كُتب أنساب السّادة الأشراف الأهادلة

             

تحفة الزمن

في

تاريخ سادات اليمن

للعلّامة البدر الحسين بن عبد الرحمن الأهدل

855 هـ

 

قال البدر: "ومن قرية ( المَرَاوِعة ) : بفتح الميم والراء ، وكسر الواو , جماعةٌ:

منهم : الشيخ الكبير الوليّ الشهير جدّي عليّ بن عمر بن محمدٍ ،عُرِف عليٌّ بالأهدل.

قال الجَنَدِيّ : كان من أعيان المشايخ ، أهل الكرامات والإفادات, يُقال:جدّه محمد قدم من العراق على قَدَم التصوّف , وهو شريفٌ حسينيٌّ ، وسكن أجواف السوداء من أرض سهام .

هذا لفظُ الجَنَدِيّ ( رحمه الله تعالى ) و لم يرفع نسبه, ووجدت في بعض الأوراق نسبه مرفوعاً , فقال: محمد بن سليمان بن عبيد بن عيسى بن علوي بن محمد بن حمحام بن عون بن الحسن بن الحسين ( مصغرا ) بن علي بن زين العابدين .

وفي موضعٍ آخرَ: ابن عون بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بن عبد المطلب بن هاشم .

 و لم أثق بهذا الموجود في هذه الأوراق إلاّ بشواهدَ ، وقد ذكرته كما وجدته حتى ننظر فيه مع ثبوت أصل النسب إن شاء الله تعالى .

وأعرف في أوّل طلبي للعلم , أنّ أبا القاسم المدنيّ الأنصاريّ بحث عن نسب بني الأهدل ، وكتب إلى أخيه الشيخ أبي حامد المطريّ ، فجاوبه و فيه ذكر جدهم محمد المذكور ممن خرج من الأشراف إلي اليمن , ولم أحتفل يومئذٍ بنقله ، وبحثت عن الورقة بعد ذلك فإذا هي قد ضاعت .

وحُكي لنا عن بعضهم : أنّ محمدا المذكور خرج هو وأخٌ له وابنُ عمٍّ ، فعمد أخوه وابنُ عمّه إلى الشرق ، فذرّيته آل باعلوي بحضرموت .

وسمعت الشريف الصالح إبراهيم القديميّ الحسينيّ يُحدثني عن والدي, أنّه قال له :جدّنا وجدّكم أخوان أو أبناء عمٍّ.

 ولم أزل أسمع أكابر الأهل يُنسبون إلى الشرف كابراً عن كابر , وجرت عادتهم أنهم لا يُزوِّجون نساءهم من غيرهم غالبا وذلك من قديم زمانهم .

و نسبهم مستفاض بين من يعرفهم من أهل ناحيتهم وغيرهم، وصرح به الشعراء في مدائحهم و مراثيهم، وإن كان بعض الأغمار لا يعرف ذلك،وكثيرا ما يسألني بعض الأصحاب فأميل إلى التواضع والخمول على عادة الأهل في الاعتزاء إلى المشيخة , دون الشرف فالمحب المنصف يفهم المراد والحسود يقول ما يقول .

قال الجَنَدِيّ: فنشأ علي الأهدل نشوءً حسناً.

 واختلفوا فيمن أخذ عنه يد التصوف، فقيل: إنه مجذوب. وقيل: بل صحب رجلاً سائحاً من أصحاب الشيخ عبد القادر الجيلاني، يُقال له: محمد بن سبأ، أو سنان الأحوري، وقيل: بل رأَى أَبا بكر الصديق رضي الله عنه فصافحه وأخذ عنه يد التصوف، وقيل: صحب الخضر.

قال الجَنَدِيّ: وسمعت أصحابه وبعض ذريته، يقولون: كان الشيخ يميل إلى تبجيل الأحوري، ولما تُوفي على قدم السياحة إذ لم يزل على ذلك خرج الشيخ إلى أصحابه فنعاه إليهم واجتمعوا وصلّوا عليه.

وكانت أخت الشيخ قد نذرت له نذرا فطالبها به وزاد عليه وعمل له عريشا جيداً، أي: بنى رباطا.

 وكان الأهدل صاحب تربية وكرامات، وإليه وصل الشيخ أبو الغيث بن جميل من عند ابن أفلح , فأقام عنده مدة و تهذب به, وكان يقول : خرجت من عند ابن أفلح لؤلؤة بَهماء، أوقال: عجماء، فثقّبنى سيدي الشيخ علي الأهدل .

وبالجملة فكراماته وأحواله أكثر من أن تحصر,وتُوفي تقريبا سنة سبع وستمائة، هذا كلام الجَنَدِيّ.

وفي بعض التاريخ: أنه تُوفي سنة اثنتين أو ثلاث وستمائة , وسيأتي في ترجمة ابن الجعد ما يدلّ علي صحة تاريخ الجَنَدِيّ الأوّل.

 وعُمِّرَ الأهدل نحو ثلاثين سنة أوفوقها، ولم يصل أربعين سنة باتفاق الذريّة.

وأمّا أخذ اليد فالأشهر الآن في الوجادات, أنّه أخذ عن الشيخ القطب عبد القادر إما بغير واسطة, أو بواسطة, وهو الشيخ علي بن الحداد, أو يكون والده لقي الشيخ عبد القادر وأخذ اليد منه لولده , واجتمع اجتماع الصالحين بعضهم ببعض والله أعلم.

وذكر الشيخ أبو العباس أحمد بن الردّاد في كتابه الذي ألّفه في أحكام الخرقة الصوفية ,ما معناه:أنّ أخذ الشيخ علي الأهدل من عبد القادر بدون واسطة هو الأشهر, وبواسطة الشيخ علي الحداد هوالأظهر، انتهى.

