفاته رحمه الله ونفعنا به في ليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر رمضان الكريم أحد شهور سنة 1326 ستة وعشرين وثلاثمائة وألف ولم يعقب , وقد كان قبيل وفاته يقرأ سورة يس.

فرع: وأما أبو الغيث وإبراهيم وحسن فمولد الأول في ثلاث وعشرين مضين من شهر جمادى الآخرة عام تسع بتقديم المثناة وثلاثمائة وألف , وولادة الثاني في اليوم الثالث والعشرين من شهر جمادى الآخرة عام عشر وثلاثمائة وألف , وولادة الثالث في شهر رمضان أحد شهور سنة عشر بعد ثلاثمائة وألف , وكلهم نشأوا في كفالة والدهم عافاه الله وتربيته على أحسن الأحوال وقراءة القرآن على السيد الأجل الصالح الفاضل علي بن أبكر دوم, وتفقهوا على يد العبد القير , فأبو الغيث وإبراهيم قرأ الزبد والملحة عن ظهر قلب ومتن أبي شجاع ثم أعاده مع الشرح لابن قاسم ومتن الأجرومية وشرحه للأزهري , والآن هما يقرآن في المتممة ومتن المنهاج , وقرأ حسن أبي شجاع والأجرومية وبلوغ المرام , وهم الآن مشتغلون بالطب مع حسن الاستقامة وطيب الأخلاق وتلاوة القرآن لاسيما أبا الغيث فإنه حسن التلاوة عافاهم الله وفتح لنا ولهم باب العلم النافع آمين. ولأبي الغيث ولد اسمه محمد ولد سلخ ربيع الأول يوم الربوع سنة 1332.

فرع : وأما علي فولادته في شهر رجب الحرام أحد شهور سنة ثمانية عشر بعد ثلاثمائة وألف , وسليمان في شهر ذي الحجة الحرام سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وعشرين وامحمد في شهر جمادي الأولى سنة ألف وثلاثمائة وثلاثة وعشرين , فعلي يقرأ الرآن , ولكهم في سن الصباء أنبتهم الله نباتاً حسناً آمين .

فهؤلاء : أولاد سيدي محمد بن يحيى وأحفاده ترجمتهم على سبيل الاختصار فأكرم بهم ذرية امتطت صهوة الفضل والمفاخرة , وتبخترت بحلل السيادة والشرف في الأول والآخر :

أرى كل عود  نابت في أرومة
بنو الصالحين الصالحون ومن يكن

 

 

أبي منبت العيدان أن يتغيرا
لآباء صدق يلقهم حيث صيرا؟

 

الولي الشهير يحيى بن أبي القاسم الأهدل :

وأما والده يحيى بن أبي القاسم فكانت ولادته في العام العاشر بعد المائتين والألف تقريبا, وكان من عباد الله الصالحين وأوليائه المقربين ذا أحوال صادقة وكرامات خارقة ومكاشفات عن صدق أحواله مع الله ناطقة , ورث المقام عن والده قاسم بن أبي الغيث في عام ثمانية وأربعين بعد المائتين والألف فقام  به أتم قيام بسيرة سليمة وأحوال مرضية وإخلاص نية وصلاح طوية وصفاء سر وعلانية , فانتشر ذكره في جميع الأقطار وبعد صيته وسار مسير الشمس والقمر من الليل والنهار , وصار له الثناء الحسن في قطري الشام واليمن , ملاحظا بعين العناية الربانية في كل وقت وزمن , مرتضى على أسرار الولاية مؤتمن حتى خلصت من شوائب الأغبار سرائره وتنور باطنه وظاهره وصفت موارده ومصادرة , فكان سريع الكشف , عديم النظير في المماثلة والوصف , دائم الإقبال على مولاه , معرضا في جميع حالاته عما سواهخ , ولا يخاف أحدا إلا الله . بل يخافه الملوك فمن دونهم وتعظمه , ويخضع أرباب الدولة بين يديه وتكرمه , ذا هيبة مذكورة وشجاعة مشهورة , قوي الجنان لا يرهب البطش ولا الحجدثان , شهد له بالشجاعة من اتصافه بها أجلى من الشمس وأظهر (( الشريف الحسين بن علي بن حيدر )) فقال : ما رأيت في اليمن أشجع من السيد يحيى بن أبي القاسم والسيد محمد بن المساوى . ولقد صدق وبر فما عرف الفضل لأهل الفضل إلا زووه , وله منازل بكثرة الوفود والإكرام معمورة وبتلاوة القرآن في كل وقت مذكورة, ومساجد بأنواع طاعات الله مشهورة من إقامة الجمعة والجماعات , وتلاوة القرآن ودرس العلم وإملاء الحديث في سائر الحالات.

وله محاسن كثيرة منها منارة جامع المنيرة , بناها في عام 1274 أربعة وسبعين بعد المائتين والألف في غاية الطول والعمارة ثم إنها طاحت في عام 1325 خمسة وعشرين بعد ثلاثمائة وألف بسبب أمطار عظيمة وسيول عميمة فأعادها ولده السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل مقدم الذكر بأقوى مما كانت وأطول في هذا العام , وكان تمامها في عام ستة وعشرين , ومنها القبة المنيرة الكائنة بالمنيرة على قبر سيدي الولي الكير عالي القمام عبد الله بن عمر الأهدل الآتي ذكره إن شاء الله تعالى.

وأما كراماته ومكاشفاته فهي كثيرة لا تكاد تحصى لأنه سريع المكاشفة , وكأنه في سرعة مكاشفته يرى قلم القدرة يعمل في قلوب العباد, وقد يؤذن المولى  في التحدث بالنعم وبعض الأولياء يؤذن له بالتصرف في الكون ومنهم والله أعلم صاحب الترجمة قد كان من ذلك بالدرجة العليا  لا سيما وقد شهد له بتولي القطبية اثنان من كبار أولياء الله الكرام وهما السيدان الوليان العارفان بالله عز وجل محمد ويحيى ابنا عبد القادر القديميان المار ذكرهما , وكلاهما شهد بذلك وأخبر عما  هنالك فقال إن السيد يحيى بن أبي القاسم صاحب المنيرة تولي القطبية شهرا واحداً والسيد محمد بن عبد الباري صاحب المراوعة تولاها يوما واحداً , وقد أخبرني بذلك من سمعها يتكلمان بذلك من الثقات الأثبات .

وقد شهد له بهذا أيضا السيد الأجل الولي الأكمل المكاشف بأسرار الغيوب أحمد بن قاسم عجلان الآتي ذكره إن شاء الله تعالى وذلك بعد أن سأله السيد الأجل الصالح عبده بن إسماعيل صاحب بيت عكاد وقد وصل أناس من المشارفة من أولاد صاحب الترجمة القاطنين باليمن إلى السيد محمد بن عبد الباري يشتكون عليه بأنه يأخذ منهم دارهم زكاة إبلهم لأنهم أصحاب إبل وبقر فأجاب عليهم السيد بقوله : أما أنتم فيطهركم بها وأما هو فلولا هذا لكان من أشار إليه بأصبعة لمات. فكفى بهؤلاء العلماء الأولياء شهادة.

وقد كان المترجم له قريبا للمريدين وتربيته بالقسم الأول من الأقسام الثلاثة المرورية من (( تحفة الزمن )) عن بعض الصالحين وهو الفقيه الصالح أحمد بن محمد الحرضي الحكمي ولفظه : ومن كلامه رحمه الله : المربين ثلاثة مربي مقال ومربي فعال ومربي بحال , فالمربي بالمقال يقول لأصحابه افعلوا كذا اصنعوا كذا لأنواع العبادات والآداب والخلق الحسن , والمربي بالفعال لا يكلمهم بذلك بل أي حالة أراد أن يتصفوا بها اتصف بها وهو من الصيام والقيام والذكر والآداب ففعلوا كأفعاله , وأما المربي بالحال فأي حالة خطر له أن يتصف بها بعض أصحابه التجأ إلى الله في بلوغه إياها حتى يبلغه الله وربما ألبسه الشيخ تلك الحالة بتصرف باطن وتوفيق من الله بحيث لا يعلم أصحابه بذلك . اهـ. فالمترجم له من أهل القسم الأ,ل وربما اتصف بالقسم الأخير نفعنا الله به آمين .. وسأذكر من كراماته ومكاشفاته شيئا يسيرا فمن مكاشفاته أن السيد الأجل الصالح عبد الله بن أبكر دوم الأهدل صلى بالناس ذات ليلة العصر في المسجد وكان قد طلب إلى الضحى في حادث سرور فاشتغل بذلك في الصلاة وعزم في نفسه أن يطلب الإذن من المترجم له في التوجه إلى الضحى فكوشف السيد بذلك وهو في البيت فخرج مسرعا وأرسل لبعض أولاد السيد عبد الله وقال له : قل لوالدك صلاة العصر الليلة هذه فيها ما فيها, يصلي هنا وقلبه في الضحى , هو مأذون في التوجه , فخرج الولد مسرعا فوجده أباه راجعاً من المسجد فأخبره بكلام السيد فقال : صليت وأنا مشغول بذلك .

ومن ذلك أن السيد الأجل الصالح أبكر بن عبد الله دوم الأهدل طلب إلى الضحى لحادث سرور أيضا للفقيه الصالح (( عبد القادر يعني )) وكان للفقيه ولد قد توجه إلى الهند وانقطع خبره فخرج السيد أبكر من بيته لطلب الأذن من المترجم له في التوجه فكوشف به وهو في البيت فخرج ينادي بعض الخادمين ولم يكن له به حاجة ولكن قصد الإيهام والتعمية , فصادفه خارجاً من البيت فاستأذنه في التوجه إلى الضحى فأذن له وقال له : سلم على الفقيه عبد القادر وقل له لا ينتظر وصول ولده عبد القادر بن محمد فإنه قد مات , فبعد أيام وصل خبره بموته ببلد تسمى بتقالة .

ومن ذلك أنه توجه يوسف عبد من العرب الساكنين بالمنيرة إلى المراوعة لحاجته فرأى حصنا بناه السيد محمد بن عبد الباري فتحدث في نفسه بأن السيد يعني المترجم له لو لم يكن ضنينا بالدراهم لبني مثل هذا الحصن , وكانت منازله في ذلك الوقت مبنية بالخشب والحشيش , ولما رجع يوسف عبد إلى المنيرة وصل إلى السيد ليسلم عليه فبادره السيد بالكلام قبل أن يسلم عليه وقال له : رأيت الحصن أما السيد فما يرضى بالدراهم فستبنى إن شاء الله كلها بالحجر والطين , فوقع الرجل بين رجليه وقال له : والله ما برز هذا الكلام على لساني بل إنه حاك في نفسي فقط, وطلب منه العفو عنه . قلت: ومصداق ما كوشف به السيد أن ولده محمداً صاحب المقام الآن بني المنازل كلها بالحجر والطين الداخلة والخارجة عافاه الله .

ومن ذلك إن إبراهيم باشا جعل بستانا بالحديدة وزرع فيه من أنواع الأشجار وأرسل للسادات والمناصب وعمل فيه مأدبة فدخلوا وأكلوا ومن خرج سأله من البستان فينعته خوفا من شره , ولما سئل المترجم له قال له : البستان طيب ولكن أنت ستعزل وتسافر عنه , فتطير من كلامه وما مضى عليه أسبوع إلا وقد عزل . ولقد اذكرتني هذه القضية قضية أخرى كنت قد رأيتها فيما مضى , هي أن ملكما من الملوك بني بيتا وجعل فيه مأدبة ونادى الناس للأكل وجعل بوابين من خرج منهم سألوه هل رأيت في البيت عيباً؟ فكلهم نعته ولم يذكر فيه عيبا إلا واحد قال : رأيت فيه عيبين اثنين , فأخبر الملك بذلك فقال : سبحان الله ما رضيت بعيب واحد فكيف باثنين عليّ به , فأخضر بين يديه وسأله عن العيبين فقال : تخرب ويموت صاحبها, فاتعظ الملك بذلك.

كراماته :

وأما كراماته فإنها كثيرة فمنها أن شخصا من أسفل بلد الزعلية اسمه المفضل به ولدا وأخ فقتله رجل من بني عباك من الزعلية أيضا , فاستشفع القاتل بصاحب الترجمة ولي المقتول وطلب منه الدعاء والتوسل إلى الله بالبركة في ذريته , فدعا له وما أتى عليه مدّة إلا وقد بارك الله في ذريته فهم الآن قبيلة وكان يوم القضية شخصا واحداً. قلت قد ذكر السيد العلامة محمد بن الطاهر البحر في (( تحفة الدهر)) أنّ من فضائل أهل المنيرة أن من قتل قتيلا وركب على تربيتهم يعفى عنه من غير قود ولا دية .اهـ.

ومن كراماته أن بعض الحاسدين له وشى به إلى محمد باشا, فكتب إليه كتابا يتضمن طلب وصوله إليه فامتنع من الوصول , فأراد البطش بصاحب الترجمة وبينما هو على ذلك إذ سلط الله عليه عسر البول فركب مسرعا إلى الحديدة وما وصل إليها إلا محمولا على أعناق الرجال فاشتد به ذلك فأرسل من يأتي بصاحب الترجمة إليه على سبيل السرعة ولما وصل إليه اعترف بما هم به وطلب منه العفو والدعاء بالعافية , فدعا له وأخذ ماء وقرأ عليه وأعطاه إياه فشربه ولما وقع الماء في بطنه خرج من ذكره حصاة وانطلق البول وكأنما نشط من عقال .

ومنها أنه وصل إلى ضريح الشريف حسن بن أمحمد لزيارته ولما دخل القبة خرج إليه من القبر فقعدا يتحدثان فدخل عليهما رجل من آل بني الخل فقال له المترجم : أما أنت فقد أكرمك الله هذا السيد حسن بن أمحمد ولكن إذا أخبرت ستموت , فطلب منهما الدعاء وخرج , ولما كان ذات يوم لم يصبر الرجل فتحدث بذلك وما أصبح إلا في قبره . وهذا قليل من كثير فإن كراماته ومكاشفاته لا تكاد تنحصر , نفعنا الله به آمين .

وأما الرؤيا المنامية فهي كثيرة أيضا فمنها أن ولده محمد صاحب المقام الآن رأى شخصا في المنام يقول له تريد أن ترى الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ فقال له: نعم , فقال : هو عند والدك , ثم قال له : والدك طيب القلب لأن قلبه على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم .

ومنها ما رآه السيد الأجل الصالح عيسى بن عبد الله من الأشراف أهل بيت عكاد فإنه وصل إلى المترجم له وقال له رأيتني في المنيرة عند سيدي الشيخ عبد الله بن عمر في الحوطة وعنده جمع كبير أولياء ينتظرون وصولك يطلبون الشفاعة بالفرج للمسلمين وهم في ذكر فإنا أنت قد وصلت أنت ونبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والنور قد غشى على الدنيا كلها وخروجكم كان من بيتك الذي دخلت عليك فيه ورجلك بها وجع وهو قد سقاك من قارورة عسلا حتى شربت الذي في القارورة كله بدون مشارك له في ذلك وأنا أنظر بعيني والنبي صلى الله عليه وسلم يدعو ويشفع للمسلمين , وقال : إن شاء الله حصل الفرج ثلاثاً, ويقول للجميع كلهم : هذا المقدم قد أقمناه فيكم , قالوا كلهم : سمعا وطاعاً يا رسول الله , وهو يشير إليك , وبعد ذلك قمنا إلى محلك وذلك الجمع كله بعدكم وجعلت لهم مائدة كبيرة ثم تفرقوا ما بقي أحد وأنت والنبي صلى الله عليه وسلم رجعتم إلى البيت الذي خرجتم منه ليس معكم ثالث , هذا آخر الرؤيا .

ومن الإشارات التي حصلت له على يد غيره أنه لما مات والده أبو القاسم وأقيم هو مقامه وصل عنده السيد المكاشف الولي الكامل إبراهيم بن أحمد صاحب الحدادية معزيا وبينما هم في منزل المترجم له في حضرة عظيمة إذ صاح وغشى عليه , ولما أفاق قال رأيت بيد السيد يحيى سيفا لو ضرب به جبل ملحان لقطعه .اهـ.

ولنقتصر على هذا القدر من ترجمة هذا الولي الكبير والعلم الشهير إيثارا للاختصار وكانت وفاته ليل الأحد من شهر رجب الحرام عام ستة وثمانين بعد المائتين والألف , فعمره ستة وسبعون سنة , وله ولدان : أحدهما محمد وهو أكبرهما سنا وقدرا وهو الذي ورق عنه المقام وقد سبق مترجما هو وأولاده مع ذكر أحفاده , وثانيهما قاسم.

قاسم بن يحيى الأهدل :

كانت ولادة قاسم بن يحيى في شهر جمادى الأولى عام 1265 خمسة وستين بعد المائتين والألف فنشأ نشوءاً عظيما في حجر والده وتربيته وكفالته ونظر إليه نظر إقبال , وقرأ القرآن على يد الرجل الصالح الفاضل الحاج عبد الله بن صالح الحجري , خرج من بلده الحجرية وساح في الأرض إلى أن بلغ أرض الشام كمكة والمدينة وبيت المقدس وما والاها, ولما كان ذات يوم بيت لحم وهو الموضع الذي ولد فيه نبي الله إبراهيم من أعمال بيت المقدس لقيه رجل من الصالحين فسأله عن اسمه فقال له : اسمي عوض , فقال له : بل أنت عبد الله السائح في أرض الله وأرحل من هنا إلى اليمن فإن إقامتك في بلد من اليمن أهلها صالحون وسيحبك فيها رجل صالح اسمه عبد الله وتموت بها , فرحل من بيت لحم ووصل إلى المنيرة وأقام عند السيد الأجل عبد الله ابن أبكر دوم الأهدل يخدمه فأحبه حبا شديدا, وكان كثير العبادة والصيام والقيام والذكر وتلاوة القرآن إلى أن توفي بالمنيرة ودفن فيها , وعليه كانت قراءة المترجم له للقرآن من مدة إقامته فحفظه عن ظهر قلب , ثم أخذ يتفقه على يد السيد العلامة الأجل الولي الأكمل عبد الرحمن بن أبي بكر الأهدل , ثم على يد السيد العلامة الأجل الولي الأكمل عبد الرحمن بن أبي بكر الأهدل ثم على يد الفقيه العلامة العارف بالله عز وجل عمر بن أحمد الحشيبري وبه تخرج فقرأ عليه في افقه والنحو والأصول بفهم ثاقب وصفاء ذهن وجودة حفظ , واشتغل بمطالعة المبسوطات من الكتب كالمحلي على المنهاج و (( التحفة )) لابن حجر و (( النهاية )) للرملي وغيرها حتى وقف بذهنه الوقاد في مدة يسيرة على علوم شتى من علمي الشريعة والحقيقة , وكان يذاكر كل من وفد عليه من أهل العلم والفضل في كل فن كسيدي العلامة الإمام السيد محمد بن عبد الله الزواك فجرى له معه مذاكرة نافعة وحل رموز ومشكلات وعويصات جامعة مانعة فكان يتعجب من ذكائه وحفظه ومشاركته في علوم لم تسبق له فيها قراءة ولا عرف له رحله لطلب العلم ولا شيخ غير من ذكر وما هو إلا وهب رباني وغيث رحماني نزل بأرض قلبه فسلكه ينابيع فتفجرت منه عيون العلوم والمعارف ونبت فيه زرع الحكمة واللطائف وتفتحت منه كمائم ثمرات المعرفة بمولاه والإقبال عليه بكليته والإعراض عما سواه , وكان إذا اشتغل بالمطالعة واستغرق ذهنه فيها بحيث أنه لا يشعر بما وقع عنده , وكان دائم الأذكار في الليل والنهار كثير التهجد بالأسحار على غاية من حسن الاستقامة وطيب الأخلاق والقرب والتواضع وسلامة الصدر ولين الجانب مع الهيبة والتعظيم له في قلوب الناس , وكان حسن الهيئة والصورة تام الخلقة جوادا كريما شجاعا يحب الانبساط إلى الناس محبوبا  في قلوبهم يدل على معروفه , حسن وجهه , وما زال حسن الوجه أهدلي الدلائل , وفي الحديث الشريف : (( اطلبوا الخير عند حسان الوجوه )) رواه البخاري في التاريخ وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج. وكان معاونا لأخيه القاسم بالمقام سيدي محمد بن يحيى مكتفيا في جميع الأمور كالقيامة بالمصالحة بين الناس وكفاية الضيفان مع مباشرتهم بحسن الأخلاق والكلام الخارج وطلاقة الوجه وسلامة الزراعة في الضاحي والوادي مع كمال الأدب له والمسارعة إلى امتثال أمره ما زال على هذا رحمة الله ونفعنا به .

ومن المبشرات الدالة على علو شأنه ما كتبه إلى أخيه المذكور وهو : أعرف أخي أني رأيت اليوم قبل صة الظهر سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام , مكث عندنا ثلاثة أيام ورأيته على الوصف الذي ذكره في صفات المولد وصلى بنا الصلوات في المسجد سرا وجهرا واعتذر من فرض واحد وأمرني أن أصلي ذلك الفرض فلم أقدر حياء منه فقام الجندح على الإمامة من غير إشارة فغلط في أول الفاتحة وأرى أني جلست أنا والنبي صلى الله عليه وسلم شرقي المعتكف وأسقاني من إبريق له وأخرج لي كسرة خبز يقول إنها من مَن , وأكل قبلي وقال : ما أحلاها, ثم ناولني فأكلتها وكان عنده اتان له وهو متأهب إلى المدينة وأراني ألازمه فاعتذر .

ونقتصر على هذا الطرف اليسير من ترجمته اكتفاء بشهرة حالة عن تسطيره وايثارا للاختصار , واخترمته المنية في عنفوان الشباب فعظم بذلك المصاب ودهشت عنده ألباب أولي الألباب, وكان ذلك آخر ليلة الجمعة الثلاثين من شهر رمضان الكريم أحد شهور سنة سبعة وتسعين بعد المائتين والألف عن اثنين وثلاثين سنة , وصادف تاريخ ذلك العام بالحمل الصغير قوله تعالى : { وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ } ووقع لأخيه سيدي محمد بن يحيى من الأسف عليه ما انفصمت معه عرى الصبر عن رؤيته ومشاهدة ذاته ونضرته , وشاهد حاله يقول :

وكنا كندماني جذيمة برهة
فلما تفرقنا كأني ومالكا

 

 

من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
لطولي اجتماع لم نبت ليلة معها

 

 فقام لشيخه الولي الأكمل عمر بن أحمد الحشيبري : أريد أن أرى الصنو قاسما أيقظه , فلما كان ذات ليلة وقت السحر وهما سامران في محل ليس بينهما ثالث رآه الفقيه قائما عند دعامة هناك فأشار الفقيه للسيد بيده يطلب منه النظر إليه فلم يفهم مقصود الفقيه فغاب فلم يشعر السيد إلا بالفقيه يبكي بكاء شديدا فسأله عن بكائه فقال له الرجل كان قائما عندنا وأشرت لك لتنظر إليه فلم تفهم إشارتي , فحينئذ طلب السيد من الفقيه الدعاء بعصمة قلبه والثبات على الصبر فكان ذلك سببا في التسلي وترك الأسف والحزن عليه . وذكر الفقيه أيضا أنه توجه إلى دير الشبيلي وهي قرية ببلد العطاوية وذلك عند قرب وفاته وبينما هو ذات ليلة يصلي المغرب إذ رأى صاحب الترجمة بعد موته قائما قبله بذاته وصفته غير أن عليه لباسا من الحرير والذهب لا يشبه لباس الدنيا , وعقب ذلك رجع الفقيه إلى بيته بدير محمد من بلد الحشابرة فمرض أياما ومات رحمه الله , وتأتي ترجمته إن شاء الله تعالى :

أبي القاسم بن أبي الغيث الأهدل :

انعطاف : وأما أبو القاسم بن أبي الغيث والد يحيى سابق الذكر فكانت ولادته في شهر ....... سنة 1185 فنشأ نشوءاً كأسلافه الكرام من الإقبال على الله في حال الصغر ملاحظا بعين العناية الربانية في كل ورد وصدر , يحكى أنه دخل ذات يوم في حال الصبا إلى المسجد ومعه صبيان وفي المسجد شخص غريب هندي من أولياء الله فرآهم ذلك الشخص ورد نظره فيهم ولما وقع نظره على صاحب الترجمة صرخ وقال : هذا الولد من كبار الأولياء, ثم لم يوجد ذلك الشخص بعد, ولما شب وترعرع لزم خاله السيد العلامة عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله الأهدل فنظر إليه بعين العناية والاقبال وصفاه وهذبه حتى صار من أهل الكمال والاتصال , وتفقه عليه وبه تخرج, قال في مؤلفه (( الدرة الخطيرة)) ما لفظه : وممن أدركته وانتفعت به سيدي وشيخي وخالي ومن أحياني بعد موتي السيد الجليل العلم الشهير الجامع بين الشريعة والحقيقة جنيد وقته وأوانه عبد الرحمن بن محمد الأهدل رحمه الله فأني انتفعت بأشارته ولحظاته وكان لي كالأم بولدها , وعليه قرأت مختصر أبي شجاع وقرأت شرحه لابن قاسم جميعه وقرأت عليه جميع كتاب (( المنهل )) إلى (( مرافئ المعراج والإسراء )) للإمام الأشخر , وقرأت عليه كتاب (( دلائل الخيرات في الصلوات على خير البريات )) للجزولي , وقرأت عليه الصلاة المسماة (( كيمياء السعادة )) بعد مناولته لي وأمرني بنسخها والمواظبة عليها جزاه الله عني أفضل الجزائ , وهو الذي أمرني أن أخذ اليد والإجازة من سيدي وشيخي قطب الوقت عبد الرحمن بن سليمان الأهدل متع الله بحياته , وتم لي ذلك وسيأتي تحقيق ذلك في ترجمته إن شاء الله تعالى . اهـ. قلت أشار بهذا إلى ما ذكره في ترجمته بقوله: وقد من الله عليّ وله الحمد بالاجتماع به نحو ثلاث مرات وآخر مرة في سنة ألف ومائتين وخمسة عشر مكثت عنده نحو شهرين وطلبت من الباس الخرقة الشريفة, فأسعفني بذلك وألبسني قميصا كان على جسده المبارك وكذا البست لأخواني وسيدتي الوالدة قدس الله روحها وذلك في حياتها , وكتب لي بيده المباركة صورة السند إلى والده سيدي الشيخ سليمان بن يحيى مع ضيق الوقت ووعدني بتمام السند, ثم بعد الإلباس أمرني بالعود إلى الوطن فامتثلت أمره وقبلت إشارته .اهـ. ثم أنه ساق بعد هذا قضية وقعت عليه عند خروجه من زبيد فيها كرامة لشيخه المذكور نفع الله بهم آمين . وله مشائخ غيره ذكرهم في مؤلفه المذكور الذي أنقل منه . وقد كان لجده القطب الولي الكبير أبي القاسم بن عبد الله بن عناية تامة وكذلك لغيره أيضا من العلماء الأفاضل والأولياء الأكابر , ولا شك أن لعناية أهل الله أثرا يدل على أن المعتنى به له شأن عظيم , قال نفع الله به في (( الدرة )) بعد أن ساق جملة من ترجمة جده المذكور ما لفظه : لحقت مدة حياته السعيدة وكان يحبني وهو الذي سماني باسمه يوم ولدت لكون والدي كان غائبا لطلب العلم في زبيد المحمية , وكنت في وقته كثير الاسقام فكان والذي إذا اشتد بي الألم يصل إليه يشكو عليه ما أقاسيه فيقول له : يا أبا الغيث هو ولدي ما هو ولدك فيسكن عن والدي الروع لما يراه متحملا بي , نفعني الله به . اهـ. وممن انفتع به من العلماء الأولياء السيد العلامة محمد بن أبي الغيث بن عبد الله بن أبي الغيث بن أبي القاسم بن محمد الأهدل فإنه قال في أثناء ترجمته له ما لفظه. وهو الذ بلحظه جمعت هذه النسخة ولولا حسن عنايته بي ما وضعت حرفا منها فضلا عن جميعها , وله من العناية بي واشفقة عليّ مالا أحصيه فإني إذا قصصت إليه رؤيا رأيتها أو رويت لي ورأى فيها البشارة فيسر بذلك سرورا عظيما حتى يتبين السرور في وجهه , متع الله بحياته وفسح لنا وللمسلين في مدته , ولقد كتبت إليه يوما لما تراكمت علي هموم النفس وأعوانها أبياتا لا يحق لها الإثبات وإن كانت صحيحة المعنى لكنها مختلفة المبني من حيث الإعراب لقصوري وتقصيري في هذا العلم بل وفي غيره , فأجاب نفع الله به وسقاني من شرابه وجعلني من المحسوبين عليه آمين :

فأنت من القوم الكرام ومن يكن
فمن همه علا المعاني ينالها
علامة أهل الله حسن رجائهم
ومثلك عندي لا يخيب رجاؤه
ولا بد ما في النفس يحصل علاجلا
وقد شهدوا من ليس احصى عدهم

 

 

يلاحظ ما يعلو يرقبه ربه
وأصدق ما قد قيل للمرء همه
ومن يطلب العليا يحسن ظنه
لأني أرى قصدا يصدق عزمه
وتبلغ ما تهواه والخير كله
بأنك ما قد قلته أنت أهله

 

ثم ساق كلاما في غضون ترجمته له يدل على شدة اعتنائه به وكثرة إقباله عليه قال في آخرها: وما تراني أثبت كلامه إلا رجاء أن يحقق الله ظنه في عبده , وكيف لا يكون ذلك وقائلهم يقول من رآني أو رأى من يراني دخل الجنة فما ظنك بمن جعلوه في الخاطر ولاحظوه بتلك النواظر التي قيل فيها نظرة من شيخ لمريد خير له من عبادة ألف سنة على التحقيق .أهـ. وقد اعتنى به أ]ضا غير من ذكر كثير نبه عليهم في مؤلفه المذكور. وقد ورث المقام عن عمه السيد الأجل الولي الأكمل محمد بن أبي القاسم بن عبد الله الأهدل باشارة منه , وكان عمه قد مرض من الفالج وكانت الإشارة في أيام المرض في سنة 1233 فقام بالمقام نيابة عنه وشفى في أثناء ذلك ومكث مدة بحال الصحة ثم توفي في سنة 1236 قال في (( الدرة )) في أثناء ترجمته له ما لفظه : ولما أراد الله سبحانه وتعالى لسيدي العم ما عنده مرض من الفالج وبطل له بعض جنب وهو صابر محتسب ولما تزايد المرض به والعجز وكان ذلك في شهر ربيع الول ليلة المولد من سنة ألف ومائتين وثلاثة وثلاثين أحضر السادة وهم سيدنا الغوث محمد بن أبي الغيث والأخ الصوفي عبد الله بن إبراهيم والأخ العلم قاسم بن عبد الله والأخ الناصح عبد الرحمن بن أبي القاسم وأشار عليهم بقيام الحقير خادم نعله مع أني لست أهلا لذلك, ولا ممن يقوم بما هنالك , فامتثلوا الجميع أمره ودعوا لي بدعوات صالحة ثم ساق كلاما إلى أن قال : وبعد قيام الحقير حصلت العافية للعلم المذكور وصار يمشي ويسافر لليمن والشام وهو على الحال المرضي حتى اخترمته المنية وعظمت بفقده الرزية لكونه لم يخلف بعده مثله وذلك ليلة الخميس السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة ألف ومائتين وستة وثلاثين .اهـ.

ثم إن صاحب الترجمة قام بعد موت عمه بالمقام  قياما حسنا مع إطعام الطعام والمصالحة بين الأنام , وصار محله مأمنا للخائفين وحرما للطائفين به والواردين , من وصل إليه مستجيرا أنجاه , ومن وقف عنده فاز بمطلوبه إن كان صادق الالتجا. وكان نفع الله به من كبار أولياء الله المقربين مكاشفا بالغيوب مبرءا من وصمة الالتفات إلى الأغيار ودنس العيوب , اشتهرت صحبته لأبي العباس الخضر وكان السيد الأجل الأكمل أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم يقول : ابن عمي شيخه الخضر , يريد صاحب الترجمة , وكان كثير الكرامات سريع المكاشفة صادق اللهجة مع مولاه معرضا عن غيره مما سواه , ولعلوا شأنه ومقامه وسمو قدره على السماكين ومقامه جرت عليه في أيام قيامه محن عظام وأنواع مشاق طوام من العرب الطغام كانت سببا في تأليفه للدرة الخطيرة الدالة على فضله وصلاح السريرة :

وليس ينفع قطب الوقت ذا خلل

 

 

في الاعتقاد ولا من لا يواليه

 

وقد كان كثير الصبر عليهم , وحماية الله له منهموقاية , ورعايته له شاملة كافية , ونصرته عليهم في كل وقت ساعية, وسهام الرزايا فيهم رائحة وغادية , وما ضره ذلك ولا حل عرى الصبر منه ما هنالك , ما ضر نهر الفرات يوما لو بال بعض الكلاب فيه, فلم في ذلك اسوة وبمن تقدمه من السلف الصالحين قدوة , وفي الحديث الشريف : (( أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل )) {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} .

وله نفع الله به كرامات كثيرة وإشارات خطيرة فمنها أنه كان ذات ليلة بمنزلته وهي محل نزوله الضيف والوافدين فطلبوا ناراً ليوروا مناه السراج فلم يجدوا فرفع أصابعه فإذا هي تشتعل نارا أو نورا فأوقدوا منها المصباح ثم طفئت .

ومنها ما حدثني به سيدي العلامة محمد بن يحيى صاحب المقام الآن أنه وصل إلى المراوعة فقال له السيد العلامة حن بن عبد الباري : كان بين والدي وبين جدكم السيد أبي القاسم بن أبي الغيث مودة أكيدة , يريد بذلك صاحب الترجمة , وأنه اتفق مرة أن وصل إلينا بالمراوعة فأمرني الوالد بالوصول إليه أنا وإخواتي لطلب الدعاء فدعا لنا , وقال : أنا أرعاكم من المنيرة وفاء بحق والدكم , يريد تصديق ذلك , فقلت له : نعم , فجمع يديه ثم فتحها وقال لي: انظر , فنظرت فإذا أنا أرى إخواني السبعة في كفه. ثم ذكر أن السيد سليمان أخبره أن والده قال له من هنا إلى مكة لم يوجد الآن نظير للسيد أبي القاسم بن أبي الغيث .

ومنها أنه ركب مرة إلى أرضه المسماة بـ (( الشعبرية )) شرقي المنيرة- فإذا رجل يسمى بلغيث عبيه يرعى غنما له في السلام بغير إذنه وكان قد نهاه قبل ذلك فلم ينته , فقال له : إما تركت من رعي السلام وإلا فعلت هكذا , وأشار إليه بأصبعه فسقط  الرجل لوقته وحمل إلى بين ما به حركة , ولما رجع المترجم له من مقصده ذلك طلب منه الدعاء له فدعا له وسقاه ماء قد مج فيه وقال لهم اسقوه إياه وسيشفى ولكن بشرط عدم عوده إلى رعي السلام , فسقوه إياه فشفى لوقته وقام كأنما نشط من عقال .

ومنها أنه وصل مرة إلى أحمد بن علي التويمة من أولاد الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي بالبعجية وكان أحمد هذا من كبار أولياء الله قال فيه المترجم له : لما وصلت إليه كنت نقطة في بحره فاتفق أن حان وقت صلاة العشاء فتقدم المترجم له وصلى بهم وطال السجود حتى سئم من وراءه , ولما فرغ من الصلاة سأل ولد لأحمد بن علي التويمة أباه عن سبب إطالة السيد للسجود ؟ فقال له : يا ولدي يصلي بنا هنا وهو يصلح بين أناس في بيت المقدس . ثم أن السيد أراد المسير إلى ضريح الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي باللحية لقصد الزيارة فقال له أحمد بن علي ستلقاه في الطريق وستكفى تعب السفر , ولما وصل إلى أثناء الطريق لقيه في صورة رجل جبرتي فنزل إليه وتحدثا وقال له الشيخ : ارجع من هاهنا فإن ما وصلت من أجله قد قضي كله, فرجع السيد من هناك .

ومنها أن شخصا اسمه (( أحمد عرس ))  من العرب الساكنين بالمنيرة كان لا يعيش له ولد ذكر فلازم صاحب الترجمة في الشفاعة بحصول ولد يكون من العايشين فمسح بأصبعه على بطن زوجة الرجل فحملت بولد وخرج ذلك الولد من بطن أمه وببطنه أثر أصبع السيد في الموضع الذي وضع أصبعه على بطن أم الولد, وأخبرني سيدي السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل إنه شاهد تلك العلامة في بطن الولد .

ومنها أن ولديه يحيى وأبا الغيث توجها إلى حج بيت الله الحرام ولما كان يوم الوقوف وقع في الحجاج موت ذريع فكوشف السيد بذلك فأخبر زوجته أم الولدين بذلك ففزعت صارخة خوفا عليهما فقال لها : لا تخافي فإنهما في عافية , فوصد بعد أيام .

وكم له من هذا شيء كثير لا يحصى بعد , ولا يستقصى بحد , فكراماته ظاهرة وإشاراته باهرة.

وكم له من كرامات قد اشتهر

 

 

عن صادق القول هم أهل الولايات

 

ولنقتصر على هذا القدر من ترجمته إيثاراً للاختصار , نفعنا الله به ووصل سببنا بسببه , وكان انتقاله من دار الفناء إلى دار البقاء في عام ثمانية وأربعين ومائتين وألف عن ثلاث وستين سنة بالمنيرة , ودفن بها في قبر سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل عند رجلي جده أبي القاسم بن عبد الله الصبور , وذلك بعد أن أشار بقيام ولده يحيى في المقام كما سبق التنبيه عليه في ترجمته .

تنبيه : ما ذكر آنفا من أن صاحب الترجمة لقي الشيخ أحمد بن عمر الزيلعي في الطريق يقظة وذلك بعد مماته لا مانع منه فلله أن يكرم من شاء من عباده وأصفيائه بما شاء, وقد وقع مثل هذا كثير فقد نقل السيد العلامة القطب عبد الله بن إبراهيم الأهدل في مؤلفة (( إتحاف أهل الإيمان المصدقين بأهل الله في كل زمان )) عن الإمام اليافعي ما لفظه : قال الشيخ عفيف الدين اليافعي الأولياء ترد عليهم أحوال يشاهدون فيها ملكوت السموات والأرض وينظرون الأنبياء أحياء كما نظر النبي صلى الله عليه وسلم موسى في قبره , وقد تقرر أن ما جاز للأنبياء معجزة جاز للأولياء كرامة بشرط عدم التحدي .أهـ. وقال في موضع آخر ما لفظه : وقال شيخ الإسلام والمسلمين خاتمة المحققين الشيخ أحمد العيني الحنفي نفعنا الله به : وإذا كان مرجع الكرامات إلى قدرة الله تعالى فلا فرق بين حياتهم ومماتهم فإنهم بمحض خلق الله تعالى وإيجاده لها , أكرمهم بها وأجراها على أيديهم ومشيتهم تارة بدعائهم وتارة بفعلهم واختيارهم وتارة بغير اختيار ولا قصد ولا شعور منهم وتارة بالتوسل إلى الله تعالى بهم , وليس لهم مشاركة للباري سبحانه وتعالى البتة فلا يظن بمسلم بل بعاقل توهم ذلك فضلا عن اعتقاده مع كون ثبوتها هو الحق الذي لا محيص عن وجوب اعتقاد ثبوته . اهـ. فبهذا تقرر جواز وقوع ما ذكر للولي كرامة لوقوعه للنبي معجزة , وقد ساق السيد المشار إليه في كتابه المذكور شيئاً كثيرا من هذا فراجعه إن أحببت الإطلاع عليه .

وللمترجم له من الأولاد أربعة : يحيى وعبد الباري ومحمد وأبو الغيث فأما يحيى فهو أبركهم وأكبرهم سناً وقدرا وجاها , وقد سبق مترجما, وأما عبد الباري فنشأ نشأة عظيمة من صباه حسن الخلق والخلق ونال مقاما عاليا مع صغر سنه ثم اخترمته المنية في عنفوان الشباب ومضى لسبيله سعيدا موفقا حميدا ولم يخلف أحداً.

وصل : وأما أبو الغيث بن أبي القاسم فقد كان من عباد الله الصالحين وقارئا للقرآن, حسن الاستقامة وحسن الأخلاق , متواضعا سليم الصدر , ولم أٌف على كمال سيرته , توفي رحمه الله ونفعنا به في سنة 1282 وله ولد اسمه أبو القاسم كان مولده في سنة .. فنشأ على أحسن الأحوال في حجر أبيه وقرأ القرآن وحفظه عن ظهر قلب وقرأ ما لا يستغنى عنه في صلاح دينه , وكان شديد الحفظ مفرط الذكاء مستقيم اللسان , إذ أملى شيئا أملاه على وجهه بدون لحن ولا تحريف مع طلاقة وفصاحة , وكان حسن الخلق حسن الاستقامة دائم الذكر كثير التردد إلى المسجد لإقامة الجمعة والجماعة متواضعا سليم الصدر , وكان فيه دعابة لطيفة , وبالجملة فكان لا يفتر من أعمال الخير والبر وكان كثير المعاونة لسيدي محمد بن يحيى صاحب المقام , في معناة أمور الضيف والزراعة والاسفار معه في القرب والبعد غالباً, وكان له أرض في الوادي سرددد والضاحي يعاني زراعتها ويتردد إليها , وما زال على الحال المرضى حتى توفاه الله في يوم الثلاثاء سادس وعشرين رمضان سنة 1297 بمرض الجدري ودفن بالمقبرة داخل الجدار نفع الله به , وله أربعة أولاد : علي ويحيى وأبو الغيث ومحمد , فأما علي فكانت ولادته في سنة ...... ونشأ في حجر والده وتربي بينه فنشأ نشئا عظيما مع علو همة وشهامة نفسه , وقرأ بعض المختصرات في الفقه والنحو , ثم رحل إلى بندر الحديدة لطلب العلم فقرأ على السيد العلامة أمحد باري بن عبد القادر الأهدل والفقيه العلامة السامي علي بن عبد الله الشامي والفقيه العلامة مفتي لواء الحديدة عبد الله بن يحيى مكرم والفقيه العلامة فرج بن محمد الحوكي في جملة من كتب الفقه والنحو بفهم ثاقب وإدراك بذهنه الوقاد في مدة يسيرة جملة من الفنون لذكائه وجودة حفظه , ومكث هناك نحو سبعة أشهر ثم رجع إلى بلده المنيرة مستفيدا ممن لقيه من أهل العلم وأرباب الفضل والكمال على غاية من حسن الاستقامة والتواضع والتقوى وحسن الأخلاق وكمال الأدب لخاله سيدي محمد بن يحيى صاحب المقام والمعاونة له كأبيه في بعض الأمور , وكان خاله شديد المحبة له والإقبال عليه لا يخرج إلى محل إلا خرج به معه غالباً لما فيه من علو الهمة وجودة الرأي واللطافة وحسن الأدب مع صغر السن إلى أن اخترمته المنية في عنفوان الشباب , فمعظم بفرقة المصاب , وضاقت على فقده أسفا واسع الرحاب , وتلقاه رضوان خازن الجنان بالترحاب :

هل هو إلا طالع للهدى

 

 

سار من التراب إلى سعده

 

وكان موته بسبب الجدري بالمنيرة في شهر شوال سنة 1305 ودفن بها , رحمه الله ونفعنا به , ولم يخلف أحداً.

أيا صاح هذا الركب قد جد مسرعا
أترضي بأن تبقى المخلف بعدهم

 

 

ونحن قعود ما الذي أنت صانع
صريع الأماني والغرام بنازع

 

فرع: وأما يحيى ومحمد فقرءا القرآن حتى أكملاه , ثم أراد الله لهما الدار الآخرة فاخترمتهما المنية عند مراهقة البلوغ بسبب الجدري , وفاة محمد يوم الخميس في جمادى الثانية سنة 1316 وولادته في شهر ذي الحجة الحرام سنة 1239 .