وللشيخ علي الأهدل ولدان أخذا عنه في صغرهما , أحدهما أبو بكر , وهو الذي ذكره الجَنَدِيّ بالفقه، وكأنه اشتبه عليه بعمر، وهوالفقيه فيما يعرفه الذرية أجمعون، أولعلهما كانا جميعا متفقِّهين .

قال الجَنَدِيّ :ذكر الثقة أن الشيخ أبا الغيث مر بهم في بعض أسفاره فاجتمع عنده فقهاء وسألوه عن مسألة، فبادر الشيخ أبو بكر بالجواب، فقال الشيخ أبو الغيث:خذوا جوابكم منكم , وكان رجلا مباركا فاضلا صاحب كرامات، وطال عمره حتى قيل: بلغ مائة وخمس عشرة، وتوفي سنة سبعمائة.

فعلى هذا وعلى تاريخ وفاة الشيخ الكبير باثنتين وستمائة، يكون أبو بكر يوم وفاة أبيه في سن البلوغ , وكان أخوه عمر أكبر منه فيما أخبرنا أكابرنا. وكان الشيخ قبل وفاته فيما يُحكى , قد أوصى الشيخ والفقيه صاحب عِواجة بأولاده فحفظوا وصيته.

 قيل:كان أبو بكر يُكثر الإقامة معهم في بيت الفقيه علي بن الحسين, ويقال: إنه أوصى إليهم بأن الشيخ أبا الغيث إذا وصل للعزاء,فلا يقم الرباط، وقد تقدم ذكر الحكاية عند ذكر الشيخ أبي الغيث.

وكان بين الشيخ علي الأهدل وبين الفقيه محمد بن الحسين البَجليّ صحبة ومودة من قبل وصول الحكميّ إليه وصحبته له, وكان الأهدل يسمي البجليّ فقيه سِيْدي، أي: ربي , هكذا يضيفه إلى الله تعالى .

ولما قدم الحكميّ إلى البَجليّ انقطع معه أياما, فقال الأهدل : ما لفقيه سِيْدي ما وصلنا، فقيل له: إنه قدم عليه رجل نجار صوفي، يقال له: الحكميّ , فانقطع معه, فقال : هكذا يأخذ عليَّ صاحبي، فتقدم الشيخ بأصحابه فوجدهما معتزلين في أشجار هنا، وكان الحكميّ يقطع الخشب فيها ويعمل آلة الحرث ويقتات من كسبه ويتصدق بالفاضل , وكان الحكميّ غريباً, والبَجليّون هم أهل البلد والثروة والفقه والدين والإطعام والمنازل والأملاك من الأراضي والأنعام , فلما قدم عليهم الحكميّ صحِبهُ الشيخ محمد بن الحسين ولازمه , فلما وصل الأهدل إليهما، يقال :إنه همَّ أن يسطو عليهما بحاله، فرأى رؤيا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، اعترض دونهما بيده، ثم قال: يا شيخ عليّ! دعهما فإن لله فيهما عناية، ولكن تعال نعقد بينك وبينهما أُخوّة ,فعقد بينهما صلى الله عليه وآله وسلم  الأُخوّة فيما يقال , فكانوا متحابين في الله متزاورين متباذلين فيه.

وكان الشيخ الأهدل قليل الكلام جداً , وكان الحكميّ و البَجليّ , يسميانه المفدّم، أي: بالفاء والدال المهملة، أي: كأنّ على فمه الفِدام يمنعه من الكلام.

ويقال:كان للشيخ علي الأهدل نحو خمسمائة مريد، نجب منهم نحو سبعين, منهم الشيخ أبو الغيث، والهدش، وعبد الله، وقد تقدم ذكرهم. 

ومنهم ابن الجعد، ودروب، و القميري وهم من مشايخ الجبال , ولبني دروب رباط وزوايا وهم متمسكون بالدين إلى الآن.

وكان الشيخ رحمه الله تعالى متجرداً للانتساب إلى الله تعالى .

حُكي: أن الفقيه يحيى بن قبيع المجدّلي الآتي ذكره , سأله عن نسبه فقال :إلى الله تعالى وبالله.

وفي روايةٍ: أجابه بحديث (نحن معاشر الأنبياء لا نُورَث) وفيه إشارة إلى انتسابه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

وفي روايةٍ: أنه أشار إلى الأرض، ومعلومٌ أنّ من قاعدة الطريق التخلي من الأنساب والأسباب, وكذلك لم تر هذه الطائفة اشتهار هذه النسبة.

وقيل:كان سبب إخفاء نسبهم فتنة قرابتهم مع المنسكيين فتركوا إظهار النسبة , مع أن علماء زمانهم قد دوّنوها في كتبهم، منهم الجَنَدِيّ , ومنهم القاضي محمد بن عبد الله الناشري في كتابه (الدرر)، ومنهم ولده القاضي عبد الله الناشري فإنه كتب إليَّ إجازة وصرّح بالنسبة إلى الحسين رضي الله عنه، وكذلك الشيخ علي القرشيّ كان يُصرِّح بذلك مكاتبة ومخاطبة ,وكذلك شيخنا الفقيه سليمان بن إبراهيم العلويّ فيما كتب به إليَّ صرّح بالنسبة ,وذلك حسب ما عرفوه من تاريخ الجَنَدِيّ وغيره,وكذلك الشيخ أحمد الردّاد كتب لي إجازة وصرّح فيها بالنسبة الحسينية نفع الله به آمين آمين.

ومعلومٌ أنّ طرق الأنساب منذ أعصار متقدمة قد توعّرت مسالكها؛ لتباعد الأصول وإهمال الدواوين، ولكنّ المرء مصدَّق في نسبه,كيف إذا اعتضد بالشواهد، فلله الحمد على النعمة، ونسأله المزيد من فضله آمين .