وصل : وأما أبو الغيث بن أبي القاسم فولادته في خامس جمادى الأولى سنة 1291 وأدرك أباه في حال الصبا فرباه وأدبه ونشأ على أحن الأحوال , وقرأ القرآن على يد السيد العلامة عبد الله بن محمد دوم , وقرأ بعض مختصرات الفقه والنحو كالزبد والملحة والأجرومية ومنت أبي شجاع على السيد العلامة إبراهيم بن عبد الله دوم والفقيه العلامة الحاج أحمد الجبرتي , ثم لما أراد الله للعبد الفقير بالوقوف لدى سيدي العلامة الأجل السيد محمد بن يحيى الأهدل قرأ عليّ في (( شرح أبي شجاع)) لابن قاسم و (( متن المنهاج )) للنووي و (( شرح الأزهري )) على الأجرومية و (( الكواكب شرح المتممة )) للسيد العلامة محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل مع الذكاء وجودة الحفظ وسرعة الإدراك لا سيما في علم النحو , فتح الله لنا وله أبواب العلم النافع . وله الحظ الأوفر من حسن الأخلاق والتواضع وطيب السيرة وصفاء الطوية واسريرة واللطافة وحسن المحاضرة , وبيني وبينه كسائر أخوانه مودة أكيدة نفعني الله بمحبتهم وهو الآن موجود على الحال المرضي , وله من الولد ثلاثة يحيى وأبو القاسم ومحمد , وولادة محمد في سنة 1331 , وأما يحيى فهو قد قرأ القرآن والآن يقرأ عليّ في مختصرات الفقه والنحو , وأما أبو القاسم فهو في حال الصبا أنبته الله نباتا حسنا أمين وولادته في شهر الحجة سنة 1323.

محمد بن أبي القاسم الأهدل :

انعطاف : وأما محمد بن أبي القاسم بن أبي الغيث فكانت ولادته في .......... ونشأ في حجر أخيه يحيى وكفالته وتربيته لكون والده قد توفي وقتئذ إذ هو أصغر إخوانه سنا ولكنه أدرك حياة والده في سن الصبا وأشار إليه بأنه سيكون من أهل الصلاح (( والخمول )) فنشأ من صباه مقبلا على مولاه معرضا عما سواه مجانبا للهو الذي يتعاطاه الصبيان عادة , ملازما لتلاوة القرآن أناء الليل والنهار , وقرأ ما لا بد له منه في صلاح دينه حتى بلغ  نهاية الأوطار , مداوما على الأذكار وإقامة الجمعة والجماعة والتهجد بالأسحار , ذا دين رصين وسكينة وتؤدة ووقار وتقوى وعفاف على غاية من سلامة الصدر والتواضع ولين الجانب وحسن الأخلاق والصمت عن كلام الدنيا إلا فيما يعنيه , محبا للخمول متصفا بالصفات المذكورة في أواخر سورة الفرقان , كثير المراقبة دائم الفكر , إذا رؤي ذكر الموتى لرؤيته , وفاز بالسعد والتقريب  رائيه, وكان كثير العناية والملاحظة لابن أخيه صاحب المقام الآن السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل في الحوادث المهمة والمعضلات المدلهمة فإنه كان إذا نابه شيء من ذلك ابتهل وفزع إلى الله وتشفع بأوليائه إليه في رفع ذلك ودفعه , فيحصل ببركته التأثير والإجابة ويرفع الله البلاء. وكان صاحب كرامات ولكنها كانت قليلة الظهور منه إذ بعض الأولياء يؤذن له بالتحدث بذلك كما كان عليه أخوة يحيى بن أبي القاسم سابق الذكر وبعضهم لم يؤذن له {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} ولما كان وقت ارتحاله من دار الفنا مرض من الجدري ورأى في مرضه رؤيا منامية كأن شخصا قائما بالباب يناديه ويقول له : أخرج لي الأولاد , فقال له : أنا اجيئك دون الأولاد , ولما انتبه بخاطره أن ذلك الرجل هو ملك الموت وكان الجدري قد عم أولاه وغالب أولاده السادة فبروا جميعهم  وأجاب هو دوم نداء المنادي , وخلي منه الربع والنادي , وأسف على فراقه الحاضر والبادي , وكانت وفاته في سنة 1316 ورثاه يوم موته سيدي وشيخي السيد العلامة وجيه الدين عبد الرحمن بن عبد الله القديمي بقوله :

قليل أن يذوب لنا أديمي
أخطب مثل ذا في حادثات
شريف قد حوى كل المعالي
محمد الولي ابن الولي المضيء
زكى أصلا وفصلا ثم ذاتا
وأن البدر حق بأن يرثى
إلى المولى الكريم دعى فلبى
رياض في ظليل الظل فيها
وسندس أخضر هلل حسان
تلقته ملائكة بعسر
أرب الجود أبسط واكفات
وتخلفه على السادات طرا
وثبت بعده الأولاد فضلا
وكن في عود عمدتها المفدى
أبي يحيى أحيا الله أرضا
وعمر دورهم فضلا ومنا
وصلى على النبي والآل طرا

 

 

فعيناي الدموع لذا أديمي
ختام المسك ولي يا نديمي
هدى وتقي ولطفا كالنسيم
القلب من وهب العليم
فما مثل له في ظهر خسيم
وأولى من يرثيه القديمي
إلى الفردوس والفضل العميم
من الألوان ألوان النعيم
ومن مسك وريحان شميم
عزيز القوم ذو الخلق الكريم
من الرضوان للوجه الوسيم
بخير من لدى الفضل العظيم
على الحال القديم المستقيم
ولي الله ذي القلب الرحيم
به تسمى المنيرة من قديم
وعافيهم من الداء الأليم
وصحب ناصري الدين القديم

 

هذا آخر المرثية نفعنا الله به , ودفن داخل الجدار, وله أولاد ثلاثة : يحيى وقاسم وعبد الباري , فأما يحيى  فهو أكبرهم وأبركهم وكانت ولادته في سنة 1269 ونشأ في حجر والده وكفالته وتربيته , وقرأ القرآن على يد الفقيه الصالح عبد الله بن صالح الحجري حفظه الله عنظهر قلب حفظا تاما بحيث أنه لا يحتاج إلى النظر في المصحف إلا نادرا مع حسن الأداء وسرعة التلاوة وطلاقة اللسان وحفظ القراءات وتدبر معاني الآيات وتفهمها والخشوع والمداومة لتلاوته في جميع الحالات يكاد كل يوم يختمه مرة, وقد قرأ من كتب الفقه (( متن أبي شجاع )) وشرحه لابن قاسم و (( متن الزبد)) وحفظ أكثره عن ظهر قلب , وفي كل سنة يملي صحيح البخاري في جامع المنيرة مع استقامة اللسان من اللحن والتحريف , وله من حسن الأخلاق وسلامة الصدر والتواضع والتقوى ما يجل عن الوصف , قليل المخالطة للناس , كثير الخوف والخشية والمراقبة لله , سريع الدمعة , ملازما للمسجد في غالب الأوقات , مداوما على قيام الليل , مواظبا على أداء النوافع , وهو مستجاب الدعوة , أخبرني عن نفسه أنه تزوج عدة نساء ولم يولد له إلى أن أناف عمره على الستين فدعا الله بأن يرزقه أولادا وكرر قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ } فاستجيب له ورزق ولدين , توفي أحدهما وبقي الآخر أنبته الله نباتا حسنا واسمه أحمد , وله غير ما ذكر , وقد أمتحن بقضية تسبب منها حبسه في الحديدة ست سنين وستة أشهر واشتغل في مدة الحبس بدرس القرآن وحفظه وحفظ بعض المتون , ولما أراد الله تخليصه من ذلك رأى السيد العلامة الأجل قاسم بن يحيى الأهدل خيطا ممدودا من قبة سيدي الولي عبد الله بن عمر الأهدل متصلا بالحديدة فسأل عنه فرأى من كان حاضرا عنده يقول له : هذا للولد يحيى متى أردنا نزعة نزعناه به , فما مكث بعد ذلك إلا مدة يسيرة وأطلق منالحبس , وأيضا قبيل إطلاقه رأت أخته وهي من الإماء الصالحات كأن السيد الولي الكبير عبد الله بن عمر الأهدل بيده سيف مصلت يصرب به الأرض ويقول : يحيى ما عليه خوف, يكرر هذا الضرب والقول . فهذا مما يدل على أنه ملاحظ ومعتنى به من أولياء الله الكرام نفع الله بالجميع , وهو الآن موجود على خير من ربه ملازم لما هو عليه لا يفتر عافاه الله آمين .

فرع : وأما قاسم فمولده في ربيع آخر عام 1277 سبع وسبعين بعد المائتين والألف , وقرأ القرآن على يد الفقيه الصالح قاسم بن موسى على يد خالخ السيد العلامة إبراهيم بن عبد الله دوم الأهدل وحفظه عن ظهر قلب حفظا نافعاً, ثم قرأ على خاله المذكور جملة من مختصرات الفقه والنحو كفتحالرحمن وشرح أبي شجاع والزبد والملحة والأجرومية مع حفظ  ذلك عن ظهر قلب , ثم رحل إلى الحديدة لطلب العلم فأعاد قراءة المختصرات المذكورة على السيد العلامة محمد بن باري بن عبد القادر الأهدل والفقيه العلامة علي بن عبد الله شامي والفقيه العلامة عبد الله بن يحيى مكرم , وكانت إقامته بالحديدة نحو سبعة أشهر ثم رجع إلى بلده المنيرة طالبا للإستفادة ممن لقيه من أهل الفضل مقبلا على مولاه , ملازما للأذكار والصلوات جماعة , تاليا لكتاب الله أناء الليل والنهار بصوت حسن وفصاحة وترتيب وتدبير , متواضعا سليم الصدر حسن الأخلاق , وقد قرأ القرآن على يديه كثير من الصبيان , وهو الآن موجود على أحسن الأحوال نفع الله به , وله من الولد ستة : محمد وعلي ويحيى وعبد الباري وعبد الله وبلغيث , فأما محمد وعلي فقد قرءا القرآن وقرأ محمد بعض المتون وله خط حسن والباقون في سن الصبا أنبتهم الله نباتاً وفتح لنا ولهم باب العلم النافع آمين , وقد توفي يحيى سنة 1230.

وصل : وأما عبد الباري فكانت ولادته في شهر ذي القعدة الحرام أحد شهور سنة 1284 أربع وثمانين ومائتين وألف , وقرأ القرآن على يد خاله السيد العلامة إبراهيم بن عبد الله دوم الأهدل وبعض متون الفقه والنحو كالزبد وفتح الرحمن وشرح ابن قاسم على أبي شجاع والأجرومية على خاله المذكور وعلى الفقيه العلامة الصالح عمر بن أحمد الحشيبري , ثم رحل مع أخيه قاسم مقدم الذكر إلى الحديدة لطلب العلم وقرأ أيضا على المشائخ المذكورين ما تيسر من الفقه والنحو ثم رجعا إلى بلدهما المنيرة , وحفظ المترجم له القرآن حفظا نافعا مع حسن الأداء والتلاوة والترتيب والتدبر , وتولي خطابه جامع المنيرة وإمامة الصلاة مع فصاحة وحسن صوت , فلقرآته  للقرآن وخطبته وقع عظيم في القلوب وتأُير يكلاد منه أن يذوب وذلك يدل على إخلاصه وبروزه منه من قلب خاشع فمما خرج من القلب , وقد قال ابن عطاء الله السكندري في الحكم : كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز, وقال أيضا : من أذن له في التعبير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجليت إليهم إشارته , فهو فصيح الخطباء وأخطب الفصحاء , ذو دين رصين وسكينة وتؤدة وحسن خلق وتواضع , وقد حج إلى بيت الله الحرام وعند رجوعه امتدحته بهذه القصيدة مهنيا له ولبعض أهل المنيرة بالحج , وهي هذه :

ترامت بقوم السراير والجهر
إلى مهبط التنزيل من أرض مكة
مقدمهم من طاب فرعا ومحتدا
تقي نقي طاهر الردن مذ نشا
صلالة خير الخلق من نسل هاشم
هنيئا لهم إذا حرموا من يلملم
به لبسوا ثوب التقى وتجردوا
وطافوا طوافا للقدوم وسلموا
وقد شربوا من ماء زمزم شربة
وبين الصفا والمروتين لهم صفت
ومن عرفات احرزوا الأجر عندما
فطافوا به سبعا طواف إفاضة
وثقل ذنوب قد رموها برميهم
ونالوا المنى لما أتوا الخيف من منى
أولئك وفد الله خفا ومن غدا
وجيه الهدى هنيت حجا مباركا
بعودك للأوطان أشرف ربعنا
أهنيك والأحباب من بلغوا المنى
ليهنهم حج عظيم وعمرة
فياليتني كنت الرفيق لحزبهم
ولكنني خلفت عنهم لأنني
أهني جميع الأهل ثم إمامنا
وصلى على طه الشفيع مسلما

 

 

نجائب عزم في سما العلي تجري
وزورة غوث الخلق في موقف الحشر
وجيه الهدى نجل الولي بلا نكر
فسل آخر افرقان عن نعته تدري
نما شرفا للأهدلي أبي بكر
وقد خلعوما ثوب المخيط عن النحر
ملبين شوقا للمقام وللصخر
على الحجر الميمون والركن والحجر
فصحت بها الأجسام من ألم الضر
قلوب من الأكدار بعد صفا السر
أفاضوا إلى البيت المعظم ذي القدر
هنا نورهم يا صاح فاق سنا الفجر
حصى جمرات أطفأت أهب الجمر
وفي عمرة شدت قواهم مى العمر
نزيل كريم فهو في فضله يسر
وقوبلت بالغفران من واسع البر
كعود هلال الأفق في ليلة البدر
ونالوا قبولا لا يحد مع الستر
ومن زار منهم شافع الخلق في الحشر
لعل به طهر يخف من الوزر
ثقيل ذنوب لم يطلق حملها ظهري
وتاج ذرى العرفان قطب أولي العصر
مع الآل والأصحاب ما سجع القمري

 

وهو الآن موجود على خير من مولاه ملازماً لما ذكرناه عافاه الله ونفعنا به , وله من الولد ثلاثة : محمد وأبو الغيث ويحيى أنبتهم الله نباتا حسناً آمين .

فهؤلاء أولاد أبي القاسم بن أبي الغيث وأولادهم وأحفادهم , استوعبت ذكر الموجودين منهم الآن , سالكا في تراجمهم سبيل الاختصار, راجيا أن ينفعني الله بذلك في هذه الدار ودار القرار آمين .

الولي الشهير أبي الغيث ابن أبي القاسم الأهدل:

إنعطاف : وأما والده أبو الغيث بن أبي القاسم فكان عالما عاملاً فاصلا صالحا جوادا ورعا زاهدا تقيا  مطعما الطعام باذلا جهده في الإصلاح بين الأنام , ورث المقام عن والده القاسم بن عبد الله فقام بالزاوية أتم قيام , شاع ذكره وانتشر , وبعد صيته واشتهر , وصار له القبول التام والجاه الواسع عند جميع الأنام , والكلمة النافذة عند الخاص والعام. وله كرامات ومكاشفات كثيرة , وقد أشار ولده أبو القاسم بن أبي الغيث في مؤلفه المسمى بالدرة الخطيرة إلى طرف من سيرته فقال ما لفظه : وخلفه في مكانه يعني جده أبا أبيه ولده سيدي الوالد السيد الجليل أبو الغيث بن أبي القاسم بن عبد الله الأهدل , أقام أتم قيام وساعده الزمان , وكانت المنيرة في وقته دارة بالأرزاق على أهلها وأذعن له الخاص والعام , وكان متحملا عن أهله تكاليف الدولة وغيرهم , وكان رحمه الله كريم النفس عالي الهمة كثير النفع للمسلمين , سالكا على منهاج آبائه محله للصادر والوارد , كثير الصدقات على عادة أسلافه الماضيين , فلما أراد له مولاه الانتقال إلى جواره الكريم مرض مرض البطن فمكث به حولا كاملا حتى صار كالشن البالي وما كنت أشبه مرضه إلا بمرض سيدي الشيخ أحمد الرفاعي نفع الله به , وكان انتقاله ليلة خمسة وعشرين في شهر رمضان الكريم , وعظم به المصائب لكوننا كنا معه في أرغد عيش واهناه حتى تمثلت بقول أبي تمام :

كانت لنا أعوام وصل بالحمى
ثم أعقب أيام صد بعدها
ثم انقضت تلك السنون وأهلها

 

 

فكأنها من طيبها أيام
فكأنها من طولها أعوام
فكأنها وكأنهم أحلام

 

من كرامات صاحب الترجمة :

ومن كراماته نفع الله به ما أخبرني به سيدي الوالد العلامة ولي الله محمد بن أبي الغيث الأهدل متع الله بحياته قال : وصل سيدي السيد أبو الغيث بن أبي القاسم الأهدل عند الجراج في صلح بينهم وبين أهل الشام وكانوا في الخريف والبلاد جدب, ولازموه أشد الملازمة فلما رأى ما بهم قال لهم صونوا الدواب , فما كان إلا قليل وقد تغيمت السماء فمطروا مطرا عظيما وأخصبت بلادهم .

ومنها إني رأيت في بعض الليالي وأنا في المنيرة جمعا كبيرا يهرعون إلى جهة اليمن فخرجت مع ذلك الجمع وسألت بعض الحاضرين عن سبب ذلك المخرج فقال متلقين للشيخ عبد القادر الجيلاني فإذا هو مقبل من اليمن والناس حوله إلى أن قرب منه ثم مر يمشي إلى أن وصل محل سيدي الوالد رحمه الله وجلس على سريرة فرأى أني حدقت النظر إليه فإذا هو سيدي الوالد والناس يقولون عبد القادر , ثم نظرت ثانيا وثالثا فما رأيته إلا سيدي الوالد, وبقيت متعجبا من ذلك حتى انتبهت من النوم , فهذا دلالة على أن سيدي الوالد رحمه الله من ورثة هذا المقام بلا شك ولا ريب , ومن تحقق حاله عرف ما هو عليه من الولاية, وكان رضي الله عنه كثير العطب لمن عارضه من أرباب العرب وغيرهم , نفعنا الله به ورضاه عنا أمين . أهـ.

وقد اتفق أن وقعت فتنة بين العبوس والقحرا فقتل من الفريقين جماعة فاجتمعت العبوس لقتال القحرا والفتك بهم فركب إليهم المترجم له ووصل وهم مجتمعون فقال لهم : ارجعوا واحقنوا دماء المسلمين , فلم يساعدوا وأبوا إلا القتال , فقال لهم : بكره إن شاء الله سأجي عدكم أشفع في سبعين  قتيلا منكن فغدوا على القتال , قتل منهم سبعون فجاء عندهم يشفع كما ذكر لهم ودعاهم بطلبهم بأن يكون فيهم أربعون شجاعاً, فاشتهر بالشجاعة منهم أربعون .

واتفقوا أيضا أنه وقع قتيل من بني الشرفين ثم وصل القاتل راكباً على تربة سيدي الشيخ عبد الله بن عمر طالبا للعفو وذلك على عادة القبائل وعادة السيد التي يسعى بها بينهم ولولا هي لعم الفساد وانتشر ففي ذلك أعظم منفعة , فطلب أولياء القتيل لإزاحة ما بينهم من الشحناء الواقعة بسبب القتل وسد الذريعة , فامتنعوا من الوصول فركب بنفسه إلى دير الشرفين وكم ولي المقتول في الوصول معه إلى المنيرة فامتنع وقال له : لو وجدت القاتل في بابك لقتلته فبدرت من السيد كلمة إن قال له : ستقع اليوم فتنة وسيكون أول قتيل وخرج من فوره متوجها إلى المنيرة فما وصل إلى أثناء الطريق إلا وقد أخذت الزعلية دواب لهم فخرجوا في طلبها واقتتلوا فكان أول قتيل كما قال السيد. ثم قال صاحب (( الدرة )) ما لظفه: فائدة تنمو بها الفائدة وذلك في شهر صفر من شهور سنة ألف ومائتين وست سرت في قافلة إلى بندر الحديدة فاتفق بعد وصولنا من البندر أن لقينا عرب يسمون العطاوية ونهبوا القافلة جميعها وقتلوا ونهبوني من جملة القافلة وهموا بقتلي فحماني الله منهم , وشاع الخبر في البلدة فنفذ سيدي الوالد ومعه أناس إلى محمل الوقعة فلم يجدوا لي أثرا أولا من يخبرهم بخبر فرجع إلى البيت وقد أنسدت في وجهه المسالك فلم يقر له قرار من الوالدة , من شدة تعبها, فرجع صايرا إلى جهة اليمن متعرضا لنفحات ذي المنن , فمر على السيد الجليل إبراهيم بن المساوى الأهدل الملقب بالحرد فتلقاه في الطريق وعزم عليه بالنزول معه إلى محله فأبى , ثم انه طلب من السيد المذكور الدعاء له وللوالدة لما حصل له اليأس فنكس رأسه ساعة ثم رفع وقال : يا أب الغيث ولدك حي وسيطلع الآن من فوق تلك وهي فيكم إلى يوم القيامة , مشيرا إلى وراثة المقام حقق الله ظنه آمين , فلم يشعروا إلا وقد طلعت عليهم من تحت تل يماني قريته وهم في ذلك المكان يتحدثون , فلما وصلت إليهم تغرغرت عين سيدي الوالد بالدموع ثم طلب لي الدعاء من السيد المذكور , ودعوا لي الجميع وروحنا بلدتنا سالمين . انتهى ما ساقه السيد أبو القاسم من الكرامات لوالده نفعنا الله بهم .