ولقد سمعت من الفقيه أبي بكر بن محمد الزيّلعي عن والده نسبه إلى جده الفقيه أحمد بن عمر الزيّلعي, أنه كان يقول: ليس في مناصب اليمن أكبر قدراً من الشيخ علي الأهدل انتهى، أوكما قال.

وهذا إذا اعتبر بالإنصاف صح عقلاً وحساً، وسمعت شيخنا محمد بن إبراهيم يقول ما معناه: إنّ خرقة غالب مناصب سُردد ترجع إلى الشيخ علي الأهدل، نفع الله به، والحمد لله رب العالمين .

ومن المشهور أنّ الشيخ رحمه الله تعالى كان أميّاً، لكن رفع الله قدره بالزهد، والعبادة, والصدق، والإخلاص، وأحيى ذكره بالكرامات، والذريّة المباركة ذوي المآثر المشهورة.

 وكان حال الشيخ رحمه الله تعالى الاستغراق في الذكر والصمت, ولذلك سُمّي المُفَدَّم بالفاء.

قلت: في بعض القصائد في مدحه ومدح كلّ صامتٍ وكلّ ناطقٍ بالحق ثابت:

فهم بين قوّال بالحق وصامت

 

 

كما جبل راس كملحان أو ثلا

 

فنوِّه بأُميٍّ من القوم قد غدا

 

 

على فمه منه فِدامٌ فما خلا

 

وذاك علي الأهدل الشيخ ينتمي

 

 

إلى ذروة الشرف المنيف تأهلا

 

وقد كان مخطوب المواهب قُطبها

 

 

وكاتمها ما زاغ قولاً و أفعلا

 

ومن كان هذا نهجه في تصوف

 

 

فأحبب بهذا صامتاً متبتلاً

 

ومولاه يُكفيه الذي قد ينوبُه

 

 

فاحسبه مولاه كهفا وموئلا

 

ذكر أولاد الشيخ علي الأهدل:

تقدم أنه كان له ولدان: عمر وأبو بكر، فأما عمر فكان له ثلاثة أولاد هم أحمد وعلي وأبو القاسم ،فأحمد له ولدان عمر وعلي، فعمر له الفقيه أحمد المعروف عندهم بالفقيه الكبير ولم يكن له غيره فتفقه أحمد بالفقيه أبي بكر بن عشيقة , بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة , وكان فقيها , صالحا يسكن محل الدارية وهو ممن تفقه بعلي ابن الصريدح , تلميذ أحمد بن موسى بن عُجيل  وكان الفقيه أحمد بن عمر الأهدل فقيها , فرضيّاً، نحويا، مشاركاً في علوم أخرى, وَرِعاً، عابداً، ورُزِق ثروة كبيرة، وربما أدرك صنعة الكيمياء, وملك أرضاً كثيرة في الوادي والضاحي، وبني مسجدين:جامع المحل, وآخر بالمراوعة, وكان يفعل المعروف من دنياه و لا يُرَدُّ مَن قصدهُ خائباً , و يُرتب جماعة من الدَرَسة وحصَّل كتباً كثيرة , وكان مؤاخيا للفقيه الصالح محمد بن عمر الدّبر, وتفقه به ابن الدّبر, وكان قد ارتحل إلى بيت حسين فقرأ الفرائض على ابن عمران المذكور في أهل بيت حسين,وقد أخذ يد التصوف من عمه الفقيه الصالح المعمر أبي بكر بن أبي القاسم,ونصَّبه شيخاً وعمل يوم نصبه طعاماً كثيراً، استدعى المشايخ الصوفية من أهل تلك الناحية , وعَمَلوا سماعاً مباركاً , وقام الشعراء بمدائحهم.

و ممن قام بالمدائح الأديب ابن زنقل بزاي, وقاف مضمومتين بينهما نون ساكنة وآخره لام ،وكان أديب تلك الناحية يومئذ فقال :

صبٌّ بكاظمة شجته أربُعُ       فدموعه في الخد منه أربَعُ

راعته في الغادين رائعة النَّوى     ففؤادُه لَمَّا تاؤه مروع

يا معلمين العيس تنفح في البرى     حيناً وحيناً في الأزمة تنزع

       قولا لأبناء الزوايا بلّغوا           من لم يكن بالأمس حاضر يسمع

    أهل الشريعة والحقيقة أجمعوا    عزموا على الرأي الصَّواب وأزمعوا

أن يَنْصبوا ملك المناصب تبّعا     إذ ليس في كل المناصب تبع

  ويتوّجوه بتاج أهدل جدّه        إذ ذاك بالورع الصّريح مرصّع

ويبرقعوه بِبُرقع من علمه        ليناظر العلماء وهو مبرقع

ليكون معتلماً بهيئة جدّه         أ كمثل هيئة جدّ ذاك تضيّع

والشافعي ومالك راياتهم      من تحتها جرد المذاكي تقرع

لَبِسَ الجنيد كمثلها عن خاله     السّقطي فظلّ بها يخب ويوضع

وساق نسبة الخرقة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال

والشيخ الأهدل فارسا شاهدته   وبكفه منشور نصب يوضع

وأبو الشموس مرجلاً قدامه    يصغي إلى ماذا يقول ويسمع

حتى إذا ما النصب تم وصحَّ ما     قد كان فيه أصلوا أو فرعوا

كتبوا إجازته وصحَّ كتابها      ودعا لما ندبوا إليه وما دُعوا

حجلوا كما حجل الصحابة يوم فتح    كداء وحسان بن ثابت يسجع

وذكرت طائفة الجنيد بهم وقد    طاب السماع لهم وغنَّا مسمع

وشهاب دين الله لابس  للتقى    وحلى التواضع والحجى متدرع

يا باقر العلماء يا من صدره    بحر بأمواج الفتاوي يدفع

لما قرنت العلم بالعمل الذي    أعمال كل تق إليه ترجع

فعرفت ما عرفت الأئمة قادما     ما السلف الأفاضل تتبع

فقت الأفاضل وانفردت برتبة    تالله ما فيها لغيرك مطمع

فَلْيَهْن ما أوتيته فاشفع لنا      يوم الحساب غدا فأنت مشفّع

وبراحة الفقراء قمت فما الذي     من راحة الشعراء قل لي تمنع

حرس الإله بك الزمان وأهله     وبقيت ما بقيت نجوم تطلع

وله كرامات كثيرة,منها ماحكاه لنا الفقيه عثمان بن حسين الأهدل أنه قال : يوم دخلت العرب القحرى المراوعة لقيت الفقيه أحمد في الشارع عند منزله , فقال لي يا فقيه :ما قال ابن حمير فألهمني الله قول ابن حمير في أصحاب الفيل : وأنت يا زمرة الأحباش فانقسمي، قال: وأشار الفقيه بلحافه وضرب بطرفه قائلا : وأنت يا زمرة الأحباش فانقسمي، فانكسرت العرب وانهزموا من ساعتهم, توفي بشوال سنة ثلاث وثماني مائة، وله مآثر حسنة كثيرة وذرية مباركون، وأولاده لصلبه محمد وعمر وعثمان ويحيى فكان محمد أكبرهم وأبركهم .

يُحكى عن الفقيه محمد بن إسماعيل المكدَّش رحمه الله  أنه قال لبعض بني الأهدل : الفقيه أحمد بن عمر بركتكم , وولده محمد أسعدكم , وكان محمد رحمه الله تعالى وصولاً للرحم متحملاً عن أهله تكاليف الدولة والعرب فكانوا في زمانه,كما قيل في غيره من الفضلاء :

تلك بنات المخاض راتعةً    والعود في كوره وفي قتبه

توفي في حياة أبيه في آخر عشرالمائة الثامنة , وأخوه عمر توفي بعده وكان من الصالحين, وأما عثمان فتوفي بعد عمر بمدة , ويحيى بعد عثمان بمدة , ومن أولاد محمد : أحمد وعمر فأحمد أكبرهم , وكان خيراً له مكارم و إحسان إلى الأرحام وغيرهم , توفي ليلة الجمعة في محرم سنة سبع وعشرين وثماني مائة ودفن عند أبيه وأجداده , وأما عمر حي إلى الآن , تفقه على ابن آدم الزيلعي وابن الدّبر , وهو صالح ناسك متبصر في العلم عارف بالنحو , ويخطب يوم الجمعة أو عمه  إبراهيم , ولعمر ولد اسمه عبد الله صالح ناسك أيضاً وليحيى ولد فقيه صالح أمه من بني العلويّ المذكورين في أهل زبيد , تفقه بابن الأحمر و قرأ في الحديث على الضجاعي وغيره ممن ورد زبيد وحقق الفقه وسمع وقرأ التفسير والحديث , وهو مشارك في فنون ,وقد قرأ عليَّ بعض مصنفاتي وغيرها زاده الله من فضله آمين . انتقل من زبيد إلى أهله بالمراوعة يُدَّرس ويزدرع حتى تُوفي بها لنيف وثلاثين وثماني مائة , وله أخ اسمه عمر بن يحيى تفقه قليلا وصحب الشيخ الصالح علي بن عمر القرشي المذكور في أهل القرشية وتزوج بابنة الشيخ وأولد منها , وأقام بعدهم في الأوشج في ساحل حيس , ولعثمان , أولاد أخيار منهم عمر ومحمد و جماعة آخرون أخيار فضلاء

وأما علي بن عمر , فله ذرية موجودون أيضا , وأما أبوالقاسم بن عمر الكبير عُمِّر مائة سنة مولده في أول المائة الثامنة بالمحرم بالقرب من وفاة عمه الشيخ الكبير أبي بكر بن علي , و أمه من بني المشولي من أهل اللاميَّة , تفقّه وتعبَّد , وصحب الشيخ محمد النهّاري الآتي ذكره في نواحي القحمة, وسيأتي ذكر أخذه لليد عنه بعد أخذه من أبيه إن شاء الله تعالى , وصحب الفقيه أبا بكر بن أبي حربة أيضا, وتوفي في أول المائة التاسعة في المحرم وله كرامات كثيرة .

منها : ما حكى الثِّقة وكان معه يعلم الصبيان في المسجد، فقال: كان الفقيه أبو بكر عندي في المسجد يدرس القرآن بعد العصر وثوبه على رأسه فبينما هو يدرس إذ جعل يقول : أين تبوك الثيرة غدا الوادي شا يصبح عبار والخبت فيه الغيث، قال المعلم: ونحن في شدة الحر ,والرياح, فقلت:في نفسي لعل هذا الشيخ أختل عقله وينبغي أن يحجب, فأصبح السيل والمطر،كما قال.

ومنها:أنه لما مات الفقيه محمد بن أحمد بن عمر المذكور كان عليّ دينٌ كثيرٌ نحو ستة عشر ألف دينار فشكى ولده أحمد إلى الفقيه أبي بكر هذا، فقال: الله الله هذا دين كثير ثم سكت عنه ساعة ,وهو يتلو القرآن، ثم قال: قل:حلّه أي بالحاء المهملة من الحلّ ضد الربط، فقال له: حلّه، فقال:حللته بإذن الله تعالى,ثم قال:اغرس عطباً في الوادي، فغرس عطباً ,فقضى الله ذلك الدين عنه،هذا مختصر الحكاية والله أعلم .