تنبيه : تحصل من هذه الحكاية كرامتان للسيد الأجل الولي الأكمل إبراهيم بن المساوى الحرد هما إفادته بحياة ولد المترجم له وقد أيس منه والده, والثانية إخباره ببقاءه وراثة المقام فيهم إلى يوم القيامة وفي ذلك بشارة عظيمة للمترجم له ولعقبه إلى يوم القيامة بهذه المنقبة المنيفة , فلقد صح ما كوشف به هذا السيد الجليد فإنها فيهم من ذلك التاريخ وهو عام ستة بعد المائتين والألف إلى وقت رقم هذا , وهو عام ثمانية وعشرين بعد ثلاثمائة وألف , على نسق شجرة نسبهم ومن قبل ذلك التاريخ فصاعدا في شجرة النسب أيضا إلى سيدي الولي الكبير علي بن عمر الأهدل نفعنا الله بهم وأعاد علينا من بركاتهم , فلسان حال قائلهم يقول :

وإني من القوم الذين هم هم
نجوم سماء كلما انقض كوكب"
أضائت لهم أحسابهم ووجوههم

 

 

إذا مات منهم سيد قام صاحبه
بدا كوكب تأوى إليه كواكبه
دجا الليل حتى نظم الجزع ثاقبة

 

فلم تتوفر أسباب المجد والسيادة من كل طرف في أحد كما توفرت فيهم نفع الله بهم , وكانت وفاته في ليلة خمسة وعشرين من شهر رمضان الكريم عام تسع ومائتين وألف بالمنيرة ودفن بها في تربة سيدي الولي عبد الله ابن عمر الأهدل يماني قبل سيدي الشيخ يحيى بن إبراهيم بإشارة منه في أيام حياته نفع الله به , وله من الأولاد أربعة: أبو القاسم ومحمد وعبد الله وعلي , فأما أبو القاسم فقد مضى مترجما, وأما عبد الله ومحمد فلم أقف على سيرتهما غير أنه أِشار في (( الدرة الخطيرة)) إلى طرف من ذلك وقال : أما عبد الله فتوفي شابا في حدود الاثني عشر بعد الألف والمائتين , وأما محمد فكان قارئاً للقرآن العظيم حافظا له تبصر في معرفة دينه وكان قائما بخدمة الرباط وخدمة الوافدين والفقراء والواصلين , كثير المواساة للمحتاجين , وبعد وفاة سيدي الوالد وقيام سيدي العم استمر على حاله في خدمة الرباط مع الحال المرضي والشفقة على الغرباء إلى أن أراد الله سبحانه انتقاله من دار الأكدار إلى دار القرار فمرض أياما قلائل في بلدة الزيدية وتوفي في شهر رجب الفرد يوم الأحد لعله السابع عشر من شهور سنة 1236 ألف ومائتين وستة وثلاثين , ودفن في مقبرة سيدي الشيخ أبي بكر بن إبراهيم الدهل من الجانب الشامي رحمه الله رحمة جامعة آمين , وخلف ولدا مباركا تسمى بجده نسأل الله صلاحه وفلاحه وأن يبارك فيه وفي ذريته آمين , والفقير وعلى موجودان سلك بنا مسلك أوليائه وعباده الصالحين آمين آمين . أهـ . قلت هذا الولد الذي سمي بجده هو أبو الغيث , ولأبي الغيث ولد اسمه قاسم كان قاسم هذا من عباد الله الصالحين الورعين الزاهدين عرفته في آخر عمره فرأيته مقبلا على الله في جميع أحواله , يتلو القرآن دائما عن ظهر قلب لا يفتر , دائم الذكر قليل الكلام مستوحشا من الناس مستأنسا بالله , متواضعا خاملا متقشفا في الملبس والمطعم , وصل في آخر عمره إلى الصليف فأضافه شخص ممن لا يتورع عن الشبهات طعام فتقيأ جميع ما في بطنه دما , ولم تطل حياته بعد ذلك وتوفي رحمه الله ونفعنا به ليلة الجمعة السادس عشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1296 بالمنيرة ودفن بها ولم يخلف أحداً.

علي بن عبد الله الأهدل :

وصل : وأما علي بن أبي الغيث فله عبد الله ولم أقف على سيرتهما غير أنهما كانا مشهورين بالصلاح والفلاح, ولعبد الله ولد اسمه علي عرفته فرأيته على غاية من حسن الاستقامة وسلامة الصدر ولين الجانب والتواضع والتقوى والعفاف والخشية والإنابة والمعرفة بالله والإقبال على مولاه والإعراض عما سواه , ذا دين رصين وحال في سلوك سبيل الطاعات مكين من قراءة القرآن وتدبره وملازمه الأذكار والتهجد بالأسحار , وكان حسن السيرة طيب السريرة زاهدا في الدنيا معرضا عنها مع سخاء نفس ما وقع في يده منها صرفه في وجوه الخير , وكان مبتلي برياح البواسير مع اصبر الجميل لا يشكو ذلك إلى أحد بل إلى الواحد الأحد, وكان كثير الملاحظة شديد المحبة لسيدي محمد بن يحيى صاحب المقام بحيث أنه إذا حزبه أمر وشق عليه دخل وخرج واهتم وربما تشفع في دفعة فقبلت شفاعته , فمن ذلك أنه وقع والعياذ بالله مرض يسمى الكليري في دائرته وهو إسهال إذا طرأ على الإنسان تغير لونه واسود فيموت بعد يوم وليلة أو يوم فقط , فأخذ بنتا لهم صغيرة ففزع السيد من ذلك وخاف من وقوعه في الأولاد والعشيرة فجاء المترجم له وقال له : لا تخف على أحد منهم فقد قبلت الشفاعة فيهم فوقع المرض في المالك ومات منهم نحو أربعة عشر أمة وسلم منهم السادة ببركته . وقد وقع نظير هذا من الجدري فعم الصغير والكبير فقال للسيد أيضا : قبلت الشفاعة في الأولاد وسيبرأون منه كلهم , فكان الأمر كذلك . وله غير هذا كثير , وتوفي على الحال المرضي في شهر رجب الحرام سنة 1323 رحمة الله وقد رثيته يوم موته بهذه القصيدة :

ما للخطوب تتابعت عثراتها
والنفس كادت أن تذوب صبابة
وانقض للإسلام طود شامخ
لم لا وغوث الوقت سار مسارعا
أعني عليا نجل عبد الله من
فأقرأ لأخرها فذلكواضح
ما بين مشي للهوينا خاشعا
أوقاته معمورة بتلاوة
القانت الأولاه خدن أولي التقى
يا رب فضلا جد عليه برحمة
واخلفه في أهليه  واجبر كسرهم
وأدم لنا قطب الوجود مؤيدا
بارك لنا اللهم في أوقاته
يا نجل يحيى شد أزرك شافعا
حتى يرى وجه البسيطة مشرقا
وصل الصلاة على الني وآله

 

 

والعين جادت بالبكاء عبراتها
وكذا القلوب تصاعدت زفراتها
شقت له الأكباد من حسراتها
نحو الجنان يسيح في ساحاتها
شملت له الفرقان في آياتها
بشمائل صدقت بمحض صفاتها
وقت الهجود يقوم في خلواتها
وكذا دوام الذكر في صلواتها
تمضي له الأوقات في سبحاتها
وافض سجال الخير من بركاتها
واعمر ديارهم باسر سراتها
بنجومه كالشمس في هالاتها
واحفظه من كيد العدى وقعاتها
تنبت لنا الأرضون من غراتها
مبسوطة الأزهار في وجناتها
وكذا الصحاب متابعها أوقاتها

 

ولم يعقب ذكرا غير ولد اسمه أحمد مات قبله , وولادته لي ليلة الجمعة من ربيع الأول سنة 1293.

أبو القاسم بن عبد الله الملقب بالصبور :

انعطاف : وأما أبو القاسم بن عبد الله والد أبي الغيث سابق الذكر فهو الملقب بالصبور وقد اشتهر في وقته بالولاية الظاهرة والأحوال المتظاهرة والكرامات والإشارات الشاهرة والأخلاق الطاهرة والصبر على الخلق وإصلاح ذات بينهم في سائر الأوقات , والاحتمال منهم والحلم عليهم في جميع الحالات , ولهذا لقب بالصبور وثبت عليهم هذا اللقب حتى اشتهر به وصار له الجاه العظيم الواسع عند الخاص والعام من  قريب وشاسع, فكان عندهم مقبول الشفاعة ولديهم نافذ الكلمة مع السمع والطاعة , ورث المقام عن أخيه السيد العلامة الغيث بن عبد الله الأهدل فقام به أتم قيام مبايعا على الطريق المعتبر عند أربابها من توسيع الوسائع وإيواء كل ضائع وإشباع كل جائع . هذه طريقهم من أراد أن يبايع عليها فليبايع , وسيدنا المترجم له ممن بايع عليهم , وقد ذكر حفيده السيد العلامة أبو القاسم بن أبي الغيث في مؤلفه (( الدرة )) طرفا يسيرا من ترجمته فقال كان رضي الله عنه من الأقطاب المحمديين الأولياء العارفين , وكان في المنيرة أشهر من نار على علم, كثير الرحمة والشفقة على خلق الله وراثة من جده المصطفى صلى الله عليه وسلم . وكان نفع الله به من شدة شفقته بالمسلمين صابرا في قضاء حوايجهم والشفاعات لهم إلى الأماكن البعيدة فكان ما يصل ببيته إلا كالغريب من عظم عنايته بأمور المسلمين , وكان رحمه الله مقصدا للقاصدين وملجأ للوافدين , له صدقات خارجة عن الحد, وكان في كل سنة في عيد الأضحى يضحي ببدنه وينفق ذلك على أرحامه الأهدلين في بلدة المنيرة , ويوم عاشوراء يذبح من الثيران وينفق من الطعام شيئا كثيرا ويخص كل بيت في قرية المنيرة من ذلك اللحم والطعام بشيء .

ومكارمه لا تحصى وأما كراماته فلا تستقصى اشتهرت في كل محل , وإنما نذكر منها ما بلغنا تبركا, فمنها ما أخبرني به بعض الثقات أنه سافر هو وإياه إلى قرية بني قيس فنزلوا عند قوم يسمون الحواتم , فاتفق أنه خرج إلى قضاء حاجته فعدا  عليه كلب قطع بعض قميصه فأراد أهله قتله فمنعهم من ذلك وقال لهم : سيموت بغير قتل, ثم إن الكلب استدار ساعة وخرّ ميتاً.

ومنها ما أخبرني به سيدي الأخ العارف أبو القاسم بن عبد الله الأههدل قال : سافرت مع والدي إلى جهة القحرية فأخبرني أنه حصلت فتنة بين المهادلة وبني البلح وأصيب واحد بضربة في بطنه حتى خرجت أمعاؤه , واشتدت الفتنة بينهم فوصل سيدي الجد أبو القاسم بن عبد الله لقصد الإصلاح بينهم فمنعوا إلا بإحياء المجني عليه فحينئذ أمر برد الأمعاء إلى البطن وغمزه بيده ساعة فالتأم بقدرة الله تعالى وقام سويا كأن لم يكن به شيء وخمدت  الفتنة وصلح شأنهم وعادوا أحسن ما كانوا ببركته نفع الله به آمين.

ثم لما أراد الله انتقاله من هذه الدار القرار مرض في 3 شهر رجب وكان انتقاله في آخر شهر شعبان ليلة الجمعة الغراء ودفن قبل اصبح , وعظم به المصاب وتحيرت الألباب فعند ذاك قلت ما قيل في أمثاله :

واسفى من فواق قوم
والمدن والمزن والرواسي
لم تتغير لنا الليالي
فكل جمر لنا قلوب

 

 

هم المصابيح والحصون
والأمن للناس والسكون
حتى توفتهم المنون
وكل ماء لنا عيون

 

رد الله ثراه وسقانا من شرابه الذي هو شراب أهل الله , وكانت وفاته في الشهر المذكور من شهور سنة ألف ومائة وتسعة وتسعين بتقديم المثناة في الأولى والثانية ودفن في تربة سيدي الشيخ ملاصقا له فيما بينه وبين أخيه سيدي الشيخ محمد بن عمر وذلك بإشارة منه أيام حياته , نفع الله به وأمدني من مدده آمين اللهم آمين . انتهى ما ذكره حفيده من ترجمته .

ومن كراماته أيضا أن ولده أبا الغيث وقعت عليه جناية من بعض أقاربه قارب منها الموت فخشي المترجم له أن تقع بسبب ذلك الفرقة بين الأهل والعداوة فكوشف بأنه بقي له من العمر عشر سنين فقال : وهبت ما بقي من عمري لولدي أبي الغيث وذلك عشر سنين حرصا على بقاء حياته خوفا مما ذكر فشقي الولد وعاش عشر سنين ومات والده عقب قوله بأيام قلائل , نفعنا الله به .

وله من الولد ستة , ذكر منهم صاحب (( الدرة )) أربعة : عبد الله وهو أكبرهم توفي في حياة والده وانقرض عقبه , وأبو الغيث السابق ذكره هو الذي ورث عنه المقام , ومحمد , وأحمد , فأما محمد فكان من الصالحين المكاشفين صاحب كرامات ودين رصين وتقوى وحسن استقامة وصلاح وفلاح وقد ترجم له في ((الدرة )) فقال : وقد خلف سيد الوالد في مكانه أخوه شقيقه العم الصالح الساعي في المصالح محمد بن أبي القاسم بن عبد الله الأهدل , وهو في هذا الوقت إليه المرجع في الصدور الورود , يشبه أباه في الخلق والأخلاق صابرا على مضض الزمان , سليم الصدر , لبراء من الأخلاق الرديئة , شيمته الكرم والسماح وصولا للرحم , مواسيا لهم بما أمكن من قلة ذات يديه وضيق مسكبه , محله للصادر والوارد, لا يكترث من الضيوف ولو كثروا , وحال التاريخ -   أعني ألف ومائتين وإحدى وعشرين وهو مريض له نحو شهر على فراشه وهو على عادته ما دخل عليه أخرجه في وجهه , سائلاً عن حال الغرباء والوافدين شديد الشفقة , وفي مرضه هذا لا يكاد يدخل جوفه شيء إلا بقدر أن يجمع له الصبيان من الأولاد ويأكل معهم من حسن عنايته ورحمته لهم, من الله عليه بالعافية وفسح لنا وللمسلمين في مدته . ثم شفاه الله وله الحمد من هذا المرض ولم يزل على الحال المرضي من إطعام الطعام والنفع للأنام , والامتحان عليه متزايد من عريف في القحرية بأخذ أولاده وقطع عوايده وذلك بإعانة بعض الأهل , وهو لم يكترث بذلك بل مفوض أمره إلى الله . واشتد الامتحان أيضا من عريف في صليل جر ثوب العناد واستولى على مآثر الآباء والأجداد, وهو السبب في جمع هذه النسخة وطالت مدة العريف وزاد امتحانه حتى انقضت دولة يام من اليمن على يد الباشا خليل , ثم اخترمته المنية وعظمت بفقده الرزية لكونه لم يخلف مثله وذلك ليلة الخميس من شهر ربيع الأول السادس عشر منه أحمد شهور سنة ألف ومائتين وستة وثلاثين , ودفن في مقبرة سيدي الشيخ عبد الله بن عمر داخل الجدار يماني قبر سيدي الشيخ محمد بن عمر وذلك بإشارة منه أيام حياته نفع الله به, وله اليوم ولد موجود سمي بجده نسأل الله سبحانه صلاحه وفلاحه وأن يجعله خلفا صالحاً وسلك به مسلك آبائه الصالحين آمين .

ومن كراماته ما أخبرني به علي بن محمد الأهدل الساكن دير عبد الله وكان قد حصل بإبهام رجله آكلة تألمت حتى قاربت الكعب وصار يحبو حبوا فأشار بعض الناس بقطع القدم فمنع والده , وقد شاهدته وهو على هذه الحالة قال فلم أشعر ذات ليلة وأنا نائم وقد قلقت قلقا شديدا إلا شخص قائم على رأسي وقال لي : إمدد رجلك , فمددتها له فغمزها بيد ولواها بإصبعه فلزمته وقلت له : من أنت؟ قال : لا تسأل , فأقسمت عليه بالله فقال: السيد محمد بن أبي القاسم صاحب المنيرة فانتبهت فرحا مسرورا فلم يكن إلا أياما قلائل حتى ذهبت الأكلة وصار يمشي على عادته نفع الله بالصاحين .اهـ. قلت : ولقد صدق الفقيه العلامة العارف بالله عز وجل إبراهيم بن عبد الرحمن الناشري حيث يقول في قصيدة امتدح بها السيد العلامة القطب امحمد بن عبد الباري الأهدل مشيرا فيها إلى بقية أولاد سيدي علي الأهدل :

حط حملك يا قوافي
خايضا بحر التصافي
فيهم للدار شافي

 

 

حضرة الشيخ العليه
بين أصناف مليه
مذهب داوى البليه

 

قدر رعتهم عناية الأهدل كابرا من بعد كابر , نفع الله بالجميع . وقول صاحب ((الدرة)): وله اليوم ولد موجود سمي بجده يريد جده أبا أبيه أبا القاسم بن عبد الله فكان أبو القاسم هذا من عباد الله الصالحين صاحب كرامات تابعا طريقة  أسلافه الكرام من المثابة على القيام بأنواع الطاعات ووظائف العبادات , ولم أقف على كمال سيرته , ومن كراماته ما أخبرني به سيدي السيد العلامة صاحب المقام الآن محمد بن يحيى الأهدل أن ابنه محمد بن أبي القاسم الملقب الحاج الآتي ذكره مرض فمات غير أنه بقي به رمق بعيد لا يدرك إلا للطبيب العارف فأحضر الماء لغسله والكفن وحضر القبر وحضر جمع كثير لإنعاشه إلى المسجد للصلاة عليه فقال والده المترجم له : أصبروا حتى أجيء وخرج من فوره إلى ضريح سيدي الولي عبد اغلله بن عمر الأهدل ثم رجع وفرق ذلك الجمع قبل دخوله إلى البيت فقال لهم : تفرقوا فقد قبلت الشفاعة والسبع السنون التي باقية من عمري وهبتها له, ولما دخل البيت ما شعروا إلا وقد ردت إليه الروح وأصبح والده ذلك اليوم محموما فمات بعد ثلاثة أيام وذلك في اليوم السادس والعشرين من رمضان سنة 1297 وحضر الموهوب له جنازته وعاش بعده سبع سنين نفع الله بالجميع . وله ثلاثة أولاد: محمد ويحيى وأبو الغيث , فأما محمد فهو هذا وكان صالحا فالحا تقيا سخيا شجاعا متواضعا حسن الأخلاق سليم الصدر كثير الحفظ للقرآن وتلاوته عن ظهر قلب يختمه كل يوم , وكان زاهداً في الدنيا إذا وقع منها شيء في يده لا يقف عنده ولو كثر , حج إليى بيت الله الحرام وهو سبب تلقيبه بالحاج وتوفي على الحال المرضي في سنة ....... وله ولد اسمه قاسم مولده في ذي القعدة الحرام سنة 1293 قرأ القرآن وتفقه في المختصرات ثم جذبته العناية الربانية في أول الشباب فاصطلم وتوله كبعض عشيرته الأهدليين , وقد كان قبل ذلك في مدة صحوه أبتلي بالحصر مع الصبر الجميل وتلقي القضاء بالرضا , وهو إلى الآن مصطلم وفي هذه الحال يظهر منه إشارات , نفع الله به.

يحيى بن أبي القاسم الأهدل :

فرع : وأما يحيى بن أبي القاسم فكان عالماً متواشعا حسن الأخلاق , قرأ القرآن وحفه عن ظهر قلب ثم سافر إلى المراوعة لطلب العلم فقرأ على السيد العلامة شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل حتى صار مشاركا في جملة من الفنون وصار له مسكة في كل فن يتوصل بها إلى غيرها , ثم رجع إلى بلده لمثيرة قائماً بوظائف الدين مفيدا مستفيدا من كل من لقبه من أهل العلم والفضل , ولي خطابة جامع المنيرة وإمامة الصلاة فيه مدة حياته وقرأ صحيح البخاري في كل عام مع ضبط ألفاظ الحديث وتفهم المعاني , وكان كثير الورع قوالا بالحق آمرا بالمعروف ناهياً عن المنكر لا يخاف في الله لومة لائم , وكان له أرض بجهة لعسان يتردد إليها كثيرا لزراعتها فيحصل له منها ثمرة تامة , وقد عرفته فرأيته على غاية عظيمة من حسن الاستقامة والمثابرة على وظائف الدين, وما زال على الحال المرضي حتى توفاه الله في شهر رجب الثاني عشر منه سنة 1318 بسبب رياح البواسير وكان صابرا محتسبا , وكانت وفاته في أثناء إملاء ((صحيح البخاري )) رحمه الله ونفعنا به , وله ولدان محمد وعبد الرحمن , فأما محمد فقرأ القرآن وما تيسر من متون الفقه به , وله ولدان محمد وعبد الرحمن , فأما محمد فقرأ القرآن وما تيسر من متون الفقه والنحو كالزبد والملحة ومتن أبي شجاع  مع الحفظ والفهم والذكاء, واخترمته المنية قبل بلوغ سن البلوغ, وأما عبد الرحمن فقرأ القرآن وما تيسر أيضا من المتون في سن الصبا ولما بلغ سن التكليف جذب واصطلم , وهو الآن على هذه الحالة نفعنا الله بهم وسلفهم آمين , وأما أبو الغيث فكان رجلاً صالحاً حافظاً لكتاب الله الكريم عن  ظهر قلب تاليا له آناء الليل والنهار بصوت حسن وأداء حسن, وتوفي شاباً رحمه الله ولم يعقب .

أحمد بن أبي القاسم الأهدل :

وصل : وأما أحمد بن أبي القاسم بن عبد الله فكان رجلا صالحا صاحب كرامات , على غاية من سلامة الصدر لا يعرف شيئا من أمور الدنيا ولا يميز بين جيدها من رديئها, وأما أحوال الآخرة فهو على كمال المعرفة والإقبال على الله والإعراض عما سواه , شديد الخشية  من الله , مستأنسا بالله , مستوحشا من الخلق كثير المطالعة في كتب التصوف , واعتراه جذب في آخر الأمر بعد أن تقدمه سلوك وإقبال على قراءة كتب العلم , والجذب إن كان من بعد السلوك له فضل على الجذب مما السعي تاليه . وقد ترجم له السيد العلامة أبو القاسم بن أبي الغيث في (( الدرة )) فقال : ومن أولاد الجد أبي القاسم بن عبد الله : العم الصالح الفالح المجذوب السالك أحمد بن أبي القاسم بن عبد الله الأهدل فسح الله لنا في مدته آمين , ما نشأ إلا مملوءا بمعرفة الله عز وجل , ثم إنه طلب العلم في حياة والده,. ورحل إلى زبيد المحمية في وقت سلطان عصره سيدي الشيخ سليمان بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل وأخذ عليه وعلى غيره من العلماء , ثم لبس الخرقة الصوفية من سيدي الشيخ القطب أحمد بن سليمان هجام ومال إلى طريق التصوف والإكباب على كتبهم , وأخذ نفسه بأنواع المجاهدات من الجوع والتخلي عن الناس , سالكا على منهج الأوائل أولي المفاخر , نفع الله بهم في البكور والأصايل , وهو الآن ملازم خلوته متخليا عن الأهل والمال لا يخرج إلا لصلاة جمعة وجماعة أو إلى ما لا بد منه من اجتماع الناس , شديد الشفقة والرحمة , سريع الدمعة , مجاب الدعاء ما يقصد في حاجة إلا قضيت بإذن الله تعالى , ولا أغضبه أحد إلا عوجل بالعقوبة من عناية الله به, جعلنا الله من المحسوبين عليه وفسح لنا في مدته آمين , وانتقل إلى رحمة الله ورضوانه في شهر شوال الثاني والعشرين منه عام 1236 ألف ومائتين وستة وثلاثين في بلده الزيدية أيام خروجنا من المنيرة مع وصول (( يام )) ودفن في مقبرة سيدي الشيخ أبي بكر بن إبراهيم الدهل من جهة الشرق يماني سيدي القطب الفقيه عمر بن أحمد هبة رحمهما الله ونفعنا بهما آمين , أهـ.