قلت:وكان لي به مجالسة ,واستفادة ,وله بي عناية ,عليه قرأت عقيدة اليافعي المنظومة في خمسة عشر بيتا من جملة قصيدته الطويلة الملقب بشمس الإيمان,وكنت أكررها عليه ,وكان يقول لي :اليافعي إمام ونحن مقلدون ,وكانت الإشارة بعده بالنصّب والتحكيم إلى ولده الفقيه الصالح أبي القاسم ,وهو حي إلى سنة إحدى وثلاثين ,قد لزم بيته للكبر وتأتيه الزوار كثيرا,وهو ممن يلتمس دعائه وبركته توفي آخر جمعة من المحرم سنة أربع وثلاثين وثماني مائة، وقد قارب التسعين سنة وقد أخذت يد التصوف من والده أبي بكر,ثم أخذت منه و نصّبني شيخا, وكان له بي عناية وحسن مراعاة جزاه الله عني خيراً .

ولأبي القاسم ذرية أخيار الإشارة فيهم إلى الفقيه عمر.

 

وأما الشيخ أبو بكر بن علي الكبير الأهدل ,فكان له ستة أولاد، أعقب منهم خمسة, وهم محمد، وأحمد، وعلي،وعثمان، وعبد الرحمن.

فعثمان ذريته: سعيد، وعمر، وعلي، ومحمد، وعبدالله، وعبدالرحمن، وأبوالقاسم، وموسى .

أما أحمد فمن ذريته المواركة، وبنوالهوى، وبنوالقحم، والفقيه عثمان بن حسين بن أحمد .

ومن ذرية محمد: بنوحفصة كانت صالحة ,لها اتصال بالملك الأفضل؛ لأنها أرضعته, وقد قَدِمَت به أمه لزيارة الشيخ علي الأهدل ,ومن ذريته: بنو المنّشد، وبنو الأعضب، وبنو القمّاط.

ومن ذرية عبد الرحمن:الشراعية، والنذارية، والفقيه محمد بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الرحمن ,كان محمد المذكور فقيها ,عارفا ينوب القاضي في الأحكام في قريتهم,وله كلمة مسموعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وأما علي بن أبي بكر فذريته ثلاثة هم : الشيخ أبو بكر الأصم,ومحمد،وعمر، وكان الأصم من كبار الصالحين,سكن القحرية له زاوية محترمة وفتوحات كثيرة من نذر وغيره,وله كرامات خارقة للعادة,وكان أميّاً فيه صدق، وإخلاص,وكان إذا غضب على أحد يأخذه مثل السنة, فإذا عوقب خصمه أفاق, قال الشيخ علي القرشي:كان المعنى بتلك السنة رفع الحرج عن الشيخ, ولم يُعقِّب إلاّ بنتاً واحدةً,وكانت صالحة، اسمها مريم، أَعرِفُها في آخر عمرها ماتت، ولا عقب لها أيضا .

وأما محمد فهو جديّ أبو أبي وأعمامي ,وهم أحمد عُرِف بجريبان بجيم مضمومة على التصغير, وعمر أمهما أهدلية مع أربع أخوات لهما ،وأبوالقاسم وأبو بكر وعبد الرحمن ,وعبد الله وأمهم أم العز بالعين والزاي ,من بني النجميّ ,من بني خلف القحريّ ,ولهم أختان من أبيهم وأمهم ,أمهما أم حسن تزوجها الفقيه أبو القاسم بن عمر ,ورابعة تزوجها ولده الفقيه أبو بكر بن أبي القاسم المعمر المقدم الذكر,ولم تلد أم حسن للفقيه ,وخَلَف عليها بعده الشيخ علي من قرابتها فذريته منها .

 وأما أعمامي الذكور, فعمر قد انقطع عقبه, والباقون لهم ذرية كثيرون فيهم أخيار وفضلاء .

فمن ذرية جريبان أبو بكر بن علي جريبان،كان صالحا حافظا للقرآن ,وأمه بنت الفقيه أبي بكر المعمر ,ومن ذرية أبي القاسم الشيخ يحيى بن أبي القاسم ,صاحب الزاوية بالقحرية ,كان رجلا صالحا ,موسراً مطعاماً ,شجاع القلب ,صاحب كرامات، توفي سنة ست أو سبع وعشرين،وله أخ اسمه أحمد تفقه تفقهاً حسنا وحصَّل كُتباً ,وكان صالحاً موسراً قنوعا محبا للعلم وأهله، باذلا لهم المعروف، توفي سنة ثلاثين بالمراوعة,وله الآن ولدان يتفقهان زادهم الله من فضله,وليحيى ذرية جماعة,ومن ذرية أبي بكر جماعة بالقحرية يعرفون ببني مطيرة بالتأنيث, وكذا من ذرية عبد الله .

وأما ذرية أبي عبد الرحمن فأكثرهم بالقحرية، إذ سكنها أبوهم حتى توفي بها،وله خؤولة من القحرية من بني النجمي,أمه أم العز منهم كما تقدم ,وقبره مشهور بالقرشية يُزار ويتبرك به ,وكذلك قرابته بالدهنية ,وقبر عمه أبي بكرالأصم بالخبت الأسفل مشهوراً يزار،ويستسقى بالجميع من هذه الثلاثة المذكورين,فأكبرأولاد أبي:أخي محمد كان من الصالحين الورعين.

 وكذلك أبي كان صالحا ورعا مجانباً لمخالطة الناس .

حكى الثقة عنه،أنه قال:لي بين القحرية أربعين سنة ما كان لهم محضر من عرسٍ أو عزاء،أو غيرهما إلاّ حضرته,ولا قد أكلت لهم طعاما,ولا قد بعت منهم شيئا ولا اشتريت منهم شيئا من الدواب ونحوها,تورعا من الحرام .

وكذلك ولده محمد,كان يتورع من طعامهم وأموالهم حتى من دخول منزلهم ومن الشرب في آنيتهم كان يحمل على دابته إناء يشرب فيه, توفى والدي قديما قبل التسعين بتقديم المثناة ,وأنا في المكتب,وتوفي محمد بعده بنحو سنتين أوثلاث,وكنت في المكتب أسمع الناس يقولون: هذا الولد، قال فيه أبوه:إنه يكون فقيها.

ولي من الإخوة جماعة من أبي كلهم قرّاء القرآن,وجماعة من أبويّ منهم:أبو القاسم،وإبراهيم,وحسن,ويحيى، أخيار يحفظون القرآن,الباقي منهم الآن أبو القاسم وفقه الله وختم للجميع بخير آمين,توفي يحيى بربيع الآخر من سنة ثلاث وثلاثين وثماني مائة ,وقُبِر مع بني الأجحف, بوصية منه .

أمّا عمر بن علي فهو عمُّ والدي,فهو جدّ أهل المنيرة والمنهلة ,أكبرهم الشيخ عبد الله بن عمر،كان مشهورا بالصلاح والكرامات، وهو أول من أسس زواياهم بسُردد,ولم يكن له عقبٌ إلاّ أولاد أخيه محمد، أكبرهم وأبركهم إبراهيم بن محمد ,وهو وارث سره عنه,وصرّح له بالوراثة والاستخلاف,وظهرت عليه الكرامات,توفي سنة خمسَ عشرة, وتوفي الشيخ عبد الله بن عمر لبضع وسبعين وسبعمائة ودفن بالمنيرة,والشيخ إبراهيم معه وذريته وقرابتهم,وله إخوة أخيار,وهم حسن وحسين التوأمان،وأحمد,ولإبراهيم أولاد نجباء أخيار, أكبرهم محمد كان صالحا سليما متواضعا، توفي بعد الحج والزيارة بينبع، ودُفن هناك سنة سبع وعشرين.

ومنهم:أبو بكر شقيق محمد توفى قديما في آخر المائة الثامنة .

ومنهم:عمر بن إبراهيم،وكان حسن الخلق مطعاماً،نشأ نشوء حسناً في أفعال الخير,ومرض بالسعال المخوّف,حتى توفى قبل أبيه بنحو سنة.

ومنهم :يحيى وهو شقيق عمر,وهارون أمهم بنت بشير بموحدة مفتوحة من العرب المقاصرة,كانت امرأة مباركة تفعل الخير في الزاوية من الطعام وغيره,توفيت بذي القعدة من سنة ست وثلاثين .

وأما يحيى فنشأ نشوء حسناً ورُؤيَ له أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غسله عند وِلادته, فحفظ القرآن قبل بلوغه,ثم لهى عنه قليلا,فذُكِر لي أنه رأى في منامه أن الفقيه محمد بن عبد الله الحرازي ,وكان من الصالحين قال له: يا يحيى أجب القرآن فإنه يدعوك، قال :فقمت معه إلى المسجد فقابلني شخص حسن الصورة , فدخل فيّ حتى امتزج بي ,كذا سمعته يقول: فكان بعد هذا كثير التلاوة سريعها, يختم القرآن في كل يوم, وربما أنه يشرع ويختم عرضا في مجلس, ويقرأ يس أشرافا كثيرة, عرضاً في ساعة ووسع الله عليه في الدنيا وآتاه من أصناف الأموال, وكان يزدرع كثيرا, وكان له اتصال بالسلطان الناصر في حياة أبيه، وكان له فيه اعتقاد وفي أبيه، وكان لا يأخذ منهم في مزارعهم شيئا من المكتب إلا أن يقدموا دابة أو نحوها من الهدايا, ودام ذلك مع الناصر إلى أن مات, ثم مع المنصور إلى أن مات, ثم مع الأشراف, ثم مع الظاهر على عادتهم نسأل الله دوام نعمته عليهم وعلينا, وليحيى مكارم وصدقات لطيفة, بحيث لا يخيب من قصده غالبا, على قدر ما يفتح الله له, وكان عمر هو الذي أسس لهم المكارم, وهو الذي بني جامع المنيرة, ومات قبل تمامه فأتمه يحيى، ثم بنى مسجدنا الذي عند منزلنا بأبيات حسين, فجزاه الله خيرا, وكان تمام مسجدنا في رمضان سنة إحدى وثلاثين عمّره الله بأهل طاعته آمين.

وللشيخ عبد الله بن عمر إخوة هم: محمد السابق ذكره, وأبو القاسم, وعلي, ولأبي القاسم ذرية معرفون أخيار, ولعلي ذرية يعرفون أخيار, أشهرهم الشيخ عمر الخبيتي بضم الخاء المعجمة,وفتح الموحدة علي التصغير وآخره مثناة من فوق ثم ياء النسبة، وله ذرية جماعة .

ومن أهل المنيرة: الفقيه إبراهيم بن حسين عُرِفَ بالمنيري القرواني، من عرب في جبل ملحان, تفقه بأبيات حسين, وأخذ عني كثيراً وكان فقيها, وَرِعاً محتاطا في دينه ودنياه, حسن البحث عن دقائق الورع والمعاملة, توفى يوم الجمعة في ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين, وكان أبوه متفقِّها يُصلِّي بهم الخمس والجمعة والعيدين, وكان متنسِّكاً توفى في أول المائة التاسعة .

ترجمة المؤلف لنفسه: 

وإذ قد ذكرت أهلي ببعض أخبارهم فأذكر بعض أمري مما يعتني بمثله العلماء و يدونه الفقهاء.