وقد انتهى ذكر أولاد أبي القاسم بن عبد الله الصبور وأحفاده , ذكرتهم مستوعبا لعددهم مقتصرا في تراجمهم على ما أمكن , نفعنا الله بهم وأمدنا من مددهم آمين.

عبد الله بن أبي الغيث الأهدل :

إنعطاف : وأما والده عبد الله بن أبي الغيث فقد كان مشهوراً بالولاية والكرامات والإشارات والجاه الواسع المنتشر عند جميع الأنام وقبول الشفاعات عند الخاص والعام والقيام بوظائف الدين ومصالحة ذات البيت , قد جمع الله له بين الدنيا والدين فكانت الدنيا في يده فقط, وكان كثير الانفاق لها في وجوه الخير , كثير الصدقات مطعما للطعام للواردين إليه والصادرين , ورث المقام عن أخيه أبي القاسم بن أبي الغيث فقام به على الوجه الأكمل وسار فيه على المنهج الأعدل, وقد ذكر صاحب (( الدرة )) طرفا يسيرا من ترجمته فقال : وخلفه في مقامه أخوه شقيقه الجد المعمر عفيف الدين عبد الله بن أبي الغيث بن أبي القاسم بن محمد الأهدل فقام أتم قيام وأذعن له الخاص والعام , وكان رحمه الله سيفا  قاطعا للظلمة والمعاندين , في أيامه عمرت المنيرة عمارة راقية وقصدها الناس من كل ناحية, وكان مقبول الشفاعات عند الأمراء ومن دونهم , كثير المال , مشهور بالصدقات الكثيرة للقريب والبعيد , ألفا مألوفا متواضعا , فمن ذلك أنه وفد عليه السيد الجليل عماد الدين يحيى بن عمر مقبول الأهدل الساكن بزبيد المحمية مريدا للحج فأكرمه غاية الإكرام وأنزله المنزلة التي لا ترام , ثم إن السيد المذكور أعطاه قميصا كان عليه لغيسل فدخل به البيت وصب عليه ماء وأمر أولاده بشربه وربما شرب معهم كما أخبرتني بذلك بنته الجدة الصالحة الملاح بنت عبد الله أيام حياتها وكانت من الصالحات القانتات قارئة للقرآن الكريم كثيرة الصدقة والانفاق بعيدة مما عليه غالب نساء هذا الزمان , وقد توفيت إلى رحمة لله تعالى بعد الألف والمائتين رحمها الله تعالى ونفعني بها وسلفها آمين .

ومن كرامات الجد المذكور , كان في وقته عرب يسمون بني كشارب رؤساء البلاد ومشايخها اتفق أن حصل منهم سوء أدب عليه فدعا عليهم بالذل حتى سقط أمرهم فمن ذاك الوقت لم تقم فيهم مشيخة على عادة العرب إلى وقتنا هذا. وكراماته كثيرة لكن لم يبلغني منها إلا هذه لبعد الزمن وعدم المدون  والله المستعان , وكانت وفاته في ....... وله أولاد سبعة : أبو بالغيث وأبو القاسم وإبراهيم وأحمد ومحمد وعلي وامحمد , فأما أبو القاسم فقد سبق مترجما هو وذريته :

فرع : وأما أبو الغيث فهو أكبرهم وكان من كبار العلماء والأولياء , ورث المقام عن والده فقام به أتم قيام, ولم أقف على كمال سيرته غير أن صاحب (( الدرة الخطيرة)) ذكر من ترجمته ألفاظا يسيرة فقال : ثم بعد وفاته يعني والد المترجم له خلفه ولده الأكبر السيد الجليل أبو الغيث بن عبد الله الأهدل , سعى على منهاج آبائه الكرام من السعي المقبول بين المسلمين , وله مقروءات ومسموعات على شخيه الفقيه العلامة شيخ وقته عملا وعلما الجامع بين الشريعة والحقيقة المساوي بن إبراهيم حشيبري ولم تطل مدته في المقام . اهـ. وكانت وفاته في........... وخلفه في المقام أخوه شقيقه أبو القاسم بن عبد الله الصبور سالف الذكر , ولأبي الغيث من الولد أربعة : عبد الله ومحمد وامحمد وأبو القاسم .

فأما عبد الله فكان بالغاية القصوى من العلم والعمل والولاية , ذا كرامات وإشارات , وقد ترجمه صاحب (( الدرة)) فقال : ومن أولاده يعني أباه أبا الغيث بن عبد الله السيد الجليل عفيف الدين عبد الله بن أبي الغيث الأهدل , سكن قرية تسمى الخضراء شرقي تربة سيدي الشيخ أبي بكر بن علي الأسم , وبها توفي , كان رضي الله عنه من السادة الأخيار والحكماء الأبرار , صوفيا شاعراً فصيحا, من نظر في كلامه علم أنه من رؤساء القوم , صاحب كرم ووفاء , محله للصادر والوارد لكونه على الطريق اليماني يقصده الناس من كل ناحية , مقبول الشفاعات, قوالا بالحق لا يخاف في الله لومة لائم, صاحب كرامات صادقةو فمن كراماته: لما توفي سيدي الوالد رحمه الله تعالى وصل من بلدته معزيا وناظراً في أمر الأهل إذ لا بد لهم من مشار بعد وفاة المنصب يكون القائم بإشارته , وكان في ذلك الوقت هو المشار إليه فاجتمع عند السادة في محل إخوانه إذ عادتهم بعد المشاورة يخرجون إلى تربة سيدي الشيخ ويكون القائم من عنده ويدعون له فأشار بقيام سيدي العم المتقدم ذكره آخر الفصل الأول فحصل مني التمنع رحمة للعم لما رأيت جور أهل الزمان فانتهزني قائلا: يا ولدي أتظن أني أريد المقام بل عمك؟ وأما أنا فلا يفي لي العام بعد والدك , فكان كما قال توفي آخر شهر شعبان من شهور سنة ألف ومائتين وعشر , وقبره قبلي محلته مقصود للزيارة والتبرك نفع الله به , وخلفه في مكانه وأولاده وحال التاريخ وهم بيننا في قرية المنيرة لما حصل الخراب في تلك الجهة وفرّ أهلها نسأل الله تعالى أن يختار لهم ما علم فيه الخير آمين .أهـ.

وصل : وله من الولد ثمانية : أبو الغيث وأبو القاسم وعبد الرحمن وإبراهيم وأحمد وعلي وأمحمد ومحمد , فأما أبو الغيث فهو أكبرهم قال في (( الدرة)) : سليم الصدر صافي السرريرة على عادة أبيه من إقامة الوافدين والسعي في منافع المسلمين ثبته الله آمين , وقد توفي في قرية باجل من أعمال القحرية بعد أن رحل إليها وهو وبعض أخوانه , وكانت وفاته ليلة السبت السابع عشر من شهر شوال سنة 1225 ألف ومائتين وخمسة وعشرين .اهـ.

فرع : وله من الولد خمسة : حاتم وأحمد ويحيى وعلي وعبد الله , فأحمد وحاتم ويحيى لا عقب لهم , وعبد الله له محمد وأبو الغيث وأحمد , فلأبي الغيث إثنان : عبد الله ومحمد, لعبد الله أبو الغيث, وأما علي بن أبي الغيث فله خمسة: حاتم وعبد الرحمن وأبو القاسم وأبو الغيث وأحمد وهم المقيمون بباجل بعد أسلافهم وكلهم صالحون على خير من ربهم ولم أقف على كمال سيرتهم لبعد المسافة, وحاتم هو القائم بزاويتهم بعد أسلافه مع حسن الاستقامة وحسن الأخلاق وكانت وفاته رحمه الله في شهر رمضان سنة ألف وثلاثمائة وسبعة وعشرين وله من الولد ستة : أحمد وأمحمد ومحمد وعبد الرحمن وقاسم وإبراهيم , فأما أحمد فهو أكبرهم وأعلمهم وله مشائخ منهم السيد العلامة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي قرأ عليه في شرح أبي شجاع لابن قاسم وشرح الأجرومية للأزهري وقرأ على الفقيه العلامة عبد الرحمن بن محمد الناشري ((المنهاج)) للنووي و (( شرح القطر )) للمصنف و (( صحيح البخاري )) ولازمه كثيرا وله منهما إجازة , وقد حج مرتين وزار النبي صلى الله عليه وسلم , وله فهم وذكاء يحفظ القرآن عن ظهر قلب مع حسن الاستقامة وطيب الأخلاق وإليه المرجع اليوم , وهو الآن موجود على خير من ربه عافاه الله , وله من الولد إثنان : محمد وأبو الغيث, وأما أمحمد بن حاتم فدرج صغيرا, وأما محمد وعبد الرحمن وقاسم وإبراهيم فكلهم موجودون على خير من ربهم , ومحمد هو القائم بعد أبيه بالزاوية وله من الولد اثنان: علي وقاسم , ولعبد الرحمن : حاتم .

فرع : وأما عبد الرحمن بن علي فله من الولد ثلاثة: عبد الرحمن وأبو القاسم وإبراهيم , ولإبراهيم : عبد الرحمن .

وصل : وأما أبو القاسم بن علي فله من الولد ثلاثة : يحيى وامحمد ومحمد, ولمحمد : امحمد .

فرع : وأما أبو الغيث بن علي فله من الولد واحد وهو : حسن .

فرع : وأما أحمد بن علي فله : عبد الرحمن . وكلهم موجودون على خير من ربهم زاد الله في أهل بيت نبيه كثرة وبركة .

أبي القاسم بن عبد الله أبي الغيث :

وصل ورجع : وأما أبو القاسم بن عبد الله بن أبي الغيث فقد ترجمه صاحب ((الدرة)) بعد أن ذكر إخوانه بقوله : وأبركهم الأخ الكامل أبو القاسم بن عبد الله الأهدل كان فقيها فرضيا له مشاركة في فنون العلم من الحديث والنحو وله إجازات من علماء زبيد وغيرهم , ذا سمت بهي , حسن الأخلاق ألفا مألوفا , محبا ومحبوبا, لا يواجهك إلا ضاحكا , ثبته الله على النهج الأعدل وسلك به مسلك أوليائه الكمل آمين . اهـ. وكانت وفاته في .......... وله من الولد ثلاثة: حسن وامحمد وعبد الله, فحسن له : محمد ولأمحمد : محمد ولم أقف على شيء من سيرتهم , ولعبد الله : محمد وأبو القاسم , فأما محمد فهو رجل صالح قارئ للقرآن على خير من ربه وكانت له ملازمة للسيد العلامة عبد الرحمن بن عبد الله الأهدل الآتي ذكره إن شاء الله والنفع به ويقال أنه أخذ عنه شيئا من علم الأسماء يحصل له من ذلك شيء من الدنيا عند الاحتياج والله أعلم بذلك, وهو الآن موجود على الحال المرضي قد قارب التسعين حسبما أخبرني عن نفسه , ممتعا بسمعه وبصره وسائر حواسه, واعترته حدة من الكبر وفي الحديث الشريف : ((الحدة تعتري خيار أمتي )) وله ولد واحد اسمه أبو القاسم قرأ القرآن وتفقه بشيخنا السيد العلامة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي وكنت أنا وإياه نقرأ في أيام الطلب ثم إنه رحل إلى مدينة زبيد لطلب العلم فمكث بها مدة وأخذ على بعض علمائها ثم رجع وطلع على جبل ملحان واتخذه دار إقامة وتولي القضاء به وتزوج هناك وولد له ولدان محمد وعبد الرحمن , وهو إلى الآن مقيم به على خير من الله له مدة تزيد على ثلاثين سنة.

فرع : وأما أبو القاسم بن عبد الله فهو الملقب بحر , وكان رجلا صالحا حسن الاستقامة حسن الأخلاق متواضعا مجانبا لما لا يعنيه , كثير التردد إلى ((الخضرية)) بلد أسلافهم الكرام , له عندهم القبول التام ما زال على هذا حتى توفاه الله في شهر .......... رحمه الله , وله من الولد ثلاثة: عبد الله وأحمد وحمد صالحون قارؤون للقرآن تابعون طريقة أسلافهم , ولعبد الله : قاسم ولأحمد قاسم .

عبد الرحمن بن عبد الله الأهدل :

 وصل : وأما عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الغيث بن عبد الله بن أبي الغيث بن أبي القاسم , شيخ شيوخنا , فقد ترجم له تلميذه شيخنا السيد العلامة الحجة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي ترجمة مستقلة سماها ((تحرير البيان الأكمل في ترجمة سيدي الإمام عبد الرحمن بن عبد الله الأدهل)) فأحببت إيرادها هنا برمتها رجاء أن تشمل هذا المجموع بركة المترجم والمترجم له , وصورتها : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خص من عباده أصفياء فضلهم بالعلم وزينهم بالحلم وجعلهم مناهل يردها المهتدون ويقصدها المسترشدون , ولم يزل مددهم متصلا بإمداد سيد الهداة, فمن ذلك النهر يغترفون , يتلقى خلفهم عن السلف , ما برحوا على ذلك عاكفون , والصلاة والسلام على المبعوث بالشريعة الغراء سيد البشر وصفوة الصفوة المنعوت بالآيات والسور وآله قرناء القرآن لما ثبت به الخير وأصحابه الهداة من شمروا في طاعات ربهم بالآصال والبكر , وبعد : فإن تراجم أهل الفضل والعلم بتدوين سيرهم وكمالاتهم من المقاصد الحسنة والمزايا المستحسنة , درج عليها الألوان وتبعهم الآخرون , والأصل قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ولحديث الصحيح : ((أنتم شهداء الله في الأرض , ومن أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة )) . وقد قيل : من ترجم عالماً كان في شفاعته , قال السيد العلامة محمد بن عبد الله كبريت المدني في كتابه المسمى (( نصر الله وفتح قريب )) ما لفظه : قال الشيخ خليل الله المكي في كتابه (( تحقيق الصفا في تراجم بني الصفا )) وقد روي في الأثر عن سيد البشر قال : (( من ورخ مؤمنا فكأنما أحياه ومن قرأ تاريخه فكأنما زاره ومن زاره فقد استوجب رضوان الله تعالى في الجنة وحق على المزار أن يكرم زائره )) وفي بعض رسائل الشيخ العلامة حسن العجيمي رحمه الله ما معناه أن من ورخ أحدا من أهل الفضل والكمال فهو في شفاعته .اهـ. كذا وجدته بخط سيدي الشيخ العلامة محمد بن عبد الله الزواك أمتع الله بحياته , هذا ولاسيما إذا كان للمترجم على المترجم تربية وشيوخه فهو إذا للحق الأكيد وشكرا لنعمه حقها شديد , وقد قيل: (( من لم يشكر الناس لم يشكر الله سبحانه )) , وقد حداني ما ذكر إلى كتب هذه الورقات أذكر فيها ترجمة سيدي وشيخي السيد العلامة محقق وقته بلا نزاع ومحدث عصره بلا دفاع وجيه الدين وقدوة العارفين عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي الغيث بن عبد الله الأهدل , بجميع سلسلة نسبه ونسب السيد الولي الكامل يحيى بن أبي القاسم صاحب المنيرة السيد العلامة ذا الفضل والاستقامة المشهور بالولاية الكاملة قطب زمانه ووحيد أوانه عبد الله بن إبراهيم الأهدل يجمعهم الجميع عبد الله , فهم أبناء عم في النسب ( وجميع بطون السادة أهل المنيرة أو غالبهم ترجع إلى السيد الولي الكامل محمد بن عمر الأهدل أخي السيد الولي الكامل الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل صاحب المقام وهو أول من أسس الزاوية بالمنيرة) رحمهم الله جميعا وأعاد علينا من بركاتهم وأفاض على قبورهم شآبيب المغفرة والرضوان وأسكنهم فراديس الجنان آمين .

وكان مولد شيخنا العلامة رحمه الله تعالى سنة تسع بعد المائتين والألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام , كذا نقلته من خط حفيده السيد العلامة محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الأهدل , وكان شيخنا المذكور رحمه الله إماما في جميع العلوم جائلا في ميادين منطوقها والمفهوم , وغلب عليه الفقه بكثرة الإطلاع ودقة النظر وجودة المأخذ , وفي الفرائض والحساب إليه الغاية إذا بحث فيها شفي الفؤاد كأنما يملي من كتاب , وله إلمام بالجبر والمقابلة لا يخلو من الملكية في هذا الفن غير أن الأخذ منه فيها قليل , وعلى تفننه في أصناف العلوم وجودة بحثه في منطقوها والمفهوم لو تصدي لتقييد فوائده وتدوين غرائبه وفرائده لجمع الكثير الطيب ولكن كما قال السيد العارف بالله :

تموت الخبابا في الزوايا وما لها
تفوت كمالات الرجال شواردا

 

 

من الناس بين الناس للناس ذكر
إذا لم تقيدها علينا الدفاتر

 

وكذا الحديث فإنه رحمه الله تعالى له فيه اليد الطولي , وكان غاية في تصحيح أسانيده وضبط ألفاظه والمعرفة بجميع فنوه . ولم يزل رحمه الله مشتغلا بأصناف العلوم تدريسا ومطالعة بفهم ثاقب ونظر صائب, وله في العربية الباع الواسع , سيبويه زمانه يحب المذاكرة في النحو يحقق فيه ويطالع كتبه المبسوطة كمغني اللبيب وشرحه للدماميني والرضي وسائر شروح الحاجبية وله اشتغال تام بفن الأدب ويقول: الأدب جنة معجلة .

وبالجملة فكان عامراً لأوقاته لا تراه إلا في استفادة وإفادة أو عبادة لا يسئل عن فن من الفنون إلا وجد في مضماره مجليا يحل المشكلات بفهم ثاقب ورأي صائب, ويدرك سقم العبارة ويهتدي إلى الصواب قبل مراجعة كتاب , فلو أصلح لسقط من فهمه لما أخطأ غالبا. وكان يحب العلماء والمتعلمين دائما يرغب في العلم والاشتغال به وينشط الطلبة ويحثهم على الطلب والجد والاجتهاد فيه بالحكايات المرغبة والآثار المشوقة , وكان رحمه الله مبارك التدريس ويداوم عليه لا يتركه إلا في عذر , في الفقه والنحو التفسير والحديث , وقد سمعت من تدريسه بحمد الله في الجلالين مع حضور غيره من التفاسير المبسوطة للمراجعة , وفي الحديث (( شرح بلوغ المرام )) المسمى (( سبل السلام)) للسيد محمد بن إسماعيل الأمير و (( المنهاج)) و (( شرح المحلي)) مع حضور ((التحفة )) و (( الدميري)) غالباً, وفي النحو : حاشية السيد على الحاجبية وابن عقيل على الألفية . هذه مقروءات ولده السيد العلامة أبي القاسم والسيد العلامة محمد بن عبد الله بن علي الأهدل رحمهم الله تعالى , وقرأت عليه ((شرح الفشني)) على الزبد و ((شرح المختصر)) و ((الأجرومية)) و ((شرح القطر)) وغير ذلك من المقروءات كشرح ابن حجر على بافضل لأني بحمد الله كنت ألازم مجلسه وله بي عناية ورحمة وشفقة , وكان يواصله الفصل إلى بلده من كل ناحية سيما السادة الأهدليين كالسيد العلامة محقق وقته محمد بن المساوى الأهدل والسيد العلامة فقيه عصره وأصوليه فخر الإسلام الأجل عبد الله بن عبد الباري الأهدل وغيرهما , وكان شيخنا العلامة محمد بن عبد الله الزواك أمتع الله بحياته يترد إلى محله وتحصل المذاكرة والمراجعة مع السيد رحمه الله في التفسير والحديث ويحضر عدة كتب , وكان السيد رحمه الله إذا لم تدر مسائل في المجلس يورد الاستشكالات وإن كان قد بحث في حلها لأجل إفادة الحاضرين, وحياة العلم المذاكرة , ويقوم أحيانا بنفسه يحضر الكتب وكان يحب البحث في الكشاف مع الاحتراز التام عما فيه من دسائس الانعزال الجودة فهمه, وكذا أبو السعود فإنه كان دائماً يبحث فيه ويدرك دقائقه ويحل مغلقه وغير ذلك من التفاسير . وكان رحمه الله تعالى حسن المحاضرة بالنكات الأدبية والشواهد من الأشعار الفائقة والمعاني الرئقة , واسع الصدر دائم البشر , نهاية في حسن الأخلاق والتواضع , وسع بحسن خلقه وكثرة تواضعه جميع من لا قاه من الناس حقيق بأن يلقبه : أبا السرور , حسن الظن بالناس وذلك تحفة الأكياس . وكان رحمه الله تعالى إذا رأى الصواب على لسان الغير ولو من الطلبة قبله ونصره ويقبل على الكلام ولو كان يحفظه بالحرف تطيبا لخاطر مورده موهماله كأنه لم يسمعه قبل , وهذا دليل إخلاصه وتخلقه بكل الأخلاق . وكان يطالع كتب التصوف ويسمعها , وكان في آخر مدته يبتدي أمام الدرس بقراءة حصة من ((منهاج العابدين)) للغزالي ثم يفتح الدرس ويملي في مجلسه الكتب النافعة من كتب السير والحديث كسيرة الحلبي وغيرها وحصل (( أسنى المطالب في صلة الأقارب )) للإمام ابن حجر كتاب نفيس وقرئ عليه , ولم يزل في جد واجتهاد واشتغال بالعلم والعبادة لايفتر عن الحضور للجماعات في الظلم والهواجر مع بعد منزله عن المسجد وكبر سنه , محافظاً على الأولاد الواردة والأذكار , زاهدا في الدنيا , متحريا متجنبا للشبهات ليس له التفات إليها ولا رغبة إلا فيما لابد منه لإقامة الأود. ورغبة في الكتب النفيسة يبذل فيها (( سمعه يباع منها )) الكثير مما عنده , وقد جمع كتبا كثيرة في عدة فنون على اختلاف فنون العلم , من أنفسها نسخته (( فتح الباري )) في مجلدين بخط عجيب ونظم أريب وهي نسخة فائقة لا نظير لها في الوجود ولا يكاد يوجد مثلها ولا يعثر على نظير لها . وبالجملة فزهده في الدنيا مشهور وكان إذا رؤي ذكر المولى لرؤيته , متخلقا بكامل الأخلاق الحسنة , متحققا بأحسن الأحوال المستحسنة :