فمولدي لنحو تسع وسبعين وسبعمائة تقريبا بالقحرية غربي الجثة ونشأت بها وحفظت القرآن بها ,وكنت في المكتب أسمع الأهل يقولون هذا الولد قال :والده فيه أنه يكونُ فقيها ,فلما حفظت القرآن ,رغبت في الفقه فانتقلت إلى المراوعة قبل البلوغ , فقرأت التنبيه , وحفظت ربعه ,وطالعت في المهذب وغيره ,وحصلت التنبيه ,ثم مختصر الحسن في النحو,وبداية الهداية والتبيان للنووي بخطي ,وكانت قراءتي علي الفقيه العلامة علي بن آدم الزيلعي, وكان فقيها محققا مفتيا بناحية سهام ,يعرف الروضة والتفسير والعربية والفرائض معرفة جيدة ,وكانت وفاته في العشر الأوّل من هذه المائة التاسعة ,وقد سمعت عليه بداية الهداية ومنهاج العابدين للغزالي , وبعض تفسير الواحدي بأخذه له قراءة على الفقيه محمد بن موسى الذؤالي ,وطالعت شرح التنبيه للزنكلوني،وحفظت معظم الربع الأول منه تصويراً, وتصحيحا .

ثم دخلت إلى بيت حسين في رجب من سنة ثمان وتسعين فأقمت بحافة الشرجة عند الفقهاء بني العرضي المتقدم ذكرهم,فقرأت على شيخي الفقيه الصالح محمد بن إبراهيم العرضي,فأعدت عليه التنبيه وشرحيه فحفظته جميعا,ثم قرأت عليه المهذب ثم المنهاج والأذكار للنووي .

ثم أعدت المنهاج على شيخي الفقيه الإمام علي بن أبي بكر الأزرق،وحصلت اختصار المهمات,وتخرجت به وطالعت معه أصل المهمات,واستفدت منها معرفة أسماء العلماء الشافعي وأصحابه رحمهم الله تعالى ,ومناقبهم ,والتصحيح والتناقض الواقع في كتب الإمامين الرافعي والنووي,واستدراكات الأسنائي عليهما ,ثم حصّلتُ كتاب النفائس لشيخي نور الدين الأزرق,ثم قرأت عليه الأذكار للنووي والتبيان والأربعين له أيضا,وكتاب الشهاب والنجم ,والكوكب,وقرأت عليه جميع تفسير الإمام الواحدي،والشفاء للقاضي عياض,وجميع البخاري ومسلم و سمعت الترمذي والموطأ ,وسنن أبي داود,وسيرة ابن هشام علي غيره,وأخذت على الأزرق كثيرا,وله بي اختصاص تام رحمه الله تعالى,وجزاه عني خيرا ,وقد بشرني رحمه الله تعالى بالخير,وسمعته وأنا عنده أعلق يقول لغيري: هذا صار مثل الفقهاء الكبار كالحاذري وغيره,هذا لفظه رحمة الله تعالى عليه,وقال مرة:إن وقف هذا بالبلد فما يكن مفتيها إلا هو .

وروى لي الثقة أنه قال:قلت له :من يكون بعدك في مقامك في العلم ؟ فقال :فلان لأقلّ العبيد,وقد أمرني في حياته بالإفتاء وأمرني بكتب جواب بعد جوابه,فكتبت خطي في حضرته بالجواب,ولقد رأينا من فضل الله كثيرا .

وقرأت رسالة القشيري على ابن الردّاد بزبيد بعد مطالعتها ومطالعة عوارف المعارف,وطالعت من كتب الصوفية والرقائق ما لا أحصى , ولم أرى أحسن ولا أوثق من كتب الشرع من الفقه والتفسير والحديث وما يرجع إلى ذلك إلا كل موفق,وفقنا الله وإياكم .

وسمعت كتاب اللطيفة المرضية الشاذلية ,وعيون الحقائق على الشيخ علي بن عمر القرشي,وسمعت عليه أيضا كتاب اللطائف لتاج الدين بن عطاء الله الشاذلي كله أو بعضه .

وقرأت اللمع للشيخ أبي إسحاق الشيرازي في الأصول,على القاضي جمال الدين الناشري مرة,ثم على الإمام محمد بن نور الدين الموزعي مرة,وقد قدم علينا إلى أبيات حسين وسكن عندي بمنزلي,وقرأت علوم الحديث لابن الصلاح على الناشري المذكور,وعدة الحصن الحصين للجزري على القاضي عبد الله بن محمد الناشري,وأخذت عنه وعن والده كثيرا.

وقرأت قبل ذلك الكافي في الفرائض للصردفي على شيخي أبي بكر الحاذري قراءة بحث وتصور وعمل,وعلقت جميعه,وقرأت عليه الحاوي للقزويني في الفقه وأخذت عنه كثيرا .

وأخذت طرفا من النحو على ابن العرضي والحاذري,ثم قرأت مقدمة ابن الحاجب على الفقيه الإمام في الفن محمد بن زكرى,وقرأت عليه بعض مقدمة ابن بابشاذ,وبعض الجمل .

وحصلت مقصورتي ابن دريد,ونظام الغريب,وكفاية المتحفظ في اللغة,ونظرت في الديوان وصحاح الجوهري وغير ذلك من كتب اللغة والغريب والأدب .

وسمعت كتاب المصابيح للبغوي,وتفسير القرآن له،وطالعت الزمخشري ( أي تفسيره )،ووجيز الواحدي،وعين المعاني في التفسير,وتفسير الكواشي وتفسير فخر الدين الرازي وإحياء علوم الدين,وغيره من كتب الغزالي، ونظرت في سنن البيهقي الكبير والصغير,وجميع شعب الإيمان له،والأسماء والصفات أيضا,وطالعت كثيرا من شروح الأسماء الحسنى,وطالعت سنن النسائي,وغير ذلك من المجاميع والمقروءات والأجزاء,وشروح الحديث كابن بطال,والنووي والمشارق للقاضي عياض، وشرحه لمسلم، وشروح البخاري لابن النحوي،والكرماني،وابن حجر،والزركشي، وتخريج أحاديث الأحياء، وأحاديث المهذب، وعلوم الحديث للحاكم، والمدخل له,ونظرت في المستدرك له .

وحصلت جمع الصحيحين للحميدي وغيره, ونهاية ابن الأثير .