ما الزهد في الدنيا فلا تجهلوا
لكنه لبس ثياب التقى

 

 

بلبس أسمال وأخلاق
مع حسن آداب وأخلاق

 

وأما مشايخه الذين تخرج بهم وأسند عنهم , فأولهم شيخه ومخرجه ومربيه صنوه العلامة المحقق صفي الإسلام أحمد بن عبد الله الأهدل رحمه الله تعالى , قرأ عليه في فنون العلم حسبما كان يحكيه رحمه الله ويذكر منه تحقيق صنوه أحمد وأن له فهما ثاقبا في الفقهيات من كتب ابن حجر وحج معه وتوفي في جدة رحمه الله , وأسند صحيح البخاري عن صنوه العلامة المحدث شرف الدين أبي القاسم المذكور آنفا من طريقين إلى الإمام العلامة الحجة الشيخ محمد بن أبي بكر الأشخر وكان رحمه الله ملازما لقراءة الصحيح كل سنة في جامع مدينة الزيدية إلى أن مات ثم خلفه ولده السيد العلامة أبو القاسم بن عبد الرحمن ثم حفيده السيد العلامة محمد بن أحمد أمتع الله بحياته , ولم يزالوا إلى الآن ملازمين لذلك وموفين بما هنالك الخلف تابع السلف قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} وقد لازمت بحمد الله الحضور لقراءة شيخنا نفع الله به وسمعت إملاءه والإملاء عليه من الحاضرين وأمليت بين الحاضرين ما يسر الله لي في سنين متعددة , وكان من أحسن الناس ضبطا له وإتقانا بين الحاضرين ما يسر الله لي في سنين متعددة , وكان من أحسن الناس ضبطا له وإتقانا إذا أملى خشع السامعون لأملائه وأنصتوا كأنما على رؤوسهم الطير. ومن المشايخ الذين أخذ عنهم وتكمل بهم شيخه السيد العلامة زينة نجد وتهامة شيخ الإسلام ومفتي الأنام عبد الرحمن بن سليمان مقبول الأهدل رحمه الله تعالى , رحل إليه بزبيد وأخذ عنه وأٍند عنه صحيح البخاري من طريق عالية وذكر أنه كانت له به العناية التامة قرأ عليه في فنون متعددة من جملة مقروآته (( ألفية ابن مالك)) مع شروحها وكان يحفظها على طرف لسانه ويستشهد منها, وذكر أنه أيام إقامته بزبيد مرض من الجدري وأن السيد عبد الرحمن كان يتردد إليه بنفسه ويتعهده حتى شفي ببركة دعائه . وله مشايخ غير المذكورين , كان رحمه الله يقول أنه لقي الشيخ محمد عابد السندي المحدث المشهور , ولحرصه على الاستفادة لا يخلو عن الأخذ منه لاسيما طلب علو الاسناد لأن الاعتناء بالإسناد لأجل الانتظام في السلسلة وحصل الاتصال من المهم عند أهل الحديث , وورد فيه عن أفضل العباد عليه الصلاة والسلام من أخرجه الديلمي في مسنده (( الفردوس)) عن علي رضي الله عنه وكرم وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده)) وقد أورده الحافظ السيوطي في (( الجامع الصغير )) وليس بموضوع كما أفاد السيد العلامة عبد الرحمن بن سليمان مقبول الأهدل في (( النفس اليماني )). قال بعضهم:

من يأخذ العلم عن شيخ مشافهة
ومن آخذ للعم عن صحف

 

 

يكن من الزيغ والتحريف في حرم
فعله عند أهل العلم كالعدم

 

وقال ابن المبلق :

وأنزل الشيخ فلا أعلا

 

 

واجعله قبله تعظيم وتنزيه

 

وولي القضاء رحمه الله في الزيدية بعفة ونزاهة وورع نحوا من خمس وعشرين سنة إلى حين وصول القاضي الرومي الذي جاء بأخذ الرسوم على الحكم فاستعفى منه تنزها وورعا , ولعله في سنة 1276وكان رحمه الله كامل الخلق حسن البزة والهيئة لا تراه إلا في زي حسن وهيبة مستحسنة , وقد قال عليه الصلاة والسلام (( إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده )) أو كما قال بعض العارفين : إذا حالك بالله فلا يضرك حسن الملبس والمأكل. وكان كريما محسنا وصولا لأرحامه , عاش حميدا محبوبا في قلوب الكافة , وهذا يدل على محبة الله له , كما ورد ذلك في الصحيح : (( إن الله سبحانه إذا أحب عبدا ..... الخ )) انتقل إلى رحمة الله ورضوانه في شهر رمضان 27 منه بعد ساعة ونسف من الليل , ليلة الجمعة سنة 1281 أحد وثمانين ومائتين وألف رحمه الله تعالى رحمة الأبرار وأسكنه بحبوح جنات دار القرار , ودفن بالقرب من قبر الشيخ الولي الشهير دهل بن إبراهيم الحشيبري بمقبرته غربي الزيدية.

وله رحمه الله كرامات عظيمة من المحققن منها ما أخبر به أنه في يوم من أيام الحاجة في الزمان السابق لما اشتدت الحاجة في بعض الأيام وبيده قضيب في بيت حال ما عنده أحد فأخذ يفكر وينكت بالقضيب فإذا خمسة من الريالات سقطت , قال : فأخذتها وسددت بها حاجة ذلك الوقت , وكان إذا ذكر علم الحرف يذكر هذا الذي وقع له ومعي كلامه : إن الله سبحانه وتعالى يكون الشيء لبعض عباده ويوجده من غير استخدام ولا أخذ من محل . وهذه كرامة يكرم الله بها بعض عباده عند الحاجة.

كما حكى أن بعض الأولياء الكاملين حضروا أملاك فقير فكان كل واحد قبض على ما فتح الله به لأجل معاونة الفقير فتأخر سيد الطائفة الجنيد فقض يده فإذا فيها شيء من الزعفران فقال بعضهم : جئت بما يناسب العرس.

ومن ذلك البشارات بالمرائى أيام توجهه إلى الحج والزيارة للقبر الشريف النبوي فإنه صحبه بعض السادة أهل الصلاح لما توجه إلى زيارة القبر المعظم صلى الله عليه وسلم في بعض الليالي فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الشيخان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم يتلقى السيد عبد الرحمن ومن معه حول المدينة الشريفة مع جم غفير, ورأى حوضا كبيرا هائلاً فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : نحن نتلقى السيد عبد الرحمن ومن معه وهذا حوض الكوثر للسيد عبد الرحمن ومن معه , وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( من رآني فقد رآني حقا)) . ومنها رؤيا السيد الصالح الفاضل حسين بن صالح جمل الليل إمام الشافعية بالحرم المكي أنه رأى في الحرم جمعا كثيرا وأن السيد المذكور مرتفع على سرير عال بين الجمع المذكورين وهم مطرقون فإذا مناديا ينادي في أولئك الناس : ألا ابشروا يا هؤلاء فإن الله عز وجل قد رفع عنكم البلاء والوباء ببركة السيد عبد الرحمن بن عبد الله الأهدل وبه قبل الله الحج والزيارة في هذا العام . وكان هذا السيد له الاعتقاد التام لشيخنا رحمه الله تعالى فجاء لزيارته من بلده مكة المشرفة إلى مدينة الزيدية وأقام عنده أيام يتبرك به يتملى بأخلاقه وشمائله, رحمهم الله الجميع وأعاد علينا من بركتهما آمين .

ومن ذلك أن بعض مؤذني الحرم كان به وجع في حلقه لم يقدر على الأذان منه فبرأ بدعوته وعاد صوته كعادته فلما سمع أذانه أهل مكة أقبلوا يزدحمون على التبرك بالسيد.

وقد حصلت النجاة في السفينة أيام سفره إلى الحج في البحر وقد أشرقت على الهلال فقرأ ( يس ) فعند إكمال السورة حصلت النجاة واستقرت السفينة وسكن الريح وأيضا حصل لمسافرين من أهل فرسان ريح شديدة وانقلبت السفينة حتى غرق بعضهم فاستغاثوا به فإذا هو حاضر يصلح السفينة فسلمهم الله فلما رجعوا جاؤوا محله زائرين وأقبلوا إليه وهو يضحك ويقول : الحمد لله على السلامة , كذا ذكر لي حفيده السيد العلامة محمد بن أحمد أمتع الله بحياته آمين .

وقد أخبر الثقة من السادة الفضلاء بوقوع مكاشفات خارقة للعادة وهذه الكرامات دليلها الاستقامة فإن استقامة شيخنا السيد المذكور دالة على ولايته وصفاته المصدقة بمكاشفاته .

ومن دعواته المستجابة أن بعض الناس وشى به أيام قضاه بأمور لا يشك في برائته منها ومن غيرها مؤالف ولا مخالف ولكن لزيادة حسده, فتوسل بسيدة العابدين رابعة العدوية في قصيدة فاستجاب الله له وكبت كيد الواشين وحفظه وأنصفه منهم , ونال من الباشا الذي وشي به عنده ضد ما قصده الواشي من الاحترام والإجلال , وأول القصيدة:

برابعة أخاصم كل خصم
برابعة أقاتل حزب كيد
برابعة أبدد شمل جمع
بها استشفيت من أدوار نفسي
ومن ظلم الهوى الهاوي ومما

 

 

إلى المولى وأرميهم بسهم
وأدفع شرهم عني برغم
لأبليس وأقصدهم بسهم
ومن سم الدنية فهي تضمى
يصد عن الطريق وكل سقم

 

إلى آخر القصيدة ثمانية عشر بيتا, وكان فصيحا ناظما ناثرا وشعره شعر العلماء من ذلك قصيدته النبوية :

باب الإله رسوله المختار
طه محمد الذي لولاه ما
هو سيد السادات من سعدت به
من خير قرن كان أصل ظهوره
يا رحمة المولى الكريم أغاثه
أمست تساجله الهموم بوكره
لم تسله الأولاد والأهلون عن
حيث النبوة والملائك حوم
الشافع المقبول عند إله
يا زين ملك الله جئتك قاصدا
فأجر عبيدك لا يضام فقد أتى
إني قطعت مهامها في حبكم
أرجو بكم نقضي الحوائج كلها
حاشا يضام معفر الخدين
وأنا منكم ولي التزام فيكم
قم بي وأولادي وأهلي كلهم
ولقد ذوى غصني وأرجو سقيه
يا فاتح الأبواب يا علم الهدى
يا صاحب المعراج والبرهان
تفديك روحي والبنون ووالدي
صلي عليك الله يا علم الهدى
صلى عليك الله يا كنز الرجا
صلى عليك مسلما ما أفصحت
وعلى صحابتك الكرام وآلك

 

 

وشفيعنا إن حلّت الأوزار
عقب الليالي الفاحمات نهار
الأبناء والأصحاب والأنصار
في الساجدين مبجل مختار
لمتيم حلت به الأفكار
ما جناه ودمعه مدرار
بلد به الأنوار والأسرار
بضريح من سجدت له الأشجار
ممن جنى وهوت به الأخطار
منك الشفاعة لائذا بك جار
بك مستجيرا لا تنله النار
وتركت أطفالا وهن صغار
قولوا: قبلت وزالت الأكدار
بالأعتاب يا كنز الرجا ونصار
يا غوث يا منصور يا مختار
في يوم شخص للورى أبصار
من جود نوالك المطار
أقل العثار فأنني عثار
من ضمة قبر به الأنوار
فلأنت أعلا المرسلين تزار
وحماهم ومقيلهم إن جاروا
ما امتدت الأصال والأبكار
عن نورها في أصلها الأثمار
الأمجاد من هم في الورى البرار

 

وهذا آخر ما كتبه وهو قليل من كثير وجرعة من نمير, ولو استقصينا لطال التحرير , والقصد أنموذج من فضل هذا الفضل الكبير والعلامة الولي الشهير , لأجل حصول الاعتقاد لنيل فضيلته التي هي المراد , والدخول في شفاعته في المعاد , وصلى الله على خير العباد وآله الأمجاد , وصحابته الهداة الأطواد , وسلم تسليما كثيراً إلى يوم التناد, حرر بتاريخ شهر رجب الحرام سنة 1310 من الهجرة النبوية على مشرفها أفضل الصلاة والتحية. قلت قد عثرت لشيخنا المترجم على مرثية رثى بها شيخه المترجم له يوم موته لم يثبتها في الترجمة فأحببت إثباتها عقب الترجمة لأنها من تمام مقصده وهي:

هل للمسرات بعد اليوم وجدان
أم مثل ذا الحادث الداجي ألم بنا
فارسلي دمعة عيني مؤبده
ذاب الفؤاد وجسمي ذاهب كمدا
من آل عبد مناف قد هوى علم
إمام أسنى المعالي بل وقبلتها
مدارس العلم تبكي بعده أسفا
كم قعدة لجيوش الجهل هازمة
شيخ الحديث إذا ما جئنا رجب
يملي الصحيح بتدبير ومعرفة
حبى وقارا وثانيه فليس يرى
هل أنت تسمع أن ناداك مؤتسف
أبعد وجهك هل للعلم دايرة
كنت المصلي إذا جاريت ذا جدل
لو كان يفدي كريم من منيته
لولا وجوب علينا أن نواريه
سرت بروحك أرواح تحف بها
وقت فضيل امارات القبول به
كم ليلة مثل هذا الليل بث بها
سقى ثراك من الغفران صيبه
من سندس أخضر أمسيت مكتسبا
يا رب ثبت نجوما في منازلهم
عزا ميامين لم يسمع بدارهم
وارزق أبا القاسم النحرير قدوتنا
ثم الصلاة على المختار شاملة

 

 

وبعده الرزء قط لم يلق جذلان
لا والذي ملكه قفر وعمران
ووصلها فقد هاجك أحزان
من عظم خطب بقلبي منه نيران
هدت له رعدة نجد وكهلان
للدين منه استقامات وأركان
كذا المنابر تبكي وهي عيدان
وانزاح في وقته ظلم وبهتان
يجلي كبدر فلم ينكره إنسان
ما مثل إتقانه للمتن إتقان
إلا على قدم  ثبت له شأن
على فراقك ذاوي الجسم ولهان
بين الأخلاء وتتلى منه أفنان
جليت في الجود إن جارتك فرسان
فداه منا شباب بل وصبيان
حوته منا مع الإجلال أجفان
إلى كريم ونزل الروح ريحان
لاحت وللفوز بالجنان عنوان
لله مجتهدا والغير وسنان
وجاد بالمن والإحسان منان
مبشرا بالرضى لا قاك رضوان
كأنهم لاقتباس العلم عقبان
إلا الحديث وإذكار وقرآن
حسن القيام فظني فيك إحسان
جمع القرابطة طرا أينما كانوا

 

هذا آخر ما ترجم به شيخنا العلامة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي شيخه السيد العلامة عبد الرحمن بن الأهدل , أمتع الله بحياته المسلمين ونفعنا بالجميع آمين.

وصل : وللمترجم له أولاد خمسة : محمد وعبد الله وأبو القاسم وأحمد وأبو بكر , فأما محمد فهو أكبرهم وكان رجلا صالحا فاضلا ولم أقف على سيرته , وله محمد توفي كأبيه وانقطع عقبه .

فرع : وأما عبد الله كان صالحا فاضلا فقيها ذا سكينة ووقار , حسن الخلق , متواضعا , على كمال من حسن الاستقامة وسلامة الصدر ولين الجانب والإبال على  شأنه , توفي رحمه الله عام احد عشر بعد ثلاثمائة وألف بالزيدية ودفن بها , وله من الولد أربعة : عبد الرحمن وأحمد وعبد الحي وعلي , فأما عبد الرحمن فقرأ القرآن ثم أخذته جذبة في عنفوان شبابه, وهو الآن على هذا مقيم بالمنيرة وتظهر منه في هذا الحال إشارات نفع الله به , ثم توفي في ليلة الجمعة الثامن من شهر رمضان سنة 1329 بالمنيرة ودفن بها .

وصل : وأما أحمد فهو رجل صالح قارئ للقرآن لا يخلو من معرفة ما يصلح به دينه وانتقل من بين أهله بالزيدية إلى المنيرة واتخذها وطنا, وهو الآن مقيم بها وله ولدان: إبراهيم والمساوى .

فرع : وأما عبد الحي فكان رجلا صالحا فالحا قارئا للقرآن وما لا بد له من الفقه , وكانت وفاته رحمه الله بالزيدية ودفن بها سنة ......... وولادته سنة 1281 وله ثلاثة أولاد: عبد الرحمن ومحمد وعثمان.

فرع : وأما علي فقد  قرأ القرآن ثم وقع في عقله اختلال , وهو الآن موجود على ذلك وله ولدا اسمه عبد الله .

ترجمة أبي القاسم بن عبد الرحمن الأهدل :

وصل : وأما أبو القاسم بن عبد الرحمن فكان عالماً فاضلا لاسيما في علم الحديث , وله مشايخ كثيرون منهم والده وبه تخرج , ومنهم السيد العلامة الحجة محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل , والسيد العلامة محمد بن عبد الباقي الأهدل مفتي زبيد, والسيد العلامة عبد الله بن إبراهيم الأهدل وكان على غاية من حسن الاستقامة وهو الذي خلف والده في الإقامة بزاويتهم فقام بها أتم قيام , مواظبا على وظائف الدين وعلى قراءة (( صحيح البخاري )) في كل عام كما كان عليه أوائلهم مع ضبط ألفاظ الحديث والإفادة والاستفادة , ثم بعد تمام الصحيح يشرع في غيره من كتب الحديث كبقية الأمهات الست في منزله . وله مؤلف 5ي علم الحديث سماه (( إرشاد الفحول إلى الفوائد والنقول , حاشية تفسير الأصول إلى جامع الأصول للإمام الديبع " و " مختصر في أنساب بعض السادة الأهدليين من أولاد الشيخ محمد بن عمر بن أبي بكر بن علي الأهدل " اختصره من " الأحساب العلية " للسيد العلامة ابي بكر بن أبي القاسم الأهدل وألحق فيه من عرفه من أهل وقته , وله اقتدار على الشعر يتعاطاه في بعض الأوقات عند الحاجة , ومازال على الحال المرضي حتى توفاه الله في شهر محرم الحرام سنة 1307هـ سبع وثلاثمائة وألف بالزيدية ودفن بها ,ومن مقروءاته على والده المار ذكرها آنفاً : تفسير الجلالين مع حضور غيره منا لتفاسير المبسوطة للمراجعة , وفي الحديث : شرح بلوغ المرام المسمى " سبل السلام " للسيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير , و " المنهاج " وشرحه لمحلي , مع حضور " التحفة " غالباً وفي النحو : حاشية السيد عليا لحاجية وابن عقيل على الألفية وغير ذلك.

وله من الولد ثلاثة : محمد وعبد الرحمن وأحمد , فأما محمد فنشأ نشوءاً حسناً بعد أن قرأ القرآن وشرع يتفقه على والده ثم أخترمته المنية قبل والده في عنفوان الشباب رحمه الله تعالى ولم يعقب .

فرع : وأما عبد الرحمن فنشأ في حجر والده وكفالته وتربيته فرباه وأدبه ونشأ على أحسنا لأحوال مع حسن الاستقامة وكثر الصمت وطيب الأخلاق وسلامة الصدر والتواضع , مقبلاً على شأنه تاركاً ما لا يعنيه , وقرأ ما تيسر من الفقه والنحو ما صلح به ينه ولسانه علىو الده , وعلى سيدي الشيخ العلامة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي وو خلف والده في إقامة الزاوية فقام بها قياماً مرضياً وفي قراءة " صحيح البخاري " في كل عام ,و اخترمته المنية في عنفوان الشباب وهو على حال المرضي بسبب دمل خرجت في أنفه وخلف من الأولاد ثلاثة: محمداً وأبا الغيث وعبد الرحمن وقت رقم هذا وهم في سن الصغر ,وخلفه في الزاوية أخوه أحمد فقام بها قياماً تاماً وقام بقراءة " صحيح البخاري " في كل عام على عادة أسلافه معه حسن الأخلاق والتواضع والقيام بوظائف الدين وهو الآن موجود على أحسن حال عافاه الله آمين .