وأخذت في أصول الدين كثيرا,وطالعت منه عدة كتب,وحصلت منه كثيرا بحمد الله تعالى,وطالعت في كتب الملل والنحل للشهرستاني, والمرهم لليافعي،وغير ذلك من كتبه .

وطالعت الطبقات والتواريخ والخلاف وكتب المبتدأ والأوائل ,وكتب القراءات,ورسم المصافح,وقرأت التيسير لأبي عمروالداني على ابن اللحجي،كما ذكرته في ترجمته، وحصلت الشاطبية، والعقيلية، والمقنع في رسم المصاحف لأبي عمروالداني .

وبالجملة فقد بارك الله لي في العلم فعرفت ماهية كل علم لمشاركتي في علوم شتى, وعرفت عقائد الأئمة من أصحابنا الأشعرية, وغيرهم من الحنفية, والحنابلة السنية والحشوية وعرفت مذاهب المبتدعة من كل فريق وعرفت مصطلحات العلماء من الفقهاء المحدثين والمفسرين والأصوليين والأدبيين .

وحققت علوم الصوفية ومصطلحاتهم , وميزت بين محققيهم وشطحاهم, ومارست مشكلات كلامهم, واطلعت على خفايا معانيهم بتوفيق الله تعالى, وميزت العلوم المحمودة من المذمومة وانقسامها إلى خمسة أقسام,وعرفت مذهب الفلاسفة وما يقتضي الكفر وما يقتضي التبديع, وقد حصرالغزالي مذهبهم في عشرين أصلا .

وطالعت كتب الجرح والتعديل,وعرفت الأسباب والأنساب بحمد الله تعالى.

ويسر الله لي سبع حجات وزيارتين,ومجاورة مدة بالمدينة ولي إجازات من مشايخي في كتب كثيرة تحصر أكثرها فهرستي,منها فهرس شيخنا الأزرق عن الفقيه إبراهيم بن مطير,وعن اليافعي فهرست شيخه الطبري المكي ومصنفاته وغير ذلك .

ولي أخذ وإجازات من فقهاء الحرم الذين لقيتهم في سنة تسع وثمانمائة في حجتي الأولي,كالشيخ جمال الدين ابن ظهيرة,وتقي الدين الفاسي, المكيين,وزين الدين المراغي,وأبي حامد المطري,المدنيين,وغيرهم من القادمين كالشيخ مجد الدين الشيرازي ,وشمس الدين الجزري صاحب عدة الحصن الحصين .

ومن طريقي إني لا أحب الرواية إلا عن ثقة ,ولا آخذ عمن دب ودرج,ولا عمن لا أعرف ديانته,ولم أختبر عقيدته ولا أقول إني أعرف كل ما أشرت إليه من العلوم معرفة تامة بل معولي على علوم الدين كفقه الشافعي وأصوله,وأصول الدين على مذهب الأشعرية,والحديث, والتفسير,وعلم الصوفية السنية,وما عدا ذلك فمشاركة صالحة إن شاء الله تعالى,مع اعترافي بالتقصير,وأسأل الله من فضله آمين آمين .

وهذه فهرست مؤلفاتي أولها :

مختصر تاريخ اليافعي فرغت منه في سنة ثلاث وعشرين,ثم طبقات الأئمة الأشعرية فرغت منه في سنة أربع وعشرين,وأردت أن أذيل على تاريخ اليافعي,ثم عدلت إلى اختصار تاريخ الجَنَدِيّ هذا وألحقت فيه زيادات نافعة,وتم بحمد الله تعالى.

ثم كتاب الكفاية في تحصين الرواية فرغت من تحرير بياضه في ذي الحجة سنة ثماني وعشرين، ثم كتاب الرؤية في هذه السنة أيضا،كتاب عدة المنسوخ من الحديث,فرغت منه قبلهما في سنة ست وعشرين .

كتاب كشف الغطاء في حقائق التوحيد وعقائد الموحدين وبيان ذكر الأئمة الأشعريين ومن خالفهم من المبتدعين والملحدين,فرغت منه في سنة ثلاثين، وهو نسيج وحده في بابه .

ثم عملت المسائل المرضية في نصرة مذهب الأشعريه,وبيان فساد مذهب الحشوية  وهو مختصر قدر عشر ورقات كبار .

ثم عملت كتاب التنبيهات على التحرز في الروايات,وهو في حجم الرسائل.ثم حررت جواب مسألة القدر في وريقات.

ثم عملت الإشارة الوجيزة إلى المعاني العزيزة في شرح أسماء الله الحسنى، وكتاب اللمعة المقنعة في معرفة الفرق المبتدعة قدر كراسة.

وقصيدة في الحث على العلم وتعيين ما يعتمد من العلم والكتب من الشرع والتصوف وبيان حكم الشطح والنص على مروق ابن عربي وابن الفارض وأتباعهما من الملحدين,وتمهيد العذر عمن لم يعرف حالهم من المتأخرين وشرحها في قدر ثلاثين ورقة.

وشرحت دعاء القرآن لأبي حربة شرحا ممتعا.

 واختصرت من شرح الكرماني على البخاري مختصرا جيدا نافعا،واختصرت خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي صنفها ابن النحوي وزدت فيه مواضع يسيرة .

واختصرت من فتاوى ابن تيمية في مسائل الخلع والطلاق والحنث والكفارة .

وصنفت في مسالة الانتقاد على اليافعي وغيره مع حسن الاعتقاد في كراسة وسميته ( تقريب السول )،وكُتِبَت عني فتاوي ووجادات نافعة وإجازات,نسأل الله نشر فوائدها,والنفع بها في الداريين,واعهد إلى كل من وقف على ما سطرته,أن يسأل الله تعالى لي الرضا والجنة مع النبيين والصديقين والشهداء آمين,وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .

B