أحمد عبد الرحمن بن الأهدل :

وصل : وأما أحمد بن عبد الرحمن فكان من عباد الله الصالحين, عالماً عاملاً متواضعاً حسن الأخلاق مقبلاً على مولاه معرضاً عا سواه, على غاية من حسن الاستقامة وسلامة الصدر ولين الجانب , دائم البشر لا تلقاه إلا مبتسماً , دائم الذكر والتلاوة للقرآن مع التدبر , حسن التلاوة والإملاء للحديث , تولى خطابه جامع الزيدية مدة حياته مع حسن الصوت والفصاحة وكان إذا تلى القرآن وأملى الحديث أو خطب أخذ بمجامع القلوب وأصغى إليه الحاضرون وأنصتوا واستمعوا لعذوبة لفظه وفصاحته وبروزه من قبل خاشع منيب , وهذا مما يدل على إخلاصه وصلاح سريرته , وما خرج من القلب وقع في القلب ,قال ابن عطاء الله في الحكم : من أذن له في التغير فهمت في مسامع الخلق عبارته وجلبت إليهم إشارته , وقال أيضاً : كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز وقال أيضاً تسبق أنوار الحكماء أقوالهم فحيث صار التنوير وصل التعبير وكان رحمه الله حسنا لخط حصل لنفسه ملة منا لكتب كمتن البخاري وغيره,ومازال على الحال المرضي حتى توفاه الله تعالى بسبب دملة ظهرت في أنفسه في شهر ذي الحجة يوم الخميس عام ستة وتسعين ومائتين وألف بالزيية , ودفن بها في مقبرة الشيخ أبي بكر الدهل كأسلافه رحمه الله ونفعنا به آمين . وله من الولد أربعة : محمد وحسن وعبد الرحيم وقاسم ,فأما محمد فكانت ولادته في عام خمسة وسبعين بعد المائتين والألف ونشأ في حجر والده على أحسن الأحوال قرأ القرآن وحفظه وعن ظهر قلب ثم أخذ يتفقه فقرأ على عمه الشيخ العلامة أبي القاسم بن عبدا لرحمن والسيد العلامة محمد بن عبد الله القديمي وذلك في جملة منكتب العلم كالفقه والنحو والحديث والتفسير ,وسافر إلى المراوعة للقراءة فقرأ على يد السيد العلامة شيخ الإسلام محمد بن أحمد بن عبدا لباري الأهدل وبه تخرج فقرأ عليه في فنون شتى حتى صار مشاركاً في جميع العلوم وحصل كتبا كثيرة ودرس وأفتى في حياة شيوخه وتولى خطابه جامع الزيدية وإمامة الصلاة بعد واولده مدة حياته و قرائه " صحيح البخاري " في الجامع المذكور كعادة أسلافه الكرام ,وكان حسنا لخط كثير التحصيل , ذا استقامة حسنة وأخلاق مستحسنة متواضعاً حج إلى بيت الله الحرام مرتين ثانيتهما في عام تسعة بعد ثلاثمائة وألف , وتوفي في سنة 1310هـ بالبطن شهيداً بعد قضاء الحج في عنفوان الشباب رحمه الله تعالى,ودفن في بندر جدة وله ولد واحد اسمه محمد كانت ولدته في شهر رجب الحرام من عام سبع بعد ثلاثمائة وألف فقرأ القرآن على يد .... وقرأ على شيخنا السيد العلامة شيخ الإسلام عبد الرحمن بن عبد الله القديمي " صحيح البخاري من أوله إلى آخره في مدة سنتين مع ضبط ألفاظ الحديث وتصحيح مبانيه وتحقيق معانيه بالشرط المعتبر عند أهل الأثر , وقرأ عليه متن الزبد ومختصر أبي شجاع وشرحه ومتن الأجرومية وشره للأزهري والمنهاج للنووي والمتممة للخطاب والملحة والألفية والرحبية في الفرائض مع شرحها للسبتي وعقيدة ابن مطير مع شرحها للنظام والمنهل في حديث الإسراء والمعراج للأشخر و"بهجة الأبرار ومعدن الأنوار في ذكر الله أناء الليل وأطراف النهار " للغربي ,و هو الآن مشتغل بالطلب على شيخنا المذكور مع الإقبال وصدق الرغبة والذكاء والفهم زاده الهمن فضله, وتولى خطابة جامع الزيدية بعد انفصال عمه حسن الآتي ذكره إن شاء الله بأداء حسن وحسن صوت تقبل عليه القلوب مع الاستقامة الحسنة والأخلاق المستحسنة والتواضع وقرب النفس عافاه الله آمين.

وصل : وأما حسن بن أحمد فكانت ولدته فيعام مانية وسبعين بعد المائتين والألف وقرأ القرآن على يد السيد الأجل حسين بن إسماعيل صائم الدهر وحفظه عن ظهر قلب ثم قرأ ما تيسر منا لفقه وتولى خطابه جامع الزيدية وإمامته بعد والده مدة طويلة ثم انفصل وخلفه ابن أخيه محمد بن محمد سابق الذكر . ومازال ملازماً لتلاوة القرآن محافظاً على الصلوات جماعة , مواظباً على وظائف الدين , وهو الآن موجود ملازم لذلك زاده اللهمن فضله , ولهمنا لولد خمسة: أحمد , وعبد الباري ولادته في سنة 1317هـ , ومحمد ولادته سنة 1309هـ ,و عبد الرحمن وعبد الله وغالبهم قد قرأ القرآن على خير من ربهم وبارك الله فيهم.

فرع : وأما عبد الرحمن بن أحمد فولادته كانت في عام ثلاثة وثمانين ومائتين وألف ,وقرأ القرآن وبعض المختصرا على يد سيدي العلامة عبا لرحمن بن عبدا لله القديمي وأملا عليه " صحيح البخاري " ثم بعد ذلكأولع بإنشادا لشعر فحافظ كثيراً من قصائد العلامة الصالحا لمداح عبدا لرحيم بن أحمد البرعي المديحية وقصائد السيد العلامة الولي الأكمل حاتم بن أحمد الأهدل , فهو كثير الإنشاد لذلك بصوت وأداء حسن مع التواضع وطيب الأخلاق ,وله محبة شديدة للقات كثير الأكل له بحيث أنه يبيع في تحصيله ما عز عليه , وهو الآن موجود على ما هو علي وله ولدان : عبدالله وأحمد قد قاءا القرآن عافاهما الله .

فرع : وأما قاسم بن أحمد فولدته في سنة خمسة وثمانين ومائتين وألف وقرأ القرآن وما تيسير من المختصرات , مقبلاً على شأنه تاركا ما لا يعنيه , متواضعاً حسن الأخاق وهو الآن موجود على الحال المرضي عافاه الله,وله ولد اسمه قاسم .

وصل : وأما عمهم أبو بكر عبد الرحمن فهو رجل صالح قرأ القرآن ولازم أخاه السيدا لعلامة قاسم بن عبد الرحمن بالزيدية مدة حياته فسمع غالب كتب الحديث التي تملى عليه في منزله وفي المسجد أيام قراءة الصحيح , ثم انتقل إلى المنيرة ومازال بها إلى الآن ملازماً للصلاة جماعة و تلاوة القرآن عافاه الله .

وصل : وأما محمد وأمحمد وأحمد أبناء عبد الله بن أبي الغيث بن عبدا لله فانقطع عقبهم ولم أقف على سيرتهم لبعد زمانهم وعدم المعتني بتدوين ذلك,كذلك أخوهم إبراهيم غير أنه قال في " الدرة الخطيرة " بعد أن ترجم لأبي قاسم بن عبدا لله ما لفظه : وأما أخوه أحمدبن عبدا لله فله رغبة في تحصيل العلم , طالب نجيب زاده الله من فضله المديد وإخوانه آمين , وتوفي بعد رجوعه من الحج وذلك ببندر جدة المحمية من سنة ألف ومائتين وثلاثين رحمه الله وخلفه على الجميع بخير آمين. أ هـ . ولإبراهيم من الولد عبد الله كان رجلاً صالحاً فالحاً أدركته في أخر عمره فرأيته ذا استقامة حسنة دائم الذكر حسن الأخلاق مازال على هذا مدة حياته إلى أن توفاه الله ولم يعقب .

وصل : وأما علي بن عبد الله بن أبي الغيث بن عبد الله فلم أقف على سيرته أيضاً وله ولداً واحد اسمه عبد الله كان فاضلاً صالحاً فالحاً على غاية من حسن الاستقامة وحسن الأخلاق وسلامة الصدر ولين الجانب والتواضع والقيام بوظائف الدين وتولى الخطابة مدة بجامع الزيدية وكان يحضر إملاء " صحيح البخاري " في الجامع المذكور مدة حياته , مازال على هذا حتى توفى على الحال المرضي وقد أناف على الثمانين ممتعاً بسمعه وبصره نفع الله به آمين,وله من الولد أربعة : محمد ,و أمحمد وحسن ومحمد آمين , فأما محمد فكان عالما فاضلاً محققاً متفننا ً في جملة من العلوم ذا ذكاء وفطنة وفهم ثاقب وتواضع وحسن ألاق وتقشف وله مشايخ منهم السيد العلامة عبد الرحمن بن عبد الله الأهدل , وكان في أول الأمر مقيماً ببلده ومحل إقامة أسلافه مدينية الزيدية , وكان في خلال ذلك يتردد إلى قرية الحدادية ويمكث بها كثيراً ثم رحل إلى القطيع وأقام بها لدى السيد العلامة الولي الأكمل محمد بن أحمد هجام الأهدل يفيد ويستفيد إلى أن توفاه الله بها في يوم السبت الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة 1308 ولم يولد له .

فرع : وأما محمد فكان عالماً فاضلاً له ذكاء مفرط وفطنة وفهم فوصل إلى الغاية التي ضبط الحساب بسرعة إدراك , لا يتوقف في شيء من ذلك مع كثرة الحفظ وسرعة الخط لا يسبق فيه ولا يلحق , تولى حفظ بيت المال مع الدولة في مدينة الزيدية , فقام بضبط حسابه على الوجه الأكمل , مع كثرة الأموال الواردة إليه في ذلك الوقت ,وما يقوم به في وقتنا هذا إلا أربعة مع قلة الأموال بالنسبة إلى وقته , حتى أنه لقب بالكاتب وثبت عليه هذا اللقب بسبب لك , وكان ذا أخلاق حسنة وتواضع وسهولة طب , حسن الإملاء في الحديث سمعته أيام قراءة " صحيح البخاري " رحمه الله وكان وفاته في مكة سنة 1309 بعد قضاء الحج رحمه الله ودفن بها وله من الولد أربعة : يحيى , وعلي , وحسن , وعبد الرحمن , فأما يحيى فهو أكبرهم قام بالزاوية بعد أبيه وكلهم صالحون على الحال المرضي قارؤون للقرآن وما تيسر مما يصلح بها لدين مديمون للتلاوة وملازمة الصلاة جماعة مع حسن الأخلاق والتواضع وقد قرأ يحيى في بعض المختصرات الفقه والنحو على عمه السيد العلامة محمد بن عبد الله الأهدل ,وحسن وعبد الرحمن قراءاً في ذلك على السيد العلامة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي , وبالجملة فهم على خير من ربهم, وكلهم موجودون ولعلي ولد اسمه محمد ولحسن واحد اسمه أبو الغيث .

وصل : وأما حسن بن عبد الله فكان رجلاً صالحاً قارئاً للقرآن حسن الأخلاق كان يتولى مع الدولة بعض الولايات لصالح المعيشة ,واعتراه في آخر عمره مرض الدق فصبر صبراً جميلاً حتى توفاها لله في عنفوان الشباب رحمه الله,وخلف ولداً اسمه محمد موجود على خير من ربه .

محمد أمين بن عبد الله الأهدل :

فرع : وأما محمد أمين بن عبدا لله فهو صالح قارئ للقرآن ذو أخلاق حسنة وسيرة مستحسنة انتقل من الزيدية إلى دير الحر محل أخواله السادة بني الحرد واتخذهم دار إقامة وتزوج منهم وول له ثلاثة أولاد : يحيى ومحمد وعبد الرحمن , فيحيى قد قرأ القرآن على يدا لسيد الصالح محمد بن عبدا له مخنجف وعلى الحقير في المختصرات كالزبد والملحة والرحبية وفيه فهم وحفظ بارك الله فيه ,و هم موجودون كأبيهم عافاهم الله آمين .

محمد بن أبي الغيث الأهدل :

إنعطاف : وأما محمد بن أبي الغيث بن عبدالله بن أبي الغيث بن القاسم فكان بالرتبة العليا من العلم والعمل ولذلك سمي بالشافعي الصغير , وهو الذي نظم المنهاج للإمام النووي ,وقد ترجم له في " الدرة الخطيرة " فقال ما لفظه : وأما أخوه يريد عبد الله بن أبي الغيث السيد الجليل العلامة محمد بنأبي الغيث الأهدل كان رحمه الله منا لعلماء العالمين بلغ في العلم مبلغاً عظيماً حتى قال فيه بعض الصالحين : لو عاش هذا لكان الشافعي الأصغر , لكن اخترمته المنية فعظمت بفقده الرزية وذلك قديماً في وقت سيدي الجد أبي القاسم بن عبد الله وكان الجد المذكور له به عناية رحم الله الجميع ونفع يهم آمين,وله اليوم ولد صالح موجود وكانت وفاته يوم الثلاثاء أوله الثالث من شهر القعدة الحرام أحد شهور سنة 1239 تسعة وثلاثين ومائتين وألف ودفن بالمنيرة في جدار سيدي الشيخ عبد الله بن عمر الأهدل قبلي قبر سيدي محمد بن أحمد القحم .

ووقعت له كرامة بعد موته وهي أنه كان قد أوصى أهله أن يدفنوه بالمنيرة ولما مات وتحقق موته خالفوا وصيته وشرعوا ف حفر القبر وإخضار الماء لغسله والكفن ليدفنوه بالزيدية ففتح عينه قائلاً لهم ستتركوني أموت أو لا , منكراً عليهم مخالفة المذكور وترك ولداً اسمه أبو الغيث قال في " الدرة " : وله ولد مبارك أديب لبيب لينا لجانب متواضع مجانب ما عليه أبناء جنسه , له مقروءات على أبيه في الفقه والحديث والنحو فتح الله عليه فتوح العارفين وبلغه ما أمله في الدارين وصرف عنه شرور المارددين والحاسدين وسلك به مسلك عباده الصالحين آمين . أ. هـ . وله شعر رائق وقد ترجم له في " الدرة " ترجمة بسيطة فقال : وأما أخوهم الأصغر يريد بذلك إخوانه السابقين فهو السيد الجليل العلم الشهير الجامع بين الطريقين سلالة السلف الصالح محمد بن أبي الغيث بن عبد الله بن أبي الغيث بن أبي القاسم بن محمد الأهدل فسح الله لنا في مدته آمين . وهو اليوم المرجع إليه في هذه البلدة المشهورة لحل المشكلات وله اليد الطولى في جميع العلوم لكنه مستتراً بالخمول لا يعرفه إلا النقاد من الفحول , شاعر فصيح غالب شعره في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم ومدح الأولياء وساق في ترجمته إلى أن قال : وعلى الجملة فأحوال السيد المذكور لا تحصيها السطور ولو ذهبنا نتتبع أقواله مكاشفاته لأملينا مجلدات وما ذكرناه قليل من كثير في حقه وقد قال بعض العلماء ؛ الترجمة للحي تقصير في حقه خوفاً من حدوث كرامات تقع فيكون المترجم قد قصر . أ . هـ .

ومن شعره بعد أن وقع عليه امتحان من بعض الناس قوله :

إلى الله أشكو والنبي محمد
وكل ولي والخواص وغوثهم
فقد ضاقت الدنيا علي برحبها
تنكرت الأحوال وانشقت العصى
ولسنا نرى من ناصر أو موازر
ولكن أبت نفسي بأن ترعو كما
وأرو بأن أحيا معافاً مسلما
على ما مضى السلف الذين بجاههم
وقتهم قد كان طوعاً لأمرهم
فما قد مضى لابد يمضي حقيقة

 

 

وكل عليهم بالديانة مؤتمن
يفرج عني ما أكابد من محن
وصرت سمير النجم لا أعرف الوسن
وعطلت الأحكام في السر والعلن
سوى أن نداري وهو أولى بذا الزمن
يراعون أهل الوقت في الضيموالهن
من الزيغ والتحريف والشك والفتن
نعيش وفيهم أسوتي بدر من فطن
وذ الوقت عاندنا وأظهر ما بطن
وفي الصبر أسرار مع المقصد الحسن

 

وصل : وأما أبو القاسم بن أبي الغيث بن أبي القاسم فكان من عباد الله الصالحين ولم أقف على كمال سيرته وله ولدان : أبو الغيث وعبد الله وعبد الله له قاسم , ولقاسم ثلاثة أولاد : عبد الله , ومحمد , وأبو الغيث , ولم أقف على سيرتهم ولا سيرة أبيهم غير أنهم مشهورون بالصلاح والفلاح نفع الله بهم آمين,وقد انتهى ذكر ذرية أبيا لغيث بن عبدا لله بن أبي الغيث بن أبي القاسم مستوعباً ذكر الموجودين منهم مترجماً لهم على سبيل الاختصار نفع الله بهم آمين .

رجع وانعطاف :  إبراهيم بن عبد الله بن أبي الغيث بن أبي القاسم فلم أقف على سيرته غير أنه مشهور بالصلاح والفلاح وله ولد واحد اسمه عبد الله كان من أولياء الله الكرام ذا كرامات وإشارات وأحوال صادقة مقبلاً على الله بالكلية , على غاية من حسن الاستقامة والزهد والورع والإقبال على الآخرة وعدم الالتفات إلى الدنيا مع العلم بالله والمعرفة والمراقبة في جميع الحالات حتى قال السيد العلامة شيخ الإسلام عبد الرحمن بن سليمان الأهدل : لم يبق في زماننا هذا منازع في مقام الصدق إلا السيد عبد الله بن إبراهيم صاحب المنيرة احترازاً من السيد عبد الله بن إبراهيم صاحب الدريهمي وله مشائخ كثيرون من أهل زبيد والضحى والحرمين الشريفين وغيرهما , اشتغل بطلب العلم عليهم حتى صار إليه الغاية في الفقه والنحو ,سمعت سيدي العلامة محمد بن يحيى الأهدل وسيدي العلامة عبدا لرحمن بن عبد الله القديمي يقولان أنه كان سيبويه زمانه , وزاد الثاني : أنه كان له اليد الطولى في الفقه وكان " فتح الجواد " على طرف لسنه , فقد ترجمه السيد العلامة أبو القاسم بن أبي الغيث في " الدرة الخطيرة " بقوله:

فضل : وأما إبراهيم بن عبد الله الأهدل فالموجود اليوم ولده ولم يكن له غيره , وهو السيد الجليل الفاضل النبيل الشاب في حجر سيدي الخال عبد الرحمن بن محمد الأهدل ورباه أحسن تربية حتى كمله ,ولم تعرف له صبوة منذ نشأ المنوه به في الحديث النبوي " عجب ربك من شاب لا صبوة له " وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء , ثم إنه رحل في حياة شيخه المذكور بإذنه إلى زبيد المحمية لطلب العلم الشريف والالتماس من بركات العلماء وأخذ الخرقة الصوفية من سيدي الشيخ محمي الدين أبي بكر بن يحيى بن عمر مقبول الأهدل , ثم يسر الله بأن بلغه وله الحمد حج بيته وزيارة جده المصطفى والتمس بركات مشائخ الحرمين وكان شديد المحبة للأولياء حريصاً على الاقتداء بهم , لا يسمع بتاريخ في ذكر كراماتهم أو مجموعاً من كلامهم لا حرص على نقله , وذلك أقصى شهادة لى ولايته , فلقد حكى الإمام عبد الله اليافعي رحمه الله في كتابه "الإرشاد" عن عن الشيخ أبي عبد الله القرشي رضيا لله عنه أنه قال : الولي في بدايته هو الحريص على أخبار الأولياء وأحوالهم يسمع الحق ولا ينكره ولا يعترض على شيء من الأحوال , ويحرص على حصولها ويتنمى المقامات وينزع إلى وصولها , والولي في نهايته هو الذي يفيد ويستفيد ويجد في أحواله وعلومه وأعماله التزكية والمزيد , حقق الله له كل المقامين وأقربه آمين . وقد كان للشيخ القطب عبد الله بن محمد فايز الآتي ذكره بهاعتناء ونظر شامل وسر إليه أسراره وما صنف كتاباً إلا يطلعه عليه قبل إظهاره , وهذا دلالة على التنويه بقدره , زاد الله من فضله وكفاه شرور الحاسدين والباغضين . آمين. أ.هـ

ومن أجل مشائخه : السيد العلامة الولي الكبير والقطب الشهير المكين بن عبد الله الأهدل صاحب بليبله , فإنه انتفع به انتفاعاً عظيماً وألف بسببه كتابه الدال على علو شأنه وارتفاع قدره على السماكين ومكانه المسمى " إتحاف أهل الإيمان المصدقين بوجود أهل الله في كل وقت وزمان , فإنه لما تحقق وتيقن أنه بلغ مقام القطبية الكبرى حداه ذلك إلىمعرفة صفات من بلغ هذا المقام فألف هذا المؤلف ورتبه على مقدمة ومقصود وخاتمة , فأما المقدمة فهي في بيان الاختلاف الواقع في هذا المقام هل هو خاص بأهل البيت النبوي أو عام لهم ولغيرهم ؟ وقد ذكر في أوله بعد أنساق كلاماً ما لفظه : فلما اجتمعت به يعني شيخه المذكور أقبلت عليه بالمحبة بظاهري وباطني لما رأيت من عظيم أنواره وأحواله وأسراره وتجلياته ثم حصل لي اليقين وباطني لما رأيت من عظيم أنواره وأحواله وأسراره وتجلياته , ثم حصل لي اليقين بنيل السيد نفع الله به مقام القطبية الكبرى والصديقية العظمى التي صاحبها وسيلة أهل زمانه ومرشد أهل وقته وأوانه بحقيقة الإرث لروح المرشدين ووسيلة رب العالمين سيدنا محمد الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وصحبه الأكرمين فدعاني حبه والتعلق به إلى أن أجمع خصائص صاحب هذا المقام من كتب السادة الأعلام رجاء عود بركة صاحب هذا السر الوجودي العام والانتظام في سلك خدمة هذا الجناب الذي لا يضام , فجمعت بعضها منها في كراريس في أواخر عمره وأنا في موطني المنيرة ووصلت بها إليه وهو في مرض شديد وأظنه مرض الموت وأطلعته علها فطلب مني أن أقرأ عليه بعضاً منها في مجلس ثم في مجلس آخر كذلك ولم يتفق لي تمام قرائتها عنده لكون السيد نفع الله به في حال عظيم ومكابدة . أ. هـ . ثم ساق كلامي طويلاً ذكر في آخره أنه أتم هذا الكتاب على منوال الكتب المؤلفة, فلله دره ما أطول باعه في علوم المعارف وأكثر غوصه في تيار الإشارات واللطائف , فلقد أتى فيه بالعجب العجاب ونقله من كلام أهل العرفان ما حوى كل معنى مستطاب من الكتب المعتمدة في هذا الفن ما لم يحوه كتاب ,وكان شيخه المذكور له به عناية تامة ثم لأولاده الأمين وأخوانه من بعده وانتفع بهم انتفاعاً تاماً عظيماً وقد كان نف الله به كثير الزهد في الدنيا متقشفاً في المطعم والملبس , فمن زهه فيها وعدم التفاته إليها كان بمدينة الزيدية في بيت السيد الصالح أحمدا لخارفي من الأشراف آل صاعل الآتي ذكرهم إن شاء الله تعالى وكان قد خرج منا لمنيرة أيام وصول " يام " ونهبهم للبلاد فنزل عنده وكان لشهرته وانتشار صيته تأته الهدايا السنية من البلاد الشاسعة والقريبة كالألبسة الفاخرة وغيرها ولم يشعر بها , فاتفق أن وصل يام إلى الزيدية ونهبوا أهلها ومن جملتهم سيدنا المترجم له فأخذوا تلك الأشياء وكان يقبضها ابن أخته الذي يباشر خدمته السيد الصالح محمد بن أبي القاسم فقال لخاله بعد ذلك : أتدري ما أخذوا علينا؟ فقاله له : ما هو ؟ فخبره وذكر له تلك الأشياء فأجاب عليه فزعاً كالمتقذر منها وقال له : هذا معناه يا ولدي أوساخ طهرنا الله منها ,ومازال يسترجع من وجودها معه مع عدم شعوره بها غير أنه أسف على الكوفية التي ألبسها إياها شيخه المكين عبد الله سابق الذكر .

وكان شديد الحياء من الله كثير الحضور والمراقبة له دايم الغفلة عما سواه رامياً ببصره إلى قلبه لا يثنيه في وجه أحد ويرفع إلى السماء وإذا قرأ الفاتحة لأحد قرأها وهو يدلك بإبهاميه حتى ظهر بيهما أثر منا لدلك كما أخبرني بذلك سيدي وشيخي السيد العلامة الإمام عبد الرحمن بن عبد الله القديمي , قال : حضرت مع والدي عنده في بيت السيد أحمد خارفي لطلب الدعاء منه فوضع إحدى يديه على صدري والأخرى على ظهري ودعا لي بخير , ثم أرسل يديه وقرأ لي الفاتحة فرأيته يدلك بإبهاميه سبابتيه . أ.هـ.

وكأن فعله ذلك والله أعلم لأجل كمال حضور القلب لأن في السبابة عرقاً متصل متصلاٍ بنياط القلب , فإذا تحركت تحرك ما اتصل بها وحضر , وقدمشى أربعين جمعة على قدميه من المنيرة إلى بيت عطا لزيارة سيدي الشيخ الولي الكبير أبي الغيث بن جميل بنية أن الله سبحانه وتعالى ينزع شهوة النساء من قلبه فحصل له ذلك ببركة الشيخ ,و لهذا لم يولد له , وكان عند خروجه من المنيرة إليه لا يسلك طريقاً معلوماً بل يمشي مجانباً لها مستدلاً على المحل المقصود باستنشاق عرق لا يعرفه إلا وهو حتى يصل.

ومن كراماته : ماأخبرني به سيدي وشيخي المار ذكره قريباً راوياً له عن الثقات ؛ أن شخصاً في جزيرة فرسان كان ذات ليلة في شهر رمضان واقفاً على ساحل البحر يصطاد سمكاً فإذا هو برجل يقرأ سورة يس يطير في الهواء فوق الماء ميمماً نحو القبلة فسأله بالله أن يقف حتى يكمله فوقف في الهواء , فقال : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله , فأما أراد اسمه العلم أو أنه عبد من عبادا لله , فلم يقنع ذلك الشخص منه إلا بتوضيح فقال له : أنا عبد الله بن إبراهيم الأهدل أريد مكة , ولن إذا أخبرت ستموت , فلم يتكلم الرجل إلا بعد موت السيد المذكور .

ومنها أن السيد الصالح حسن بن معيض القديمي الساكن الآن ذريته بباجل حج وزار النبي صلى الله عليه وسلم ولما كان ذات ليلة وهو بالمسجد النبوي إذا هو بصاحب الترجمة ولم يكن حج ذلك العام فعرف كل منهما صاحبه ,و قال له : قد قدر الله باللقاء ها هنا فاكتم ذلك.

ومنهاأن شخصين وصلا من أربض بعيدة إلى المنيرة فصليا في جامعها العشاء مع الجماعة والإمام هو صاحب الترجمة فسأل الحاضرين عنه : هل هذاالرجل من أهل هذه البلدة ؟ فقيل لهما :نعم هو عالمها , وإمام الصلاة بها , فقالا : نشهد بالله أن هذا الشخص كان ليلة يصلي بنا إماماً في مسجد كذا لعشاء الأخيرة .

ومنها أن السيد الصالح عبد الله بن عبد الباري من السادة أهل بيت عكاد الآتي ذكرهم إنشاء الله تعالى ظهر برجله وجع عظيم الخطر يسمى العيشة بكسر العين وسكون المثناه التحتية وبالشين فوصل إليه مستشفعاً به إلى الله في إزالتها فدار إصبعه عليها وتلى شيئاً فلم يمض عليه نحو أسبوع إلا وقد سقطت من رجله وشفي منها والحال أنها لا تبرأ في العادة إلا بالقطع .

و كرامته كثيرة وإشارته خطيرة نفع الله به ,ومنها أنه خرج إلى المسجد ذات ليلة لصلاة العشاء بمدينة الزيدية فمر بكلب في الطريق كان قد وقع مطر فانتفض الكلب من المطر فوقع عليه رشاش , قال له : نجستني الله يميتك , ولم يكن يدعو على أحد فوقع الكلب ميتا بوقته .

ومن كراماته التي وقعت له بعد موته أن السيد الصالح الولي الكامل عبدا لله عبيد الساكن بالضحى خرج إلى اللحية يتلقى أختاً له قادمة من الحج فدخل المنيرة وقصدقبره للزيارة وكانت بينهما في حياتهما أخوة من الله فوجده قائماً يصلي في قبره , فقال : هل بعد الموت تكليف ؟ فقال : لا ولكنه توق . قلت : يدل لصحة هذا ماقاله الفقيه العلامة العارف بالله تعالى عبد الخالق بن علي المزجاجي في شرح المسمى " فتح الباري شرح نظم الدراري في مدح سيدي محمد بن عبد الباري للعارف بالله إبراهيم بن عبد الرحمن الناشري , بعد كلام طويل من لفظه : إذا اتحدت الأذواق حصل التعارف بين الأرواح في مشهد يجمعها فقد يجتمع العارف بجميع أولياء الله تعالى من أولهم إلى آخرهم من رسول ونبي وصديق وشهيد وصالح ومقرب ويأخذ عنهم بالحال أو بالمقال وهذا يكون في تجلي النور الأخضر وهو تجل عجيب يرى فيه السالك من عجائب ملكوت الله وملكه العظيم ما يكل اللسان عن التعبير وقد حصل لنا هذا بحمد الله,وقد تكلم بعض العارفين في الأولياء السابقين واللاحقين من الأقطاب وذكر علومهم وإشاراتهم وأحوالهم وغير ذلك , وبعضهم يكلم في الأولياء الباقين ولا منازع لهم في لك لأن هذا أمره ومداره الكشف فمن لم ير شيئا من ذلك فليصدق فإن تصديقهم في ذلك ولاية صغرى وهذا أمر ممكن لا يرده العقل ولا الكتاب , ولا السنة ,و شواهد ذلك وأخبار أولياء الله لذلك أمر مشهور ,و قد تحصل لبعضا لعارفين معرفة أولياء زمانه روحاً ومثالاً وجسماً صورة وخلقاً وخلقاً بحيث إذا رآه بحاسة البصر عرفه وإن لم يحصل ذلك فلا يعرفه في التشاهد إلا بالذوق أو غير ذلك كالشم ونحوه . أ . هـ .

ويدل له أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء رأى موسى قائماً يصلي في قبره , ويدل له ما مر في ترجمة السيد يحيى بن أبي القاسم من أن السيد حسن بن أمحمد خرج إليه من القبر وقعدا يتحدثان ولم ينقل عن صاحب الترجمة أنه قال من الشعر شيئاً غير بيت واحد خاطب به ابن شيخه الأمين بن المكين فقال :

يا أمين الأمـــــان مما جـنيت                      من بعاد عنـكم به ما رضـــيت

وقد امتدحه السيد العلامة أحمد بن عبد الرحمن صائم الدهر بأبيات تتضمن جواباً عليه وتدل على أن له شعراً غير البيت المذكور وجواب سيدي أحمد هو قوله :

أروض جآءه سحراً نسيم
أم السحر الحلال سكبت نظماً
أ/الدر المنضد بل نظام
أني من سيد خضعت محلا
إمام الكون عبد الله قطب الو
تنزه قلبه عن كل غبر
مودته تدوم لكل هول

 

 

فعطر سوحنا منه شميم
لأني لم أزل منه أهيم
يحاكي لفظه الدر النظيم
لرتبته الأساتذة القروم
جود وغوثه الفرد الكريم
فليس سوىا لحبيب به نعيم
وهل كل مودته تدوم

 

فائدة : البيت الآخر من جواب سيدي أحمد بن عبد الرحمن أتى به مضمناً وما أحسن ذلك وأعذبه ,وهو من قصيدة للقاضي ناصح الدين أبي بكر الأرجاني وفيه معنى بديع من علم البديع فإنه يقرأ طرداً وعكساً ويسمى مالا يستحيل بالإنعكاس , وهو من العجائب لأن وجود البيت كامل من هذا النوع قليل وقد أورد الحريري في المقامات من ذلك جملة من النثر والنظم وورد في موضعين من القرآن هما ( كل في فلك ) ( ربك فكبر ) ومنه قول العماد الكاتب الأصبهاني القاضي الفاضل وكان راكباً فرساً : سر فلا كبابك الفرس , فأجابه القاضي بديهة : دام علا العماد , ومن قول ابن العماد للقاضي أيضاً : أرض ضراء , فأجابه القاضي بديهة : فيها أهيف , ومن أبد إلا تدوم إلا مودة الآباء ومنه رمح أحمر ,ومنه هريرية ,ومنه هرة , ومنه عقرب تحت برقع , وذلك كثير لا يكاد ينحصر وقد أوردت هذه الجملة المعترضة في خلال ترجمة صاحب الترجمة للمناسبة وحرصاً على الفائدة . وقد امتدحه السيد العلامة الإمام محمد بن عبد الله الزواك بما يصرح بأنه بلغ مقام القطبية وكفى به حجة و هي هذه القصيدة الفريدة المتضمنة للتوسل به أيضاً نفع الله بهما:

عج بالمنيرة يا أخا الحاجات
القطب عبدا لله فرد زمانه
أعني ابن إبراهيم منظهرت له
ونشآ علىطاعات مولاه لذا
حقاً أقول لقد غدا بين الورى
ماحز به إن شئت لم ير مثله
مولاي عبدالله دعوة سائل
مولاي عبد الله دعوة مذنب
مولاي عبدا لله دعوة موبق
مولاي عبدا لله دعوة مخلص
مولاي عبدا لله هل من نفحة
مولاي عبد الله هل من نظرة
مولاي عبدا لله هل من لحظة
إني مدحتك قاصداً يا سيدي
وصلاح أعمالي وصفو سريرتي
ما قط غيركم لكل ملمة
لازلت بدراً في المنيرة طالعاً
وصل الصلاة على الحبيب محمد
وعلى الصحابة كلهم ما غردت

 

 

واقصد منازل سيد السادات
غوث اللهيف ومنجد الغارات
بين الأنام خوارق العادات
ظهرت عليه دلائل الخيرات
لطوائف السادات كالمشكات
في من مضى منهم ومن هو آت
من فضل جودكم لفيض هبات
قد حيرته ظلمة الغفلات
بذنوبه مستأسر الشهوات
في ودكم منو بحسن ثبات
تصفو بها بين الأنام صفاتي
يحلو بها ما مر من حالاتي
تدني عبيدكم إلى الغايات
أرجو بلوغ مقاصدي ونجاتي
وسلامة الدارين من آفاتي
ولكل خطب يا أولي البركات
وضياء وجه كاشف الظلمات
والآل أهل الفضل والطاعات
ورق الربا سحراً على الأيكات

 

انتهت المديحة البليغة نفعا لله بالمادح والممدوح آمين.

والجملة فصاحب الترجمة قد بلغ الغاية القصوى من العلم والعمل والولاية والقرب من مولاه والإعراض عما سواه , وكانت وفاته في شهر شعبان سنة 1263 ولم يعقب لأنه لم يتزوج بل كان كما قال السيد العلامة عبد الرحمن بن عبد الله القديمي روايا  له عن السيد العلامة عبدا لله بن أبكر دوم الأهدل : مثل السيد عبد الله بن إبراهيم في الأولياء وكمثل يحيى بن زكريا في الأنبياء سيداً وحصوراً وولياً ومنا لصالحين نفع الله به أمين .

وصل : وأما علي وأحمد ابنا عبد الله بن أبي الغيث بن أبي القاسم بن محمد فكانا من عباد الله الصالحين ,و لم أقف على كمال سيرتهما ولعلي ولد اسمه أمحمد مات وانقطع عقبه , ولأحمد ولدا اسمه محمد سافر إلى الهند وانقطع خبره إلى الآن .

وصل : وأما محمد ابن عبد الله بن أبي الغيث فقد اشتهر بالصلاح ولم أقف على كمال سيرتهما ,و لعلي ولد اسمه أمحمد مات وانقطع عقبه , ولأحمد ولد اسمه محمد سافر إلى الهند وانقطع خبره إلى الآن .

وصل : وأما أمحمد ابن عبد الله بن أبي الغيث فقد اشتهر بالصلاح ولم أقف أيضأً على سيرته وله ولد اسمه عبد الرحمن فقال فيه صاحب " الدرة الخطيرة " في أثناء كلام ما لفظه : سيدي وشيخي ومن أحياني بعد موتي السيد الجليل العلم الشهير الجامع بين الشريعة والحقيقة حينئذ عالم وقته وأوانه عبد الرحمن بن أمحمد الأهدل كان رضي الله عنه في قرية المنيرة متحملاً هموم أهلها مسارعاً لقضاء حوائجهم شديد الرحمة على المسلمين لا ينهر أحداً لما جبله الله عليه من الأخلاق النبوية , ألفاً مألوفاً متواضعاً لا يعرفه من بين جلاسه , وما كنت أراه دائماً إلا قائماً في الشمس مع الأرامل والصبيان لا يكاد يفارق الملازم لهحتى يكون هو الذي يفارقه وهو الخلق العظيم لم أراه لغيره فسبحانه الذي أعطاه وإلى ذروة المعارف رقاه .

وكراماته ومكاشفاته مشهورة نفع الله به,وقد انتقل إلي رحمه الله أول يوم من شهر رجب من شهور سنة ألف ومائتين وسبعة عشر ودفن عند سيدي الشيخ أبي الغيث بن محمد المشهور بالمعتكف بإشارته أيام حياته وخلفه أولاده مباركون صالحون ملازمون تلاوة القرآن العظيم ساعون على سنن الاستقامة أكبرهم محمد منوال عليه الجذب وفي حياة أبيه تفقه وتهذب ثم حدث عليه حادث الجذب فهو اليوم لا يفيق إلا في بعض الأحيان ثم يصلي الصلوات الخمس ويصوم الفرض والنوافل نفع الله به وثبت أخوانه آمين . أهـ . قلت : أولاده المذكورون منهم أحمد وإبراهيم ومحمد وأبكر ولم يعقب منهم إلا أبو بكر خلف ثلاثة أولاد أحمد وعبد الله وعبد الرحمن , فأما أحمد فله أربعة : يحيى وقاسم وحسن وأمحمد , وأما عبد الله فله ثلاثة : محمد وعلي وإبراهيم فلمحمد عبدا لله ولعلي محمد وعبد الله وكلهم على خير من ربهم قارؤون للقرآن مع حسن الأخلاق والتواضع والمواظبة على وظائف الدين والمداومة على قراءة القرآن ولهم تردد كثير إلى " الحازة " من بلاد صليلية كأسلافهم الكرام لزراعة أرض لهم هناك مع إصلاح ذات البين ,و تولي عقود الأنكحة وكتابة الوثائق ومساحة الأرض , والموجود منهم الآن محمد وعلي إبراهيم أبناء عبد الله بن أبي بكر سالكون طريقة أسلافهم الكرام زادهم الله من فضله وعافاهم وبارك فيهم آمين .

عبد الرحمن بن أبي بكر الأهدل :

فرع : وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فقد كان على قدم عظيم من العلم والعمل والولاية الظاهرة ذا كرامات ومكاشفات باهرة على غاية من حسن الاستقامة والقيام بوظائف الدين والتواضع والمراقبة والخشية والخوف دائم الذكر لهادم اللذات قد جعل ذلك دأبه وديدنه قل ما يجلس مجلساً أو يمشي ممشاً إلا وهو ذاكر له معتبر بما وراءهمن هول المطلع وأحوال يوم القيامة وإذا كوشف بأحد حان موته أو قد مات في البعد و القرب أكثر السؤال عنه وعما قليل يسمع بموته .

ومن مشايخه السيد العلامة الولي الأكمل عبد الله بن إبراهيم الأهدل سالف الذكر قريباً وبه انتفع وتخرج وكان كثير الخدمة له ومن تواضع هأنه كان يخرج إلى السوق حاملاً حاجته وحاجة غيره من الأرامل والضعفاء بيده لا يكترث ولا يبالي بأحد ويباشر نزع الماء من البئر بيده مع الخدامين لا يتحشى منذ لك ويحمل الجرة على كاهله إلى بيتهكل ذلك وهو مقبل على الله بكليته مكب على عمل الآخرة نظره طامح إلى أهلا لمقابر فهو كائن بائن معا لحق بقلبه ومع الخلق بقالبه , وكان نفع الله به فصيح اللسان قوي العبارة تولى خطابة جامع المنيرة وإمامة الصلاة , إذا خطب أوقرأ القرآن ارتفع صوته وسمعه من بعد كمن قرب بخشوع وحضور قلب , ولذلك وقع في قلوب العباد وتأثير في مسامع الحاضرين منهم والباد , لبروزه من قلب وجل وحضوره من مولاه هجل وقد قالوا : ماخرج منا لقلب وقع في القلب , وقال ابن عطاء الله في الحكم: كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب منه يبرز وقال أيضاً : من أذن له في التعبير سمعت في مسامع الخلق عبارته وجلبت إليهم إشارته .

وكان رحمه الله يقرأ " صحيح البخاري " في كل عام في الجامع المذكور مع الضبط وتفهم المعاني بروايته له عن شيخه السيد العلامة عبد الله بن إبراهيم الأهدل .

وله تلاميذ منهم السيد العلامة محمد بن يحيى الأهدل صاحب المقام الآن وأخوه السيد العلامة قاسم بن يحيى الأهدل رحمه الله تعالى وغيرهما .

ولهم كاشفات كثيرة منها ما أخبرني به شخصان أنهما وصلا إلى المنيرة في منزل سيدي الولي عبد الله بن عمر الأهدل وكأن لم يفطن بهما لكثرة الضيفان فيها فحضر الأكل فأكلا مع سائر الأضياف ولم ينالا من الأكل يغيتهما فوجدا في أنفسهما وحضرا معالمترجم له في مجلس البخاري بالمسجد الجامع فكأنه كوشف بماوقع في خاطرهما فالتفت إليهما كالمنكر وقال : الشبع نهر يرده الشيطان والجوع نهر يرده ملائكة الرحمن ,و لم يكن لإيراد ذلك مناسبة إلا ما في أنفسهما ففهما الإشارة وزال ما عندهما وله غير ذلك كثير ومازال على الحال المرضي إلى أن توفاه الله في سنة 1306 قبيل فجر يوم الخميس وله من الولد اثنان : حسن وعلي , فأما حسن فهو كاسمه حسن, نشأ حسنا من صباه, مقبلا على مولاه بالصيام والقيام والمجاهدة لنفسه وتوطينها على أنواع الطاعات وأمانتها ومحاسبتها على القليل والكثير ولله در القائل .

إقبل على النفس واستكمل فضائلها

 

 

فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

 

وذلك في المداومة التامة على الأذكار والأوراد وتلاوة القرآن , حافظاً له عن ظهر قلب , مؤثرا للخمول وقلة المخالطة للناس إلا لحضور جماعة أو أخذ علم ولقد صدق من قال :

لقا الناس ليس ييد شيئا
فأقلل من لقاء الناس إلا

 

 

سوى الهذيان من قيل وقال
لأخذ العلم أو إصلاح حال

 

قال ابن عطاء الله في الحكم ولله دره: ادفن وجودك في أرض الخمول فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه . وإذا رأى نفسه نشرت عن مقصوده حبسها في البيت واعتزل وجاهدها بكثرة الصيام والقيام والمحاسبة حتى تضعف . وقد سألته كثيرا عن اختفائه في البيت وعدم بروزه فيجيب علىّ بهذا .

وله من الزهد في الدنيا والإعراض عنها ما يجل عن الوصف بحيث أنها لا تخطر له على بال , وقد قرأ على الفقير بعض مختصرات الفقه والنحو مع الفهم والذكاء, وله مطالعة كثيرة في كتب الصوفية وعلوم القوم عافاه الله, وهو الآن في عنفوان الشباب ملازم لذلك مكب على ما هنالك لا يفتر ولا يقصر ولم تعرف له صبوة .

فرع: وأما أخوه علي فهو صالح قارئ للقرآن سليم الصدر متواضع ملازم للصلوات جماعة عافاه الله آمين .

وصل : وأما محمد بن عبد الله بن أبي الغيث فلم أقف على سيرته وله ولدان : عبد الله وإبراهيم , فلعبد الله محمد ولمحمد عبده , وأما إبراهيم فله أمحمد ولأمحمد ثلاثة: محمد وإبراهيم وأحمد, فمحمد له حسن ولحسن إثنان إبراهيم ومحمد , وأما إبراهيم فله اثنان : قاسم ومحمد , ولمحمد اثنان إبراهيم وعبد الله , وأ